العنوان لن يستحق النصر إلا طفل شاهد الموت وعاشه.. وحفر بذرة الأمل بدمائه وعرقه
الكاتب صلاح رشيد
تاريخ النشر السبت 02-نوفمبر-2002
مشاهدات 133
نشر في العدد 1525
نشر في الصفحة 61
السبت 02-نوفمبر-2002
فاروق جويدة.. يرسم لحظات الانتصار
القدس هي حياتي وقضيتي الأولى التي أدافع عنها ما حييت.. ففي الأقصى وجنين والقدس والخليل سار الأنبياء وعم السلام حقابًا طويلة من الزمن.. حتى جاءت الغربان سفكت الدماء وقتلت مواضع الطهر السكينة واستحلت قدس الأقداس وانتهكت حرمة النبوة فلا تنتظر مني أن أغني والقدس يئن أمام عيني أسيرًا مكلومًا تتعاوره المحن والخطوب.. ولا من مجيب.
بهذه المقدمة عبر الشـاعـر فـاروق جويدة عن واجعه وهمومه وعن نكبته التي تشغل حيزًا كبيرًا من وجدانه وحياته.. نكبة فلسطين، واستباحة المسجد الأقصى على يد عصابة عنصرية يتزعمها الإرهابيون الصهاينة.
ولأن القدس مـشـروعـه الشـعـري الـكـبـيـر.. في عركته الأدبية مع إسرائيل.. كان لزامًا عليه أن خـصـهـا بمزيد من الإبداع الفني، والقــصـــائد الحماسية الملتهبة بالدماء وينبض الشارع العربي. من هنا كان ديوانه الجديد، قصائدي في رحاب قدس، الصادر عن مركز الأهرام للترجمة والنشر القاهرة- ٢٠٠٢م.
انعطافة في مشروع فاروق سويدة الشعري، المدافع عن القدس بالكلمة الموحية والعبارة الشعرية الموظفة في سياقها.
الديوان حافل بأدب القدس، وهو يتكون من عشرين قصيدة أربع منها على النمط الخليلي العمودي والبقية من شعر التفعيلة.
وهي لفتة توحي بمحاولة الشاعر التحرر من القيود والعوائق لكي ينطلق بحرية في ميدانه.. ويبارز الأعداء بسلاحه مدافعًا عن العروبة والإسلام في فلسطين المستباحة الحمى، المهيضة الجناح.
صمود الشهداء
ويرسل فاروق جويدة رسالة إلى آخر الرياحين المتساقطة على التراب الفلسطيني، مؤكدًا بسالة صمود هذا الجيل الذي يحوم حول الموت- بإرادته- توهب له الحياة والشهادة والجنان، بدلاً من الجبن الاستكانة والهوان والعار:
مت صامدًا.
واترك عيون القدس تبكي
فوق قبرك ألف عام... قد يسقط الزمن الرديء
ويطلع الفرسان من هذا الحطام
وتكشف الأيام أقنعة السلام إن نامت الدنيا
وضاع الحق في هذا الركام فلديك شعب لن يضل. ولن ينام
على أن الشاعر يتشظى ويتفجر في عدوه، نيرانًا وأهوالاً وانتفاضات مستمرة:
ما زال حلمي.. قصتي.. مأساتي وطني الذي يومًا جننت
بأرض ويكون آخر ما طوت صفحاتي
قد عشـت أحلم أن أمـوت مثل الجبال الشم في النكبات
إني أراه يطل من عليانه ويطوف فوق القـدس بالآيات
سيطل طفل من رماد بيوتنا لن ينحني رأسي لقهر طغاة
ولتدفنوني يا رفاقي واقفًا
أنا لن أسلم رايتي لغزاة
فأنا الصمود.. أنا الشموخ أنا الردى
الوحش يغتال الزهور
وإذا كان الوحش الكاسر شارون يغتال الصبا والبراءة والطفولة في القدس على مرأى ومسمع من العالم!! ولا يخشى أحدًا سواء كانت الأمم المتحدة أو الشرعية الدولية المتعطلة، فإن الشاعر بزهوره البائعة يستطيع أن يواجه عنف شارون وإرهابه وأن ينتصر عليه وأن يطرده من فلسطين.
ارحل عن القدس واترك سباحة الحرم
هل يلتقي الطهر يا خنزير بالرمم
ارحل عن القدس واترك ســاحــة الحــرم
لن يستوي القزم يا عربيد بالقمم
في القدس شعب عنيد قام في شمم
بالثأر أقـسـم مــا أوفاه بالقسم
فكل نقطة دم أنبتت حجرًا
قد يكسر القيد أو يهوي على صنم
إن خانني الشعر في حزني فلي أمل
أن يهدر الشعر كالبركان من قلمي
النصر تحت أقدامك وحدك
ويخاطب الشاعر رمز الكرامة والعزة في أيامنا هذه.. بلسان التضحية التي تعلمها من الأيام، مؤكدًا له ألا ينتظر دعمًا أو مساندة من أحد:
لا تنتظر أحدًا
فلن يأتي أحد
لم يبق شيء غير صوت الريح
والسيف الكسيح
ووجه حلم يرتعد
الفارس المخدوع ألقى تاجه
وسط الرياح وعاد يجري هذى الخيول العاجزة
خائفًا
لن تستطيع الركض في قمم الجبال
وعندما يفيق الشاعر من همومه وأحزانه من أجل القدس يستشعر الوحدة والعزلة وتخلي القريب والأخ والصديق عنه، فلا يسعه إلا البحث عن صفحات ناصعة للمجد والعزة والانتصار سطرها الأجداد.. ومنها صلاح الدين الناصعة:
النجدة يا صلاح الدين يا سيدي.. فلأعترف
أن الجواد الجامع
المجنون قد خسر الرهان
ولأعترف يا سيدي
أني وفيت وأن غيري خان
أني نزفت رحيق عمري كي يطل الصبح
وطن جميل كان يوما كعبة الأوطان
ماذا تبقى منه
الآن تأكله الكلاب وترتوي بالدم فوق ربوعه
الديدان
في أي عين
سوف أحمي وجهه ابني
بعدما صلبوا صلاح الدين
يا وطني على الجدران
يا للمهانة عندما يغدو صلاح الدين
خلف القدس مطرودًا
بلا أهل بلا سكن
بلا وطن بلا سلطان
وهكذا يستشرف الديوان الغد والبسمة ولحظات الاشتداد وتحول القطيع إلى أساد بالالتفات إلى الطفل البطل.. رمز القوة والبسالة اليوم في المدن الفلسطينية، والاتكاء على زمن صلاح الدين الذي قهر الأعداء.. وحرر القدس، ورفع فيها الأذان ولذلك لن يستحق النصر في رأي الشاعر إلا الطفل الفلسطيني الذي عاش كابوس الموت في أجداده وآبائه، ونفسه، وحفر بذرة النصر والأمل بعرقه ودمائه.