العنوان عمل المجتهدين
الكاتب أحمد عبد الرحمن العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1992
مشاهدات 95
نشر في العدد 1027
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 01-ديسمبر-1992
ما طبيعة عمل الفقيه المجتهد؟ وبم تختلف عن طبيعة عمل القانوني، في النظام العلماني؟
هذان السؤالان، وأسئلة أخرى حول هذه المسألة بعينها، توالى طرحها في النصف الثاني من هذا القرن، ولا يزال يتردد إلى يوم الناس هذا، ويميل كثير من الكتاب إلى التسوية بين عمل المجتهد المسلم وعمل المشرع العلماني، فما وجه الحق في هذه المسألة؟
إن المشرع العلماني يحاول أن ينظم علاقات الناس على نحو يحقق أكبر قدر ممكن من المصالح والخيرات لأكبر عدد من الناس، فذلك هو مذهب المنفعة العامة الذي يسود في المجتمعات الأوروبية والأمريكية، والمصلحة فيه دنيوية بحتة وهو ليس مقيدًا بنصوص دينية أو كتب منزلة، بل هو ليس مضطرا إلى الإصغاء إلى منطق العقل أو احترام حقائق العلم، والدليل على ذلك هو أن الولايات المتحدة الأمريكية حرمت تعاطي الخمور، ونصت على ذلك في صلب دستورها، لما ثبت للعلماء والأطباء من أضرار الخمر المدمرة للصحة، لكنها عادت فأباحتها، تلبية لرغبات الناس، ضاربة عرض الحائط بحقائق العلم ومنطق العقل، وبالمذهب النفعي البراجماتي ذاته، والشيء نفسه يمكن أن يقال في إباحة البغاء وتنظيمه رسميًا وتحصيل الضرائب من البغايا، وقد ظهر أخيرًا أنه السبب الرئيسي لانتشار وباء «الإيدز»، فضلا عن الزهري والسيلان..
فالمشرع العلماني يلبي رغبات الناس كما يعبر عنها المجلس النيابي سواء اتسقت مع حقائق العلم أو لم تتسق، أما المجتهد من فقهاء المسلمين وأئمتهم فإنه محكوم في عمله بنصوص الكتاب والسنة، والإجماع ثم القياس على ذلك لمعرفة الحكم الشرعي لما يستجد من أمور المسلمين في كل عصر.
وفي هذا يقول الإمام الشافعي رحمه الله: «إنه لا يجوز لمن استأهل أن يكون حاكمًا، أو مفتيًا، أن يحكم ولا أن يفتي إلا من جهة خبر لازم، وذلك: الكتاب والسنة، أو ما قاله أهل العلم يختلفون فيه (يعني الإجماع)، أو قياس على بعض هذا. وإن النبي صلى الله عليه وسلم توقف عن الفتوى، انتظارا لكلمة الوحي، فقد جاءته امرأة أوس بن الصامت تشكو إليه أوسًا، فلم يجبها حتى أنزل الله عز وجل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (المجادلة: 1) وجاءه العجلاني يقذف امرأته قال: لم ينزل فيكما. وانتظر الوحي. فلما نزل الوحي دعاهما، فلاعن بينهما كما أمره الله عز وجل». (الأم، جـ۷-ص۲۷۰-۲۷۱).
ويقول الإمام الشافعي أيضًا: «ومن استجاز أن يحكم أو يفتي بلا خبر لازم، ولا قياس عليه، كان محجوجا بأن معنى قوله: «أفعل ما هويت وإن لم أومر به» مخالف معنى الكتاب والسنة فكان محجوجًا على لسانه،» (نفسه ص۲۷۳).
ومعنى هذا أن عمل القانوني العلماني- وهو ما ينطبق عليه وصف الشافعي هذا- هو عمل غير إسلامي وغير مشروع، وهو مخالف لعمل الفقيه المجتهد كل الاختلاف، وإذا قيل إن المجتهد المسلم يحرص على تحقيق المصالح أيضًا قلنا: إن هذه المصالح أخروية ودنيوية معا، ثم إن الذي يحدد المصالح المشروعة والمرفوضة هو الشرع نفسه وحتى في المجالات التي لا تحكمها النصوص يعمل المجتهد في ضوء المقاصد العليا للشريعة ودون أن يخالف أي نص شرعي، ولو أننا درسنا اجتهادات الأئمة الكبار لوجدناها تحترم هذه الأصول.
وما قاله الشافعي والتزم به هو نفسه الذي قال به إخوانه من الأئمة، فالإمام مالك بن أنس رحمه الله كان يقول: «سن رسول الله صلى الله عليه وسلم-وولاة الأمور من بعده- سننًا، الأخذ بها اتباع لكتاب الله تعالى واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، ليس لأحد بعد هؤلاء تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها، فمن اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين» (من مقدمة الموطأ، ص ٢٤).
ولقد انخدع البعض لقول مالك أحيانًا «عندنا»، فظن أنه مجرد رأي شخصي يعبر عن رغبة فردية أو جماعية، ولما سألوه عن ذلك نفى تلك الظنون وأكد أنه متبع وليس بمبتدع، وأنه إذا نظر واجتهد فعلى أساس الكتاب والسنة وأعمال أهل المدينة التي هي تجسيد للسنة، والإجماع والمصالح بالمعنى الإسلامي الذي أشرنا إليه.. وهكذا فعل المجتهدون في كل العصور.