العنوان عملية استشهادية ثلاثية في القدس.. ومجزرة للجنود الصهاينة في جنوب لبنان
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 16-سبتمبر-1997
مشاهدات 110
نشر في العدد 1267
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 16-سبتمبر-1997
أصيبت حكومة رئيس وزراء العدو الصهيوني نتنياهو بهزيمتين في أقل من 10 ساعات: الأولى أمنية تمثلت في ثلاثة انفجارات متتالية وقعت حوالي الساعة الثالثة من بعد ظهر الخميس 4 سبتمبر الجاري في قلب القدس الغربية المحتلة، والثانية عسكرية عندما نصب رجال المقاومة اللبنانية في منطقة صيدا بجنوب لبنان كمينًا لقوة كوماندوز بحرية إسرائيلية كانت تنوي تنفيذ عملية لم يكشف عنها حتى هذه اللحظة بعد منتصف ليلة الجمعة 5 سبتمبر.
لم تمض سوى خمسة أسابيع على العملية الاستشهادية المزدوجة التي نفذها مقاتلان يعتقد بأنهما من الجناح العسكري لحركة حماس في سوق محني يهودا في القدس الغربية في ٣٠ يوليو الماضي التي أدت إلى مقتل ١٣ إسرائيليًّا وإصابة أكثر من ۱۷۰ بجروح، حتى جاءت عملية الخميس على الرغم من إجراءات الأمن المشددة التي اتخذت عقب العملية الأولى.
العملية الاستشهادية الثلاثية وقعت في شارع بن يهودا المتفرع عن شارع يافا في القدس الغربية وهو شارع مخصص للمشاة، ويكون مكتظًّا عادة برواد المقاهي في مثل هذا الوقت من النهار.
شهود عيان أفادوا بأن منفذي العملية توزعوا على ثلاثة أماكن على شكل مثلث يفصل بين كل منهم مسافة عشرين مترًا، كما أن أحد الشهداء كان يرتدي زي امرأة- حسب الرواية الإسرائيلية- وهو أول من فجر نفسه أمام إحدى المقاهي، ثم تبعه الآخران بفاصل ثوان قليلة فقط، وقد أدت الانفجارات الثلاثة إلى مقتل خمسة إسرائيليين -حسب الرواية الإسرائيلية- وجرح حوالي ۱۸۰إسرائيليًّا جراح بعضهم خطيرة.
عملية القدس أسقطت نظرية الأمن الإسرائيلية التي لم تستطع حتى هذه اللحظة اكتشاف خيوط العملية المزودجة في سوق محني يهودا، وقد وزعت وكالة الأنباء الفرنسية بيانًا موقعًا باسم كتائب عز الدين القسام -الجناح العسكري لحركة حماس- يعلن مسؤوليته عن العملية الجديدة، ويطالب سلطات الاحتلال اليهودية بتنفيذ ما جاء في بيان عملية ٣٠ يوليو، وكان البيان قد طالب سلطات الاحتلال بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين الفلسطينيين والعرب في السجون الإسرائيلية وعلى رأسهم الشيخ المجاهد أحمد ياسين، والشيخ عبد الكريم عبيد أحد قادة حزب الله اللبناني الذي خطف من سهل البقاع قبل عدة سنوات، وتوعد البيان الأول الحكومة الإسرائيلية بعمليات أشد إذا لم تستجب لتلك المطالب خلال أسبوع واحد.
وقد حذر بيان الكتائب الجديد «حكومة العدو من أي محاولة لا مسؤولة للاعتداء على مدننا وقرانا، أو تنفيذ عمليات قرصنة وإرهاب فيها، لأن ردنا سيجعلهم يندمون على اليوم الذي وطئت فيه أقدامهم هذه البلاد»، وأضاف البيان بأن «وحدة الشهداء لتحرير الأسرى شكلت لتنفيذ مهمتها الخاصة بتحرير الأسرى ولا علاقة لها باللعبة السياسية المنهارة التي تقودها أمريكا وربيبتها بالمنطقة، كما دعا البيان السلطة الفلسطينية إلى «الصمود في وجه الإملاءات الصهيونية، وتحدي مطالبهم الإجرامية لملاحقة المجاهدين واعتقال المواطنين لضرب وحدة شعبنا وقواه الحية».
وردود الفعل الصهيونية على العملية كانت متشنجة وعنيفة، فقد فرضت سلطات الاحتلال إغلاقًا كاملًا على مناطق الضفة والقطاع، وأغلقت المعابر والجسور، وبدأت حملة اعتقالات واسعة في مناطق الضفة التي مازالت تحت سيطرتها المباشرة طالت العشرات من نشطاء حماس، وحذر نتنياهو من أن حكومته ستشن حملة على «المتشددين الإسلاميين» إذا لم يفعل عرفات ذلك، وأضاف في أحد تصريحاته «لسنا مستعدين للاستمرار بهذا الشكل، سنتخذ كل الخطوات الضرورية.، يجب أن يكون واضحًا اعتبارًا من هذه اللحظة بأن أسلوبنا سيكون مختلفًا».
كما تشدق نتنياهو بأن حكومته لن تسلم المزيد من الأراضي للفلسطينيين «مادامت السلطة الفلسطينية برئاسة عرفات لا تبذل جهودًا كافية لمكافحة الإرهاب»، وحثت الحكومة الإسرائيلية الإدارة الأمريكية على ممارسة المزيد من الضغوط على السلطة الفلسطينية للالتزام بالأجندة الأمنية واجتثاث البنى التحتية لحركتي حماس والجهاد الإسلامي، كما ناشد المسؤولون الإسرائيليون وزيرة الخارجية الأمريكية الالتزام ببرنامج زيارتها المقررة إلى المنطقة.
ومن جهته حث الرئيس الأمريكي كلينتون الرئيس الفلسطيني عرفات على ضرورة أن يشن حملة شاملة على «أعداء السلام، ومن هؤلاء حماس»، وقال المتحدث باسم البيت الأبيض جو لوكهارت بأن الرئيس كلينتون هاتف عرفات بعد العملية مدة نصف ساعة مؤكدًا على ضرورة أن يتخذ عرفات خطوات ملموسة أخرى فيما يتعلق بالأمن.
مجلس النواب الأمريكي قرر وقف المعونة الأمريكية إلى السلطة الفلسطينية لثلاثة أشهر احتجاجًا على عملية القدس، وكان مجلس الشيوخ الأمريكي قد أقر في ٧ يوليو الماضي مشروعًا مماثلًا في أعقاب عملية محنى يهودا، كما أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية بأن أمن إسرائيل سيكون الموضوع الرئيسي على برنامج عمل وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت للمنطقة، وأنه سيقدم على المسائل السياسية بسبب عملية القدس الأخيرة.
السلطة الفلسطينية من جانبها التي أدانت على لسان رئيسها وعدد من مسؤوليها العملية قامت باعتقال تسعة من أعضاء حماس في الضفة الغربية عرف منهم الشيخ جمال منصور زعيم حماس في نابلس، ومحمود مصلح المتحدث باسم حماس في رام الله، كما قررت إغلاق صحيفة الرسالة الأسبوعية التي يصدرها حزب الخلاص الإسلامي المقرب من حماس في غزة، وادعت الشرطة الفلسطينية أن المعتقلين والصحيفة خالفوا قوانين النشر وأدلوا بتصريحات تضر بالمصلحة الوطنية».
إبادة وحدة كوماندوز إسرائيلية في جنوب لبنان
لم تعرف حتى هذه اللحظة المهمة التي كانت ستنفذها وحدة كوماندوز إسرائيلية في منطقة صيدا بعد منتصف ليلة الجمعة أي بعد عشر ساعات تقريبًا على عملية القدس، إلا أن بعض التقارير ربطت بين العمليتين متحدثة عن عملية اختطاف كان يفترض أن يقوم بها الكوماندوز الإسرائيليون لقيادي فلسطيني إسلامي في منطقة صيدا تعتقد السلطات العسكرية الإسرائيلية -حسب المصادر الصحفية- بأن له صلة بعمليتي القدس الاستشهاديتين، وهو اعتقاد ربما يعززه دعاوی رئيس السلطة عرفات بأن منفذي العمليتين جاءوا من الخارج، ويقصد جنوب لبنان، لكن بعض التحليلات الأجنبية ومنها الإسرائيلية رأت بأن العملية كانت للتغطية على فشل نتنياهو الأمني في منع عمليات القدس الاستشهادية.
وكانت طائرات مروحية إسرائيلية قد قامت بعملية إنزال لوحدة كوماندوز تابعة لسلاح البحرية الإسرائيلية تتألف من ١٦ عسكريًّا في منطقة أنصارية الساحلية جنوب مدينة صيدا في جنوب لبنان وقرب قاعدة تابعة لحركة أمل الشيعية، وقد وقعت الوحدة في كمين نصبه لها مقاتلو حزب الله وأمل، الذين كانوا في وضع استنفار تحسبًا من عملية انتقامية متوقعة ضدهم في أعقاب عملية القدس وهو ما حدث بعد عملية القدس الأولى، كما شارك الجيش اللبناني في قصف القوة الغازية، ونتج عن العملية مقتل ١٢ جنديًّا من بينهم قائد الوحدة برتبة مقدم وجرح الأربعة الآخرين، وقامت قوة إسرائيلية أخرى مدعومة بتغطية نارية مكثفة من الطائرات المروحية والمدفعية البحرية بإخلاء الجثث والجرحى باستثناء جثة لأحد جنود الوحدة كانت السلطات الإسرائيلية قد أعلنت عن فقدانه، وقد أعلن مسؤول في حزب الله بأن حزبه يحتفظ بجثة الجندي إضافة إلى أشلاء بعض الجنود القتلى منها رأس أحدهم، وأعرب عن استعداد حزبه لمبادلة الجثة والأشلاء الإسرائيلية بمعتقلين لبنانيين في السجون الإسرائيلية.
العملية الإسرائيلية الفاشلة هزت حكومة رئيس وزراء العدو، وأضافت حدادًا إسرائيليًّا ثانيًا إلى حدادهم الأول على قتلى عملية القدس، وأعلنت الحكومة الإسرائيلية التي تكتمت على الخبر حوالي عشر ساعات بأن تلك العملية «واحدة من أسوأ المآسي» التي واجهتها إسرائيل، وهي أكبر حصيلة من القتلى يعنى بها جيش الاحتلال في معركة واحدة في لبنان منذ انسحابه الجزئي من الجنوب عام ١٩٨٥.
إذا اختلفوا.. انكشف المستور
في لحظة غضب وفيما كانت الانفجارات تتوالى في القدس كشف بنيامين نتنياهو عن أساس عملية التسوية المزعومة حين قال: لقد سلمناهم «أي السلطة الفلسطينية» أراض وفي المقابل تعهدوا محاربة الإرهاب.. إن ذلك كان فشلًا فاضحًا، وتابع نتنياهو: عرفات لم يفعل شيئًا، ومستمر في عدم القيام بشيء، هذا لا يتلاءم مع عملية السلام.
ثم عاد وأكد المعنى نفسه بقوله: إنه لن يقبل أن يستمر الإسرائيليون في دفع حياتهم ثمنًا، لأن الفلسطينيين لا ينفذون تعهداتهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل