; الشاعر فاروق جويدة بؤر الصراع في أمتنا توابع لمشروع الشيطان "إسرائيل" | مجلة المجتمع

العنوان الشاعر فاروق جويدة بؤر الصراع في أمتنا توابع لمشروع الشيطان "إسرائيل"

الكاتب د. محمود خليل

تاريخ النشر الجمعة 12-نوفمبر-2004

مشاهدات 59

نشر في العدد 1627

نشر في الصفحة 52

الجمعة 12-نوفمبر-2004

الشاعر الكبير، فاروق جويدة أحد أهم الأصوات المنتصرة للحق والحقيقة، له أربعة عشر ديوانًا.. آخرها قصائدي في القدس... وهو أحد أبناء الثقافة الإسلامية في معركة تغييب الوعي وتذويب الهوية.. يكتب الآن آخر مسرحياته الشعرية هولاكو بعد الوزير العاشق ودماء على أستار الكعبة، والخديوي، وللتماهي بين الأمس واليوم التقيناه.. وحاورناه

هناك من يرى أن الاحتلال الأمريكي للعراق، قد أحدث خلطًا عند البعض على مركزية الصراع العربي الصهيوني.. وقدسية المواجهة حول القدس؟!

ومنذ متى والمسلمون والعرب يعملون على قضية واحدة، فأعداء هذا الدين وهذه الأمة دائمًا. ما يستنزفونها في أكثر من جبهة ويشغلونها في أكثر من ميدان ... والآن.. فلسطين لا تقل خطورة عن العراق والعراق لا تقل خطرًا عن جنوب - السودان، والوضع في البلاد العربية بأطرافها - المحترقة لا يقل دموية عما يدور في الشيشان أو - كشمير أو إندونيسيا أو أفغانستان، وبالأمس - القريب كنا نتمزق مع البوسنة وكوسوفا وألبانيا. وتاريخيًا يذكر أن أعداءنا كانوا دائمًا يتهارشون من حولنا في موجات متتابعة، فالصليبيون في - موجاتهم وجيوشهم التسع كانوا متزامنين مع المغول والتتار... وفي وقت يكاد يقارب في سوئه أوضاعنا - المعاصرة.. وما أظن عاقلًا يمكن أن يصدق أن هذه الأمة كانت ستقوم لها قائمة منذ القرن التاسع. الهجري.. ثم جاء الاحتلال الصليبي الأوروبي فيما - يشبه هذا الوباء السابق الإشارة إليه.. ثم ها هو المشروع الصهيوني الأنجلو أمريكي.. الذي زرع حربة الشيطان «إسرائيل»، وما يدور من حواليها في مصر والعراق وسورية ولبنان وإيران والخليج ما هو إلا توابع لشجرة الشيطان الأثيم إسرائيل..

وبم تفسر عدم تقديمك عملًا مسرحيًا حول القضية الفلسطينية حتى الآن؟    

لأن القضية آنية وملتهبة وقاهرة.. وهي دائرة النار المؤججة في المسرح السياسي، ذي الفكرة الدائرية التي يمكن أن تعالجها من أكثر من زاوية.

وما المانع من تحضير القضية بالمسرح شعبيًا؟

المسرح لا ينبغي أن ينفصل عن الواقع الذي يعيش فيه، ولا الهواء الذي يتنفسه أو الماء الذي يرتوي به فالمسرح تواصل جسدي حي، وتلاحم فكري فعال مع الإنسان والوجدان، والمسرحية ليست كالقصيدة التي يمكن أن يتعاطاها الناس سرًا أو جهرًا.. والمسرحية الشعرية فوق ذلك هي عمق فني متميز يحتاج إلى تمثل خاص... فماذا تصنع إذا كانت حلية الحدث حاضرة عظمًا ولحمًا ودمًا بكل المعنى والمعاناة؟ ومن ثم فالتحضير العضوي للقضية يكون أقوى من أي تحضير فني آخر.

الوزير العاشق ما قضيته.. لا سيما وقد أصبحنا في زمن الوزير الفاسد، والوزير السارق؟

الوزير العاشق تلخص قضية الأوطان الضائعة والإيمان المفتقد والكرامة المبددة.. إنها مواجهة لحالة التشرذم والتشظي والخيانة والعمالة التي تئن جميعًا تحت وطأتها الراهنة، ولكن ابن زيدون، يقول في كلماته الأخيرة:

 إن تقتل حلمًا 

سيجيئ زمان وزمان 

ويطوف الحلم على الطرقات

 كل الأشياء ستحمله.. كل الأشياء 

سيطوف الحلم على الأشجار.. وبين الناس

 إن تسجن صمتًا.. سيجي، زمان ينطقنا 

والحمد لله.. فقد لفتت هذه المسرحي الأنظار، بشكل غير مألوف، بل ومُثلتْ في العديد من العواصم العربية.

يقول درس التاريخ، إنه إذا لم يكن هناك مبرر للوجود، فليس ثمة ما يوجب الاستمرار والبقاء.. أليس كذلك؟

إنها صيحة تحذير مريرة، وصرخة احتجاج قاتلة.. على واقع التفتت العربيّ والإسلاميّ الذي أضاع الأرض ودنس العرض، ووضع أمامنا درس التاريخ، حين يبحث كل عضو عن نفسه، تسقط سائر الأعضاء.

إذا كان التاريخ كثيرًا ما يعيد نفسه، فإلى أيِّ مدى لعب التوظيف الفنيّ للتاريخ أدوارًا جديدة.. حتى لا يعيد نفسه هو الآخر؟

أحاول التأكيد بشدة أن أي إسقاط سياسي أو توظيف تاريخي فني لن يخدم قضية المسرح السياسي. شعرًا كان أم نثرًا. إلا إذا كان ملتحمًا بواقع الأمة، وحلمها الأكبر، على اعتبار أن الأمة هي مستودع القيم المطلقة، التي يتحرك في إطارها الشخوص والأفراد، وتنطلق في فضائها المبادئ والأحلام والرؤى، وأيُّ صراع خارج هذه الدائرة، فهو زيف خارج دائرة الواقع والتاريخ.

لكنَّ البعضَ يرى أن الوزير العاشق، قد حملها فنيا ممثلوها الكبار والحلى، الفنية والإخراجية التي واكبتها؟

ينظر كل إنسان إلى أيّ عمل فنيّ من زاويته، وليقل ما شاء.. طالما أنه يبني وجهة نظره على أسس صحيحة، ويملك أهلية النظر فيما ينظر فيه ويمكن أن ترجع في ذلك إلى دراسات النقاد المتخصصين الذين رأوا فيها تطويرًا للمسرح الشعري الكلاسيكي، الذي يقوم أساسًا على المأساة.. وذلك بتطعيمه بعناصر فنية وفكرية جديدة وعديدة من المسرح الملحمي. ولم تكن هذه العناصر الملحمية مجرد تجديد في الشكل، أو حلية ملحقة بالعمل الفني، بل دخلت إلى صلب بناء المسرحية الفكرية لتشكل منظورًا فكريًا أحاول أن اتجاوز فيه رؤية المسرح التراجيدي. كشكل فكري. للعالم، كذلك أكد المخرج. الموهوب. فهمي الخولي هذه الرؤية من خلال تملكه باقتدار لكل عناصر الإخراج للمسرحية.. واتفاقه معي في الرؤية من خلال المرأة الكبيرة التي هيمنت على خشبة المسرح لتؤكد للمتفرج في آن واحد، الأوضاع المقلوبة التي سادت هذه الحقبة التاريخية، وأيضًا لأن المسرحية تعالج التاريخ باعتباره مرآة تعكس واقعًا راهنًا غير صحيح.

الفرص الضائعة

 هل أصبحت أمتنا هي أمة الفرص الضائعة؟

حين تستعين بعدوك التاريخي، وتفقد القدرة على الرؤية الصحيحة، فمعنى ذلك أن تنتحر ... وحين لا ترى من الأرض إلا موطئ أقدامك. ولا تطمئن إلا إلى بطنك وجيوبك.. فبطن الأرض أولى بك من ظاهرها ...

وحين تمر الأحداث من أمامك جلية واضحة فلا تزيدك حماقتك إلا عماية وغواية، فلا تنتظر من قطار التاريخ إلا أن يدهمك، ولا تتوقع من الآخرين إلا أن تدوسك أقدامهم.. ولا توجد أمة أجادت لعبة الفرص الضائعة مثل أمتنا إنها حالة فريدة يمكن أن تدرس في مراكز البحوث الاجتماعية والإنسانية والتاريخية، إنها أسوأ صورة من صور التراجع والانهزامية خاصة في الخمسين عاماً الماضية.. وهي في عمر البشر ومسيرة الحضارة جد كبيرة وطويلة وحاسمة.. انتهت بنا إلى محاولات القتل العمد لهويتنا، واقتلاع جذورنا.. بحجة أننا أصبحنا ضد العصر وخارج التاريخ:

 أنصفت مظلومًا فأنصف ظالمًا *** في ذلة المظلوم جور الظالم

 ولكن.. أبدًا.. دورة التاريخ تعلمنا أن الإسلام يتجلى عند الشدائد وتظهر فيه عبقرية الخلود. ومعجزة المقاومة، وبشارة الميلاد من جديد.. وأبدًا أبدًا لن تتحول أمتنا إلى مجرد عبيد وموال لبلاط الإجرام في دولة الهيكل، إن التفريط في هذا المفصل التاريخي جريمة لا تغتفر. وإثم لا كفارة له.

وسط هذه الفرص الضائعة سياسيًا واقتصاديًا.. هل تضيع في ركابها فرصنا الثقافية، وهي الأهم والأخطر في معركة الهواية وإثبات الذات؟

ضياع الفرص السياسية والاقتصادية رغم خطورتها الرهيبة، إلا أنه يمكن تعويضها.. لأن معارك الدراهم والدنانير والقراريط والأفدنة يمن تعويضها.. أما معركة الإنسان فهي قطب الرحى في معركة الصحوة أو السقوط.

وأضرب لك مثالًا معاصرًا.. حيث وقفنا على أبواب فضيحة ثقافية عالمية مدوية، وهي اشتراكنا في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، حيث اختارت إدارة المعرض الثقافة العربية ضعيف شرف للمعرض العالمي هذا العام.. وهو المعرض الأشهر والأكبر لعشاق الثقافة والكتاب على مستوى العالم، ومع ذلك فقد حددت جامعة الدول العربية ميزانية قدرها ثلاثة ملايين دولار للاشتراك في هذا الموطن الذي يعتبر فرصة ذهبية لتصحيح الكثير من الأخطار والأخطاء التي الحقت بنا ظلمًا وعدوانًا.. وعلى الرغم من ذلك فلم يصل من هذا المبلغ إلا بضع مئات من الآلاف التي لا تصنع رقمًا صحيحًا.. ولم تتفق الدول العربية على برنامج للمشاركة، أو أية خطة مدروسة لتقديم الثقافة العربية للعالم أو حتى مجموعة المثقفين الذين شاركوا في هذا الحدث الكبير.

لكننا سنبقى

أحياناً تكون معارك جلد الذات أشد قسوة حتى تقضي على الذات بدلا من أن تحثها على استئناف السير واستيعاب العبرة.. فكيف تنظرون إلى معركة، جلد الذات، التي يحيياها كل منا داخل نفسه، وبيته ووطنه وأمته؟

الإنسان الراشد، إن لم يكن نصيرًا للمظلومين، فلن يكون إلا نصيرًا للظالمين.. لأن موقف المتفرج لا يعرفه العرف ولا الشرع، وإذا كانت معركة التوهين الثقافي والتحلل الذاتي لأمتنا تدور رحاها منذ نصف قرن تقريبًا من ميلاد المشروع اللعين للمماليك الصهاينة... وجندت له كل الإمكانات الداخلية والخارجية حتى أفرز بعض الخونة والأجراء والعملاء... فإنه على التوازي والجوار، قد فجر طاقات أجيال متلاحقة وصاعدة تؤمن بخلود هذه الأمة، وصحة عقيدتها، وأحقية مشروعها الحضاري في العودة إلى دوره التاريخي في ضبط المسيرة الإنسانية وإنقاذ الإنسان والفكرة وحماية المبدأ والقيمة.. وهذا هو درس التاريخ وجوهر الفكرة التي تحملها وتدين بها ... فكرة الإسلام الخالد.. المنتصر.

إن بغداد هذه قد داهمها الصليبيون من قبل في حملات متعاقبة واجتاحها هولاكو حفيد الشيطان جنكيز خان عام ٦٥٦هـ ١٢٥٥م واجتاحها السفاح تيمور الأعرج عام ١٤٠١م وابنه شاه روك ... وتحولت دار السلام إلى دار الدم. ودار الأهوال... ومع ذلك استأنفت سيرها ووجودها كإحدى حواضر الدنيا وقلاع الدين.

وأخيرًا.. فيوش وشارون.. والشرق والغرب يعلمون أنه إذا هزم المسلمون فلن يهزم الإسلام أبدًا.. ولن تكون بغداد خاتمة الأهوال بل لعلها تكون مفتاح التحول الكبير في معركة البقاء، ولكني أحذر بشدة من تضخيم الهوامش، وتهميش الأصول.

وما هي آخر إبداعاتكم؟           

هناك أعمال كثيرة كرؤوس موضوعات وأفكار.. وأنصاف قصائد، ومطالع القصائد أخرى.. ومقالات...

 لكنني أعتز بصفة خاصة بآخر قصائدي التي تدور في الفلك الذي نتحدث فيه.. وعنوانها: "ما عاد يكفينا الغضب"، ومنها أقول:

من قال إن العارَ يمحوهُ الغضب *** وأمامنا عرض الصبايا يغتصبْ

عارٌ على التاريخ.. كيف تخونهُ *** همم الرجال ويستباح لمن سلبْ؟

عارٌ على الأوطان كيف يسودها *** خزيُ الرجالِ وبطشُ جلادٍ كذبْ؟

الخيلُ ماتتْ.. والذئابُ توحشتْ *** تيجاننا عارٌ.. وسيفٌ من خشبْ

العارُ أن يقعَ الرجالُ فريسةً للعجز *** من خان الشعوب ومن نهبْ

لا تسألوا الأيام عن ماض ذهب *** فالأمس ولى والبقاء لمن غلبْ

ما بين خنزير يضاجع قدسنا *** ومغامر يحصي غنائم ما سلبْ

عرض الصبايا والذئاب تحيطه *** فصل الختام الأمة تدعى العربْ

وعلى المدى تقف الشعوب كأنها *** وهم من الأوهام أو حلم ذهبْ

المسافة بين النار والفنان ليست كافية لإبداع عملٍ فنيِّ عن القضية الفلسطينية

حين تستعين بعدوك التاريخي وتفقد القدرة على الرؤية الصحيحة فمعنى ذلك أنك تنتحر

الرابط المختصر :