العنوان فتاوى المجتمع: من فقه الصيام
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يناير-1998
مشاهدات 82
نشر في العدد 1283
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 06-يناير-1998
مع كل رمضان تتجدد الأسئلة حول العديد من الأحكام الفقهية المرتبطة بالصوم، الطيار الذي يطير على ارتفاع شاهق ويرى الشمس لا تغرب متى يفطر؟ ومتى يبدأ المسافر فطره ومتى يجب عليه الصوم؟
ولأن العمرة تكثر في رمضان فالبعض يسأل عن حكم العمرة على نفقه الجمعيات التعاونية، وهل يجوز أن يحرم الإنسان بملابسه، وهل يجوز أن ينيب عنه آخر ليؤدي العمرة عنه، وفي أحكام الطهارة ما حكم من ينزل بعد أن يرى زوجته أو من ينزل من المذي؟
الطيار.. متى يفطر؟
السؤال: هذا طيار وقائد أسطول بحري يسأل عن وقت الفطر بالنسبة للصائم وهو في الطائرة، هل يفطر على توقيت المدينة التي تحته، أم يفطر على دخول الليل عندما تغيب الشمس، وإن كانت البلدة التي تحته قد غابت عنها الشمس، وما الحكم إذا كانت السماء ملبدة بالغيوم يصعب معها رؤية الشمس، علمًا بأننا نكون في ارتفاع شاهق بين ثلاثين إلى أربعين ألف قدم فوق سطح الماء وبسرعة إلى خمسمائة عقدة في الساعة؟
الجواب: إذا اختار المسلم الصيام في السفر، ولم يأخذ بالرخصة فالأصل أن ركاب الطائرة يفطرون عند رؤيتهم دخول الليل وهو غياب الشمس لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (البقرة: 187) وهذا الخطاب لهم إذا كان ليلهم أو نهارهم الذي يرونه حقيقيًا أو في حكم الحقيقي، وإنما يكون كذلك في حال إقلاع الطائرة أو هبوطها فيفطرون على رؤية الشمس إذا غابت، فحالهم هنا لا يختلف عن حال البلاد التي أقلعوا منها أو سيهبطون عليها، وما قد يكون من فوارق فهي دقائق ينبغي مراعاتها.
أما إذا كان ارتفاع الطائرة شاهقًا بحيث يصل إلى المسافة التي وردت في السؤال، وهم يرون الشمس لم تغب وهي قد غابت عن البلدة التي تحتهم منذ فترة فهم حيئنذ تبع للبلدة التي تحتهم يفطرون على تقويمها ومواعيد إفطارها، وكذلك إذا كانت السماء ملبدة بالغيوم من باب أولى، لأنهم في هذه الحال في هواء تلك البلدة، ويتبعون في الأحكام الشرعية أهلها، لأن التابع تابع وما فوق الأرض من هواء تبع لها ولا يفرد التابع بالحكم، بل قد يجوز في التابع ما لا يجوز في المتبوع، ولأن الشمس قد غربت ولكنهم يرونها لظرف علوهم الشاهق، فلو نزلت الطائرة من نقطتها في الجو إلى ذات النقطة دونها حتى الأرض لغابت عنهم الشمس ولو عاودوا الارتفاع لظهرت، ولأن اعتبار ليل الطائرة ونهارها في حال الارتفاع، أو الغيم فيه عسر شديد، وقد تستحيل رؤية الشمس في حال الغيوم الكثيفة، وفي بعض أجزاء الأرض قد تطول المدة لساعات والشمس في آخر النهار عن الطائرة في حين أنها قد غابت عن البلدة تحتها منذ أمد، ويصعب ذلك أكثر بالنسبة لمن مهمتهم الملاحة الجوية، والحرج مرفوع في شريعتنا قال تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: 78).
ومن جانب آخر فإن الطائرة في ارتفاعها الشاهق أو غيره لا تصلح أن تكون مقرًا طبيعيًا صالحًا للإقامة الدائمة حتى تجري عليها أحكام المقيمين من كل وجه، فإذا لم تكن الطائرة كذلك فأحكامها تبع لأقرب بلدة تحتهم بحيث لو مد حبل فالبلدة التي يصلها- افتراضًا- هي بلدتهم في الأحكام وإن لم تكن بلدة الإقلاع، وقد يقال: فما حكم من هم على شاهق جبل مثل جبال الهملايا، فهل يصح أن يفطروا على مغيب الشمس برؤيتهم أم مغيبها في الأرض تحتهم، فيقال: إن حاله يختلف عن حال ركاب الطائرة، فينظرون على رؤيتهم لمغيب الشمس، بخلاف الطائرة فإنها لا تصلح أن تكون مقرًا مستقرًا لركابها. والله أعلم.
مسافر وقت الظهر:
السؤال: شخص يريد السفر في أيام رمضان فمتى يجوز له الفطر، هل يصبح مفطرًا ولو كان سفره وقت الظهر أو العصر؟
الجواب: إذا كان السفر أثناء النهار، فلا يجوز للصائم أن يفطر وعليه أن يتم صيام هذا اليوم، وهذا مذهب جمهور الفقهاء، ولا كفارة عليه لو أفطر.
وذهب الحنابلة أن له أن يفطر، إذا كان سفره أثناء النهار، إذا جاوز مدينته، أي بدأ بالسفر كركوب الطائرة، أو ابتعاد السيارة عن المدن.
وإستدلوا بحديث جابر رضى الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم، وصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فشرب والناس ينظرون إليه- فأفطر بعضهم، وصام بعضهم، فبلغه أن ناسًا صاموا فقال: أولئك العصاة» «مسلم 2/ 785» وقالوا: إن الفطر مع السفر كالفطر للمرض الطارئ إلا أن الحنابلة قالوا: إن الأفضل لمن سافر في أثناء النهار إتمام الصوم، خروجًا من خلاف من لم يبح له الفطر، وهو قول أكثر العلماء تغلبًا لحكم الحضر، كالصلاة.
لكن لو أن المسلم بدأ السفر قبل الفجر، فله أن يفطر باتفاق الفقهاء لأنه متصف بالسفر عند وجود سبب الوجود.
متى يعاود الصيام؟
السؤال: إذا وصل المسافر في رمضان إلى البلاد التي يقصدها وهو مفطر هل يصوم بمجرد وصوله إليها، أو يستمر على فطره باعتباره مسافرًا؟
الجواب: هذا يعتمد على عدد الأيام التي يعزم المسافر إقامتها في البلاد التي وصلها، وهذه المدة اختلف الفقهاء في تقديرها، فيشترط عند المالكية والشافعية لكي يفطر أن لا يعزم الإقامة مدة أربعة أيام بلياليها، وعند الحنابلة يشترط ألا يعزم الإقامة أكثر من أربعة أيام، ونصف شهر أو خمسة عشر يومًا عند الحنفية، فإذا عزم في نيته الإقامة المدد المذكورة فإنه يصوم مع أهل تلك البلاد.
وإذا نوى المسافر الإقامة في تلك البلاد ولم يحدد عدد الأيام التي سيقيم فيها، فإن الواجب عليه فعله أن يصوم وحكمه حكم المقيم كذلك في الصلاة، لأن نية الإقامة تقطع أحكام وصفة السفر.
وهناك حالة أخيرة وهي أن يقيم في تلك البلاد لقضاء مهمة أو حاجة يقصدها وليست له نية الإقامة، ولا يعلم متى تنتهي تلك الحاجة والأيام، التي تحتاجها، ربما تنتهي بيوم أو يومين أو أكثر، ففي هذه الحال يجوز له الفطر إلى أن تنقضي حاجته.
ولكن قد يترجح لديه من خبرة سابقة، أو لكثرة أسفاره أن مهمته تنقضي بعد أربعة أيام أو بعد خمسة عشر يومًا، فإنه يعتبر مقيمًا ويصوم على رأي الجمهور في الأول أو على رأي الحنفية في الثاني.
ختم القرآن في القيام:
السؤال: هل الأفضل في صلاة التراويح ختم القرآن كله، أم قراءة سور من القرآن الكريم؟
الجواب: الأفضل هو ختم القرآن كله في صلاة التراويح وهذا ما نص عليه الفقهاء وقالوا: إنه سنة أو مندوب وفيه فضل عظيم لسماع الناس لآيات القرآن كلها في هذا الشهر الكريم، شهر رمضان المبارك.
العمرة على نفقة الجمعيات
السؤال: دأب بعض الجمعيات التعاونية على تنظيم رحلات للعمرة بأسعار رمزية، وتتكفل الجمعية بمبالغ طائلة لدعم هذه الرحلات وبعض الجمعيات يحصل على دعم من البنوك مقابل إيداع هذه الجمعيات أموالها، أو جزء منها في هذه البنوك ويتم اختيار الراغبين من المساهمين بطريق القرعة، فما هو الحكم الشرعي في هذا الموضوع؟
الجواب: الجمعية بمثابة المضارب أو الشريك المضارب أو هي وكيل بأجر، فهي تأخذ أموال المساهمين وتعمل بها، ولها نسبة من الربح أو أنها تأخذ أجرًا مقطوعًا وينبغي على الجمعية في هذه الحال أن تتصرف وفق ما يطلبه ويقره المساهمون، فمثل هذه الرحلات تحتاج إلى إذن من الجمعية العمومية، أو أن ينص النظام على حق إدارة الجمعية بمثل هذا العمل، فإن كان كذلك فيجوز هذا الأمر بل هو من الأعمال الطيبة التي ينبغي تشجيعها، ولا عبرة لكون من وقعت عليهم القرعة، أو تمت مشاركتهم دون قرعة، فقراء أو أغنياء، لأن هذه الأموال المخصصة لهذه الرحلات محض تبرع من أصحابها.
وأما أخذ بعض الجمعيات دعمًا من البنوك، بشرط إيداع مبالغ من أموال الجمعية فيها، فهذا غير جائز لأن البنك إنما يدعم من فوائد الأموال وهي ربوية، والشرط المذكور وهو الإيداع باطل شرعًا، والتنزه عن أموال البنوك على كل حال مطلوب خاصة فيما هو طاعة كسفر العمرة.
أحرم بملابسه:
السؤال: رجل يريد العمرة، وركب الطائرة بملابسه العادية وهو في الطائرة أخبر أنه الآن محاذٍ للميقات وأحرم كل من في الطائرة، فماذا يفعل وهو ليس معه إحرام، وهل يلبس الحذاء؟؟
الجواب: واجب هذ الرجل أن يحرم بملابسه، ويجعل رأسه حاسرًا، فإذا وصل إلى جدة يشتري إحرامًا، ويغير ملابسه ويلبس الإحرام، ولا يجوز له أن يؤخر نية الإحرام حتى يصل إلى جدة، وذلك لقول النبي -صلى الله عليه وسلم: «من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس السراويل» متفق عليه، وتجب عليه في هذه الحال كفارة للبسه ملابسه العادية، والكفارة هنا هي إحدى أمور ثلاثة يختار منها ما يريد: إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من تمر أو أرز أو غيرهما مما هو قوت أهل البلد، أو صيام ثلاثة أيام، أو ذبح شاة. وأما لبس الحذاء فلا شيئ فيه مادمت لم تجد النعل غير المخيط.
الاستنابة في العمرة:
السؤال: هل يجوز للرجل أن يوكل غيره بالعمرة عنه وهو قادر على أدائها؟
الجواب: يجوز للرجل إن كان قادرًا على أداء العمرة بنفسه أن يوكل غيره ليعتمر عنه، لأن العمرة عبادة بدنية مالية كالحج، والحج يجوز فيه النيابة وينبغي أن يطلب القيام بأداء العمرة ممن سيعتمر عنه، وإذا اعتمر شخص عن آخر ينبغي أن يعلمه ويستأذنه وهذا عند الحنفية والحنابلة، ويجوز العمرة عن الحي والميت، ولكن الشافعية لا يجيزون العمرة عن الغير إلا إذا كان ميتًا، أو كان عاجزًا عن إدائها وتكون العمرة حينئذ واجبة على ورثته لأن العمرة عندهم واجبة.
وعند الحنابلة فرض في العمرة مرة واحدة، وهي عند الحنفية والمالكية سنة مؤكدة في العمر مرة واحدة، والاستنابة عند المالكية مكروهة.
إصرف نظرك:
السؤال: شاب صائم كان يفكر فنزل منه مذي فهل يبطل صومه؟
الجواب: إذا نزل المذي أو المني بسبب الفكر أو نظر الزوج مثلًا لزوجته فإن الصوم لا يبطل عند الحنفية والشافعية، وفرق المالكية والحنابلة بين النظر المستديم فإنه يفسد الصوم وبين الفكر فإنه مفسد عند المالكية غير مفسد عند الحنابلة.
ونرى مذهب الحنفية والشافعية في الفكر فإنه لا يفسد الصوم، لأن مما يصعب التخلص أو التحرز منه، وأما النظر فإنه يفسد الصوم مطلقًا سواء استدام- كما قال المالكية والحنابلة- أو لم يستدم لأنه مما يمكن التحرز منه.
إياك:
السؤال: شخص صائم وداعب زوجته فأنزل، فماذا يجب عليه؟
الجواب: إذا تم إنزال بهذا الفعل وهو المداعبة أو اللمس أو ما إلى ذلك فيجب عليه القضاء دون الكفارة عند جمهور الفقهاء- عدا المالكية- فيجب عندهم القضاء والكفارة.
أما إذا نزل المني منه بمجرد الفكر فذهب الحنفية والشافعية أنه لا يفسد الصوم لأنه يشبه الاحتلام في هذه الحالة.
وذهب المالكية إلى أنه يفسد الصوم ويجب في هذه الحالة القضاء فقط، وهذا إذا لم يستدم الفكر أو النظر فإن استدامهما إلى أن أنزل فإن كان ذلك عادته فعليه الكفارة وإن لم يكن عادته فقولان: والحنابلة يفرقون بين النظر والفكر، ففي النظر يفسد الصوم دون الفكر فلا يفسد.