العنوان فتاوى «المجتمع».. عدد 2159
الكاتب د. أحمد ناجي
تاريخ النشر الأربعاء 01-سبتمبر-2021
مشاهدات 239
نشر في العدد 2159
نشر في الصفحة 54
الأربعاء 01-سبتمبر-2021
الإجابة للمركز الإسلامي بواشنطن.. أسئلة ملحّة لمسلمي أوروبا وأمريكا
التجنس بجنسية أجنبية
ما حكم التجنس بالجنسية الأجنبية؛ أمريكية كانت أو أوروبية؟
- إن التجنس بجنسيات البلاد غير المسلمة يختلف حكمه حسب الظروف، والأحوال، وأغراض هذا التجنس، على الشكل التالي:
إن اضطر إليه مسلم بسبب أنه أوذي في وطنه، أو اضطهد بالسجن، أو مصادرة أمواله لغير ما ذنب أو جريمة، ولم يجد لنفسه مأمناً إلا في مثل هذه البلاد، فإنه يجوز له التجنس بهذه الجنسيات دون أي كراهة، بشرط أن يعزم على نفسه المحافظة على دينه في حياته العملية، والابتعاد عن المنكرات الشائعة هناك، والدليل على ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم هاجروا إلى الحبشة بعد ما اضطهدوا من قبل أهل مكة، والحبشة يومئذ يسودها الكفار، وأقاموا بها، حتى إن بعض الصحابة لم يزالوا مقيمين بها بعد ما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فإنما رجع أبو موسى الأشعري، رضي الله عنه، عند غزوة خيبر، يعني في السنة السابعة من الهجرة.
ثم من حقوق النفس أن يصونها المرء من كل نوع من أنواع الظلم، فإذا لم يجد الإنسان مأمناً لنفسه إلا في بلاد الكفار، فلا مانع من هجرته إليها، ما دام يحتفظ بفرائضه الدينية، والابتعاد عن المنكرات المحرمة.
وكذلك إن اضطر إليه مسلم بسب أنه لم تتيسر له في بلده وسائل المعاش الضرورية التي لا بد له منها، ولم يجدها إلا في مثل هذه البلاد، فإنه يجوز له ذلك أيضاً بالشرط المذكور، وذلك أن كسب المعاش فريضة بعد الفريضة، ولم يقيده الشرع بمكان دون مكان، فقال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (تبارك: 15).
ولو تجنس مسلم بهذه الجنسية لدعوة أهلها إلى الإسلام، أو لتبليغ الأحكام الشرعية إلى المسلمين المقيمين بها، فإنه يثاب على ذلك، فضلاً عن كونه جائزاً، فكم من الصحابة والتابعين، رضي الله عنهم، توطنوا بلاد الكفار لهذا الغرض المحمود، وعُدَّ ذلك من مناقبهم وفضائلهم.
أما إذا كان الرجل تتيسر له وسائل المعاش في بلده المسلم على مستوى أهل بلده، ولكنه هاجر إلى بلاد الكفار للاستزادة منها، والحصول على محض الترفه والتنعم، فإن ذلك لا يخلو من كراهة، لما فيه من عرض النفس على المنكرات الشائعة هناك، وتحمل خطر الانهيار الخلقي والديني من غير ضرورة داعية لذلك، والتجربة شاهدة على أن الذين يتجنسون بهذه الجنسيات الأجنبية لمجرد الترفه، ينتقص فيه من الوازع الديني، فيذوبون أمام الإغراءات الكافرة ذوباناً ذريعاً، ومن هنا ورد في الحديث النهي عن مساكنة المشركين بدون حاجة ملحة، أخرج أبو داود عن سمرة بن جندب قال: أما بعد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جامع المشرك، وسكن معه فإنه مثله» (أخرجه أبو داود قبيل كتاب الضحايا، وعلقه الترمذي في السير).
وأخرج أبو داود، والترمذي عن جرير بن عبدالله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين»، قالوا: يا رسول الله، لمَ؟ قال: «لا تَرَاءَى نارَاهما»، قال الخطابي في شرحه: «فيه وجوه: أحدها معناه، لا يستوي حكماهما، قاله بعض أهل العلم، وقال بعضهم: معناه أن الله قد فرق بين داري الإسلام والكفر، فلا يجوز لمسلم أن يساكن الكفار في بلادهم، حتى إذا أوقدوا ناراً كان منهم بحيث يراها، وفيه دلالة على كراهة دخول المسلم دار الحرب للتجارة والمقام فيها أكثر من مدة أربعة أيام».
وأخرج أبو داود في المراسيل عن مكحول، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتركوا الذرية إزاء العدو»، ومن هنا ذكر بعض الفقهاء أن سكنى دار الحرب وتكثير سوادهم لأجل المال مما يسقط العدالة، أما إذا كان التجنس بالجنسيات الأجنبية اعتزازاً بها، وافتخاراً، أو لتفضيلها على الجنسيات المسلمة، أو للتشبه بأهلها في الحياة العملية، فإن ذلك حرام مطلقاً، ولا حاجة إلى التدليل على ذلك.
زواج المسلمة بغير المسلم
ما حكم زواج المسلمة بغير المسلم خاصة إذا طمعت في إسلامه بعد الزواج، حيث تدعي مسلمات كثيرات أنه لا يتوفر لهن الأكْفاء من المسلمين في غالب الأحيان، وأنهن مهددات بالانحراف، أو يعشن في وضع شديد الحرج؟
- لا يجوز لمسلمة أن تنكح غير مسلم في حال من الأحوال، قال الله تعالى: (وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) (البقرة: 221)، وقال تعالى: (لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) (الممتحنة: 10)، وإن الطمع في إسلام أحد لا يبرر لمسلمة أن تعقد معه الزواج، فإن مثل هذا الطمع الموهوم لا يحل حراماً، وكذلك لو أسلمت المرأة وزوجها كافر، فإن النكاح ينقطع بينها وبينه بمجرد إسلامها عند الجمهور، وبإنكار الزوج عن الإسلام بعد العرض عليه عند الحنفية، فلو أسلم الزوج وهي في عدته، رجع النكاح الأول، ولو لم يسلم إلا بعد العدة، لا ترجع إليه الزوجة المسلمة إلا بنكاح جديد بينهما، وهذا أمر اتفق عليه الفقهاء قديماً وحديثاً، وإن الطمع الموهوم في إسلام الزوج لا يغير حكم الشرع.
دفن المسلم بمقابر غير المسلمين
ما حكم دفن المسلم في مقابر غير المسلمين، حيث لا يسمح بالدفن خارج المقابر المعدة لذلك، ولا توجد مقابر خاصة بالمسلمين في معظم الولايات الأمريكية والأقطار الأوروبية؟
- لا يجوز دفن موتى المسلمين في مقابر غير المسلمين إلا إذا لم يكن من ذلك بُد، وذلك بألا يكون للمسلمين مقبرة، ولا يسمح لهم بالدفن خارج مقبرة الكفار، كما هو مذكور في السؤال، فحينئذ يجوز ذلك للضرورة.
سفر النساء بغير محرم
كثيرات من بنات المسلمين ونسائهم تدعوهن ظروف العمل أو الدراسة إلى السفر إلى ولايات أخرى (أبعد من مسافة القصر) بالطائرة أو غيرها من وسائل السفر، بدون محرم، ومن غير رفقة من نسوة تعرفهن أو يعرفنها غير رفقة المسافرين والمسافرات عادة، فما حكم هذا السفر؟
- أخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لا تسافر المرأة فوق ثلاث إلا ومعها زوج أو ذو رحم محرم منها»، هذا الحكم الصريح قد أخذ به جمهور الفقهاء، حتى إنهم لم يجوزوا لها أن تسافر بدون محرم لضرورة الحج، وأن الدراسة والعمل في البلاد الأجنبية ليس من ضرورة النساء المسلمات في شيء، إن الشريعة لم تأذن للمرأة بالخروج من دارها إلا لحاجة ملحة، وقد ألزم أباها وزوجها بأن يكفل لها بجميع حاجاتها المالية، فليس لها أن تسافر بغير محرم لمثل هذه الحوائج.
أما إذا كانت المرأة ليس لها زوج أو أب، أو غيرهما من أقاربها الذين يتكفلون لها بالمعيشة، وليس عندها من المال ما يسد حاجتها، فحينئذ يجوز لها أن تخرج للاكتساب بقدر الضرورة، ملتزمة بأحكام الحجاب، فيكفي لها في مثل هذه الحال أن تكتسب في وطنها، ولا حاجة لها إلى السفر إلى البلاد الأجنبية، ولو لم تجد بداً من السفر في وطنها من بلد إلى آخر، ولم تجد أحداً من محارمها، ففي مثل هذه الحالة فقط يسع لها أن تأخذ بمذهب مالك، والشافعي، حيث جوزوا لها السفر مع النساء المسلمات الثقات.
العمل بمطاعم بها خمور أو "خنزير"
يضطر كثير من الطلاب المسلمين إلى العمل في هذه البلاد لتغطية نفقات الدراسة والمعيشة؛ لأن كثيراً منهم لا يكفيه ما يرده من ذويه مما يجعل العمل ضرورة له لا يمكن أن يعيش بدونه، وكثير منهم لا يجد عملاً إلا في مطاعم تبيع الخمور أو تقدم وجبات فيها لحم الخنزير من المحرمات، فما حكم عمله في هذه المحلات؟
- العمل في مطاعم الكفار إنما يجوز بشرط ألا يباشر المسلم سقي الخمر أو تقديم الخنزير، أو المحرمات الأخرى، فإن سقي الخمر أو تقديمها إلى من يشربها حرام بنص صريح، عن ابن عمر قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه»، وأخرج الترمذي عن أنس بن مالك، قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له»، قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أنس، وقد روى نحو هذا عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر عن النبي، صلى الله عليه وسلم، وأخرج ابن ماجة حديث أنس بلفظ: «عاصرها، ومعتصرها، والمعصورة له، وحاملها، والمحمولة له، وبائعها، والمبيوعة له، وساقيها، والمستقاة له».
وقد أخرج الشيخان عن عائشة قالت: “لما نزلت الآيات من آخر سورة “البقرة”، خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فاقترأهن على الناس، ثم نهى عن التجارة في الخمر”، وأخرج مسلم عن ابن عباس مرفوعاً “أن الذي حرم شربها حرم بيعها”، وعن عبدالرحمن بن وعلة أنه سأل ابن عباس، قال: إنا بأرض لنا بها الكروم، وإن أكثر غلاتها الخمر، فذكر ابن عباس أن رجلاً أهدى إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، رواية خمر، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: “إن الذي حرم شربها حرم بيعها”.
فتبين من هذه الأحاديث أن التجارة في الخمر أو حملها، أو سقيها بالأجرة حرام، وظهر من فتوى ابن عباس، رضي الله عنه، أن ذلك لا يحل لمسلم، ولو للاكتساب في أرض شاع فيها عصر الخمر من الكروم، ولا أعلم أحداً من الفقهاء أباح مثل هذا العمل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل