العنوان غلب عليه طابع الصراحة.. حوار «سياسي» مع مفتي مصر: أدعو لقطع كل أشكال العلاقات مع الصرب والهندوس وحلفائهم
الكاتب مجاهد الصوابي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1999
مشاهدات 72
نشر في العدد 1356
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 29-يونيو-1999
اليهود يحبون الدينار والدرهم ولا يؤدبهم إلا المقاطعة ووقف التطبيع
دعا الدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر إلى رفع لواء المقاطعة بجميع أشكالها السياسية والاقتصادية للصرب والهندوس والصهاينة، وحلفائهم، مع تقديم كل أشكال العون المادي والمعنوي للمسلمين في كوسوفا، وكشمير، وفلسطين، وغيرها من بقاع العالم، وذلك من أجل وقف حرب الإبادة الجماعية التي يتعرضون لها في هذه المناطق.
وطالب الدكتور واصل العالم الإسلامي والعربي بالتكاتف، والتوحد في مواجهة التكتلات العالمية المختلفة، للحفاظ على كيان الأمة، وحتى يجد المسلمون مكانًا لائقًا بهم بين الأمم، مشيرًا إلى أهمية نبذ النزاعات الداخلية، والثارات القديمة، والخلافات الحدودية واصفًا إياها بأنها بمثابة «بؤر سرطانية في جسد الأمة».
جاء ذلك في حوار أجرته معه مجلة المجتمع وغلب عليه حديث السياسة، وطابع الصراحة، فماذا قال مفتي مصر في ذلك الحوار؟
في ذكرى مرور خمسين عامًا على قضية كشمير التي تشابه تمامًا قضية فلسطين من حيث طبيعة العدو المتغطرس والعمق الزمني لها، هل تعتقد أن التطورات الأخيرة على ساحة الصراع الهندي- الباكستاني يمكن أن تصل بالقضية إلى الحل بعد هذه السنوات المريرة من المماطلة الهندية؟
الأمة الإسلامية مقصرة في حق مسلمي كشمير، وبعد المسافة وانشغال المسلمين بهمومهم المتراكمة، ليس مسوغًا لذلك، كما أن الشعوب الإسلامية، والحكومات، والزعماء العرب، جميعهم- مطالبون بالوقوف صفًا واحدًا في وجه الغطرسة الهندوسية التي تعمل القتل والذبح والتشريد في أكثر من ۱۳ مليون مسلم في ولاية كشمير المسلمة دون مراعاة لمشاعر المسلمين في العالم، ولا لطبيعة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والجوار مع الدول الإسلامية، الأمر الذي يتطلب التلويح بقطع هذه العلاقات، ووقف التعاملات الاقتصادية والدبلوماسية مع حكومة الهند حتى تتحرر كشمير ويحصل شعبها على حق تقرير مصيره بالانضمام إلى باكستان.
واجبنا تجاه كوسوفا
قضية المسلمين في البلقان أخذت منحى جديدًا بتزايد المذابح الجماعية ضد المدنيين مما أعاد للأذهان مأساة البوسنة هل من كلمة توجهونها لجيش تحرير كوسوفا المسلم وللعالم الإسلامي؟
لا شك في أن المسلمين الألبان في كوسوفا قد وعوا الدرس، وأعدوا العدة لمواجهة العدو الغادر المتوحش من جنود السفاح الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش فنظموا صفوفهم في جيش ضم شبابهم ورجالهم الذين يسطرون بدمائهم بطولات في الدفاع عن هويتهم، وعن وجودهم وكيانهم ووطنهم الغالي، ولكنهم لا يمانعون في أن يتدخل العالم العربي والإسلامي بل والغرب من أجل وقف المذابح الصربية الوحشية.
إلا أن أسلحة الإيمان وثبات أهل الحق -بعون الله- قادرة على تعطيل الآلة العسكرية الصربية حتى يكتب الله لهم النصر والاستقلال، أو الشهادة في سبيله، ومن الواجب اليوم أن يطرح حكام المسلمين وزعماؤهم هذه القضية في منتدياتهم، وأن يستغلوا بالفعل تحرك حلف الناتو وتدخله العسكري بدلًا من أن يظل العرب والمسلمون خارج دائرة التأثير المباشر، كما أنني لا أكف عن مطالبة شعوب، وزعماء، وعلماء، وحكماء العالم الإسلامي ببذل كل الإمكانات المتاحة لمناصرة إخوانهم بالمال والسلاح والغذاء والكساء والدعاء، ورفع لواء المقاطعة الاقتصادية والدبلوماسية ضد صربيا وحلفائها، والاتفاق على هذا الموقف الموحد ولو لمرة واحدة حتى ينقذوا إخوانهم من هول المذابح التي يتعرضون لها على يد الصرب، وكفانا شجبًا واستنكارًا وتنديدًا لم ينفع من قبل إخواننا في البوسنة ولا في غيرها.
هنا نطرح قضية تعامل بعض الدول الإسلامية مع الحكومة والشركات الصربية في المجالات الاقتصادية، والدبلوماسية وغيرها من المجالات، فما حكم الشرع في مثل هذه التعاملات؟
لا يجوز شرعًا بحال من الأحوال أن تتعامل دولة مسلمة مع حكومة أو شركات أو رجال أعمال من صربيا مهما كلفها ذلك، لأن هذه الدولة المتعصبة ارتكبت المذابح الجماعية ضد المسلمين في البوسنة ومقدونيا ثم في كوسوفا مثلما تفعل إسرائيل بالأبرياء العزل من أبناء شعب فلسطين وشعب لبنان، وقانا خير شاهد والجولان، ومن قبلها مصر، ويجب مقاطعتها، ويأثم شرعًا من لا يلتزم بذلك حتى يحصل المسلمون في كوسوفا على الاستقلال التام.
اليهود تردعهم القوة
في ظل الممارسات الإسرائيلية المنتهكة للمقدسات الإسلامية والضاربة بكل الأعراف عرض الحائط، ما مشروعية التعامل مع الكيان الإسرائيلي؟ ما واجب المسلمين تجاه قضية القدس بصفة خاصة وفلسطين بصفة عامة؟
لا شك في أنه في ظل الأوضاع الحالية من اغتيال وقتل الأبرياء كل يوم بصورة مستمرة وإشاعة الإرهاب في نفوس الفلسطينيين الآمنين، وهدم منازلهم والاستيلاء على أراضيهم، وسلب ممتلكاتهم، وطردهم منها، وتشريد العمال الفلسطينيين لضرب الاقتصاد الفلسطيني في مقتل، وعدم توقف هذه الأعمال الوحشية من قتل الأطفال، والنساء، والشيوخ سواء من قبل المستوطنين أو الشرطة والجيش الإسرائيلي المحتل فضلًا عن إعلان القدس عاصمة أبدية لدولتهم المزعومة.. في ظل هذا كله وبعد فشل مباحثات وأي ريفر وأوسلو ومدريد لا يجوز بأي حال من الأحوال إقامة أي علاقات اقتصادية أو تطبيع بين أي دولة عربية أو إسلامية وإسرائيل، كما لا يجوز شرعًا إقامة العلاقات التجارية أو الصناعية أو الثقافية معهم لأن محاصرة إسرائيل سياسيًّا واقتصاديًّا وتجاريًّا كما كان الوضع قبل مدريد كفيل بأن يرد الإسرائيليين إلى صوابهم وتأديبهم، وإعادة الحقوق، أما التصدير لهم، أو الاستيراد منهم، فكل هذه المعاملات حرام شرعًا في هذه الآونة بصفة خاصة، وعلينا أن نعود لاستخدام سلاح المقاطعة الاقتصادية العربية المسلوبة من الشعب الفلسطيني، وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، ولن نتخلى عن ذلك مهما كانت الظروف والأحداث لأنه لا يضيع حق وراءه مطالب، كما أن اليهود يعبدون الدينار والدرهم أكثر من عبادتهم لله ولا يؤثر فيهم حملات الشجب والاستنكار لأنهم شعب جبان بنص القرآن، ويخافون المؤمنين أكثر من خوفهم من الله سبحانه وتعالى: ﴿لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ سورة (الحشر: 13)، ويقول تعالى ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ﴾ (الحشر: 14).
وهكذا يعلن الإسلام أن هؤلاء اليهود يخافون من عباد الله المؤمنين أكثر مما يخافون من الله تعالى، وأنهم جبناء وخونة والغدر في طباعهم والقرآن يبلغنا بذلك كله في قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ (المائدة: 82)، والقدس كما قلنا ونقول عربية إسلامية مائة في المائة مهما روج الإسرائيليون لغير ذلك، ولن نتخلى عنها إلى الأبد إن شاء الله.
وحدة الأمة
ما رؤيتكم لتكامل أو تكتل اقتصادي وسياسي عربي إسلامي في مواجهة التكتلات العالمية في الغرب والشرق في عصر لم يعد البقاء فيه إلا للأقوى، والأحداث خير دليل على ذلك؟
العالم العربي والإسلامي -بفضل الله- يمتلك كل مقومات الوحدة والقوة والتكامل من إمكانات بشرية ومادية واستراتيجية إلا أن الأمر يحتاج فقط إلى إرادة فتية، وإلى تنسيق وتنظيم المواقف والسياسات ونبذ الخلافات، وأسباب النزاعات المختلفة التي صنعها أعداء الإسلام، وصارت بمثابة بؤر سرطانية في جسد الأمة الإسلامية، وحائط صد منيع في وجه أي تقارب عربي إسلامي، الأمر الذي يقتضي في المقام الأول نبذها والتخلص منها كخلافات الحدود، والثارات القديمة، والموروثة.
كما يجب أن يؤمن جميع المسلمين بأنه لا فضل لأحد على الآخر إلا بالتقوى، كما أنه لا يمكن لأحدهم أن يعيش معزولًا عن الآخر مهما كان قويًّا إذ إن سياسة الاستعمار الأجنبي منذ وطئ بلادنا وغادرها، وحتى اليوم وهي لا تتغير، وتعتمد مبدأ فرق تسد والمثل العربي القديم يؤكد هذا المعنى: أكلت يوم أكل الثور الأبيض، فعلينا أن نعي الدرس، ونسرع الخطى نحو الوحدة والتكامل لأن عزنا، وقوتنا ونهضتنا، ووجودنا يتحقق في هذه الوحدة، كما أن التكتل لا غنى عنه إن آجلًا أو عاجلًا، وهو وسيلتنا للحاق بركب الحضارة وبالقرن الحادي والعشرين وهو بإذن الله قرن الإسلام القادم: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).