; الحرب على غزة.. دماء سالت وأمة نهضت | مجلة المجتمع

العنوان الحرب على غزة.. دماء سالت وأمة نهضت

الكاتب صلاح عبدالمقصود

تاريخ النشر السبت 07-مارس-2009

مشاهدات 78

نشر في العدد 1842

نشر في الصفحة 32

السبت 07-مارس-2009

-في خان يونس : شاهدنا امرأة تخرج في إحدى المظاهرات المؤيدة للجهاد وتقول : عندي خمس بنات وولد واحد .. ووالله إن أشلاء ابني ما زالت ملتصقة على الجدران.

-امرأة أخرى استشهد سبعة عشر من أسرتها سمعناها صابرة محتسبة مرددة: حسبنا الله ونعم الوكيل.

-خاص المجاهدون ثلاث معارك في وقت واحد .. معركة مع العدو.. ومعركة إسناد الأهل وتثبيتهم... وأخرى ضد الطابور الخامس الذي كان يرشد العدو إلى مواقع المجاهدين وبيوت المقاومين.

-إلى جوار العملاء كان هناك أربعة آلاف من الفارين من غزة سابقا ينتظرون عند الحدود سقوط غزة كي يدخلوا ويسيطروا على الأوضاع.

-سمعت خلال زيارتي لغزة قصصا عن بطولات أولئك الذين استعدوا لتلك المعركة منذ عامين .. بعضهم رابط لشهر كامل تحت الأرض وهو يحفر نفقا ولم يخرج إلا وقد حفر لأمته مجدا.

الحرب على غزة جددت روح الجهاد في الأمة، ودلت على أن الأمة لا تزال حية، وأن قواها بخير ودعاتها وعلماءها بخير هذه الحرب الإجرامية نقلت الأمة من العواطف إلى المواقف، ومن المشاعر إلى الشعائر، ومن المبادئ إلى البرامج، ومن الأقوال إلى الأفعال، لقد نجح المجاهدون في كسر إرادة العدو، وفي رد الاعتبار للمقاومة، وأيقنت جماهير الأمة ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[ البقرة: 249]

فئة المجاهدين كانت قليلة العدد قليلة العدة، لكنها بفضل الله هزمت فئة كثيرة من الأعداء، هزمت خمسين ألفاً من جيش النخبة «الصهيوني» الذي جاء متحصنا بالدبابات والمدرعات تحميهم الطائرات جوا، والبوارج بحراً، والمدفعية برا، لكنهم أبدا لم ينجحوا في دخول غزة، أو إجبار أهلها على الاستسلام. كما أنهم لم ينجحوا في أسر مجاهد واحد بعد أن كانوا يطمحون إلى أسر قيادات حماس ووزراء الحكومة الفلسطينية. كان المجاهدون يخوضون معارك ثلاثة في وقت واحد، معركة مع العدو الذي شن عدوانه جوا وبحرا وبرا، مستخدما أفتك الأسلحة، وبعضها محرم دولياً، ومعركة في الداخل حيث كان مطلوباً من المجاهدين إسناد أهلهم وتثبيتهم، وتوفير وسائل المعيشة بعد أن استهدف العدو البيت والأسرة الأم والطفل الشيخ والمرأة المدرسة والجامعة. المسجد والمستشفى والمعركة الثالثة كانت مع عملاء العدو في الداخل والخارج، ذلك الطابور الخامس الذي كان يرشد العدو إلى مواقع المجاهدين وبيوت المقاومين، وكان إلى جوار هؤلاء العملاء أربعة آلاف من الفارين من غزة سابقا، يقفون قرب الحدود ينتظرون سقوط غزة كي يدخلوا ويسيطروا على الأوضاع.لقد كشفت هذه الحرب حقيقة العدو الذي لا يقاتل إلا من خلف جدر خرسانية، أو فولاذية من داخل حصون أو مصفحات فهو لا يقدر على المواجهة المباشرة، وكشفت عن إجرام هذا العدو الذي قتل وجرح الآلاف بقنابل فوسفورية وأسلحة مجرمة يؤكد أنه لا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة. أسفر العدو عن وجهه وحقيقته عندما قصف ثمانين مسجدا، ودمر منها أربعة وعشرين مسجدا تدميراً كاملاً، كما دمر آلاف البيوت وعشرات المدارس والجامعات إضافة إلى المؤسسات الحكومية والأمنية. وفي المقابل، كشفت الحرب عن معدن هؤلاء المجاهدين الذين تصدوا للعدو، وقد تحصنوا بالقرآن وتخرجوا في المساجد متسلحين بقوة الإيمان والعقيدة، ثم قوة الساعد والسلاح في زيارتنا لغزة، كما تسمع قصصاً عن بطولات هؤلاء الشباب الذين أعدوا العدة لتلك المعركة منذ عامين، حيث حفروا الأتفاق وأعدوا المواقع، فبعضهم كان يجلس لشهر كامل تحت الأرض وهو يحفر النفق ولا يخرج إلا وقد حفر لأمته مجدا. أحد هؤلاء المجاهدين ظل مرابطاً أثناء الحرب على غزة لمدة سبعة عشر يوما في حفرة، وليس معه إلا الماء والتمر، إلى أن رزقه الله بإحدى دبابات العدو ففجرها . في غزة، عرفنا أن الداعية المجاهد الدكتور نزار ريان - الذي استشهد هو وثلاثة عشر شخصا من عائلته - كان قد توضاً هو وعائلته، وأمر أهله من النساء بارتداء ملابسهن استعدادا للشهادة ورفض الخروج من منزله، وكانت شهادته رافعة إعلامية للمقاومة والجهاد، ردت على شائعات هروب القيادات وترك المواطنين العزل في مواجهة المحرقة الصهيونية. كما كان استشهاد سعيد صيام – وزير الداخلية - وهو في اجتماع ميداني بمنزل شقيقه خير رد على هؤلاء المثبطين. لقد أخبرنا أهل غزة أن القيادات كانت في الخطوط الأمامية من القتال مع العدو كانت تخطط وتحرض، وتشجع، وتقاتل. علمنا من أهل غزة أن المظاهرات الهادرة

التي ملأت الشوارع العربية والإسلامية كانت تثبتهم وتقويهم، وكانوا كلما شاهدوا هذه المظاهرات على شاشة التلفزيون قالوا : والله لن نخذل هؤلاء أبدا، لن نسلم، ولن نفرط... إما النصر أو الشهادة. البطولة والفداء لم يكونا من نصيب المجاهدين والقادة في غزة وحدهم، بل كل أهل غزة رجالا ونساءً، شبابا وأطفالا . في خان يونس، شاهدنا امرأة تخرج في إحدى المظاهرات المؤيدة للجهاد والمقاومة وتقول: عندي خمس بنات وولد واحد ووالله إن أشلاء ابني ما زالت ملتصقة على الجدران، ولكني أتيت لأقول لإسماعيل هنية اصبر يا أبا العبد، فالنصر قادم بإذن الله. ونسمع امرأة أخرى قداستشهد سبعة عشر فردا من أسرتها - نسمعها صابرة محتسبة مرددة حسبنا الله ونعم الوكيل. وخارج غزة شاهدنا نماذج عظيمة من هذه الأمة الحية. شاهدنا أناسا في مصر

يؤثرون إخوانهم في فلسطين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، منهم تلك المرأة التي سافرت من صعيد مصر - تقطع مئات الأميال - إلى منفذ رفح البري، وهي تحمل كيسا به بضع كيلوجرامات من الأرز والدقيق والزيت والسكر، أصرت أن تذهب به بنفسها كي توصله إلى إخوانها في غزة. وأخرى تذهب إلى لجنة الإغاثة بنقابة الأطباء متبرعة بدوائها الخاص الذي تعالج به، وأخبرها طبيب اللجنة أنه لا داعي لذلك فهناك غيرها يستطيع التبرع، كما أن عدم تناولها الدواء قد يعرض صحتها للخطر لكنها بكت وأقسمت عليه أن يقبل تبرعها فما كان منه إلا أن قبل مساهمتها، وأعطاها دواء جديدا مكانه. وفي صنعاء -اليمن - تبرعت عجوز بعنزتها التي لا تملك غيرها طالبة إرسالها إلى أهل غزة، فقالوا لها : وكيف نرسلها إلى غزة؟ لكنها أصرت فأقنعوها بأن يرسلوا ثمنها وأقاموا عليها مزادا بدأ بعشرة آلاف ريال، وانتهى بنصف مليون ريال، واشترط من اشترى تلك العنزة أن يهديها مرة أخرى إلى هذه العجوز العظيمة. واستمعنا إلى تلك الفتاة الكويتية التي حدثت أحد الدعاة على التلفاز قائلة له: إنها تبرعت بمالها ودمها، لكنها تريد التطوع للجهاد مع إخوانها في غزة، فما السبيل إلى ذلك؟ وتابعنا تبرع ذلك الطفل السعوديبمساعدة والديه - بمبلغ عشرة آلاف ريال لشراء لعب الأطفال غزة. وهناك مئات وآلاف القصص العظيمة من بلدان عربية وإسلامية بل وغربية تدل على أن الحرب على غزة قد أحيت النفوس والمشاعر بصورة أذهلت الجميع. لقد هدأت الحرب الصهيونية، لكنها لم تنته بعد، مما يلقي بواجبات كثيرة على الأمة عموما، ودعاتها وعلمائها على وجه الخصوص. نسأل الله تعالى أن يوفقنا لأداء الواجب ونصرة فلسطين وأقصاهاومقدساتها ..

 

الرابط المختصر :