العنوان مستقبل الهجرة على ضوء الانتخابات الفرنسية
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1993
مشاهدات 83
نشر في العدد 1044
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 06-أبريل-1993
انتهت الانتخابات التشريعية الفرنسية بفوز اليمين التقليدي فوزًا ساحقًا لم تشهد له الحياة البرلمانية مثيلًا طوال الجمهورية الخامسة في التاريخ السياسي الفرنسي الحديث.
وأشارت العديد من التقارير والتحاليل
السياسية إلى أن موضوع الهجرة سيقفز إلى الدائرة الأولى في اهتمامات الحكومة
الجديدة في ظل التجربة الثانية للتعايش بين اليمين واليسار في إطار أزمة اقتصادية
حادة ونقاش حول آفاق الانفتاح الأوروبي بعد التصويت والمصادقة على معاهدة
ماستريخت.
فبعد هدوء عاصفة الحملة الانتخابية
وتكريس نتائج الدورة الأولى، تحول حديث الشارع السياسي من الصراع الحزبي بين مختلف
القوى والتيارات السياسية إلى التساؤل عن مستقبل الوضع السياسي ومدى تعايش حكومة
يمينية تسندها أكثرية واسعة في البرلمان ورئيس اشتراكي في وضع محرج بين شعبه في
تراجع وكتلة حزبية قوية تجتهد في دفعه إلى الاستقالة والتخلي عن مقاليد الأمور بعد
النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات.
ملف شائك
ومن المواضيع التي تهم المستقبل
السياسي في فرنسا موضوع الهجرة التي ارتبط في أذهان الفرنسيين حكامًا ومحكومين
بقضايا انعدام الأمن والبطالة. وكل المؤشرات تدل على أن هذا الموضوع سيأخذ حيزًا
كبيرًا في سياسة الحكومة الجديدة لأنه تحول إلى معضلة في ظل التراكمات الحدثية
التي وسعت هوة التناقض بين الفرنسيين والمهاجرين وعمقت شعور الحذر بل النقمة في
بعض الأحيان وذلك بسبب غياب الإرادة السياسية لحل هذا المشكل وعدم خروج هذا الأخير
من دائرة اللعبة السياسية وطرحه طرحًا جديًا بعيدًا عن الأهواء والحسابات الحزبية
الضيقة بمشاركة المهاجرين أنفسهم.
والسؤال المطروح: كيف ستتعامل
الحكومة الجديدة مع هذا الملف الشائك؟
للإجابة عن هذا السؤال يمكن الانطلاق
من برامج وتصورات الأحزاب اليمينية التقليدية المتحالفة في تكتل «اتحاد شعب
فرنسا».
بخصوص موضوع الهجرة، فهذه الأحزاب
ترى ضرورة العمل على إنهاء إصلاح قانون الجنسية المصادق عليه من طرف مجلس الشيوخ،
وتدعو إلى إلغاء قوانين جوكس (وزير الداخلية ثم الدفاع السابق) حول الاقتياد إلى
الحدود وإلى إصلاح القوانين المتعلقة بالتجمع العائلي (التحاق الزوجة والأبناء
بالمهاجر في مقر إقامته) وإلى دعم القمع ضد العمل غير القانوني.
وخلال الحملة الانتخابية، انتقد كل
من «التجمع من أجل الجمهورية» الديغولي برئاسة جاك شيراك، شيخ مدينة باريس، و«اتحاد
الديمقراطية في فرنسا» برئاسة جيسكار ديستان، الرئيس الفرنسي السابق، انتقدا الحزب
الاشتراكي في السياسة التي انتهجها بخصوص الهجرة. ووصفا هذه السياسة بـ«التسيب» و«العجز»
أمام تيار الهجرة القادمة من شمال إفريقيا بالخصوص بصفة غير قانونية وحملا
الحكومات الاشتراكية مسؤولية استفحال ظاهرة العمل غير القانوني وانعدام الأمن،
والتجاوزات في اللجوء السياسي.
معالجة المضاعفات السلبية
وانطلاقًا من كل هذه المعطيات، يبدو
أن الحكومة الجديدة ستركز جهودها بدرجة أولى على المضاعفات السلبية للمعالجة
الاشتراكية لملف الهجرة بتشديد الخناق على مواطن التجاوزات وتكثيف حملات الرقابة
والدوريات الأمنية من أجل طمأنة الفرنسيين وردع مظاهر الانحراف عن القانون،
ويساعدها على المضي في سياستها الردعية اتفاق كل القوى والتيارات السياسية الموجودة
في البرلمان بتركيبته الجديدة على الحد من كل أشكال التجاوز القانوني.
لكن الوضع يتعقد بقدر الخروج عن
دائرة التجاوزات والدخول في صميم موضوع الهجرة وجوهره والمتمثل فيما يطلق عليه
بمسألة الاندماج، ذلك أن المسؤولين السياسيين الجدد مدركون لحساسية هذا الملف
وتعقده كلما تعلق الأمر بمعالجة قضايا الهجرة القانونية وهي حال النسبة الكبرى من
المهاجرين المقيمين في فرنسا.
ومن هذه القضايا الشائكة قانون
الجنسية والتجمع العائلي والتي تصب في إشكالية الهوية علمًا بأن أقصى اليمين
المتمثل في حزب لوبان «الجبهة الوطنية» ركز حملته الانتخابية على مخاطر ضياع
الهوية الفرنسية، واعتبر الهجرة أحد المعاول الكبرى في هدمها، لكن هذا الحزب لم
يفلح في الحصول على عدد من النواب في البرلمان، بل بالعكس خسر النائبة الوحيدة
التي كانت تمثل هذا التيار ذا النزعة العنصرية، ومع ذلك فإن على الحكومة الجديدة
أن تراعي الشعور العام السائد بكون فرنسا تجاوزت الحد المسموح به في التعامل مع
ملف الهجرة.
قانون الجنسية
لذلك فإن إصلاح قانون الجنسية
ومراجعته بالصيغة التي تشدد على شروط الحصول على هذه الجنسية أمر متوقع في ظل
السياسة الجديدة بحيث يتم التضييق على أحد المنافذ الكبرى للتمتع بحقوق المواطنة
على أرض فرنسا، ويدور في هذا المجال نقاش حاد بين اتجاهين مختلفين داخل الكتلة
اليمينية نفسها.
فالاتجاه الأول يرى ضرورة اعتماد حق
الدم (الانتساب إلى أبوين فرنسيين بالوراثة الدموية) كشرط أساسي للحصول على
الجنسية، الأمر الذي يغلق الباب على النسبة الكبيرة من أبناء المهاجرين من أصل
عربي وإفريقي وحتى أوروبي. لكن أصحاب هذا الاتجاه قليلون، ويبقى الاتجاه الأقوى
الذي يرى اعتماد «حق الأرض» أي الإقامة في فرنسا المدة التي تمكن من استيعاب
مقومات الثقافة ونمط المجتمع.
وأصحاب الاتجاه الثاني يتفاوتون في
تقدير نسبة الاستيعاب فالبعض يرى أنها تقتصر على القيم الأساسية التي تم حولها
إجماع في ظل جمهورية تقوم على العلمانية. من هذه القيم المساواة أمام القانون وعدم
تدخل الدين في شؤون الدولة وحرية التعبير والمعتقد لكن بنظرة غربية أي يتحول فيها
الإنسان إلى مشرع ومسؤول عن نفسه أمام نفسه والقانون الوضعي فحسب.
أما الطرف الآخر فإنه يذهب إلى
الاستيعاب بمعنى الذوبان في الشخصية والهوية الفرنسية حتى يحسن الانتماء إلى
المجتمع الفرنسي، وهذا يعني غياب فكرة تعددية ثقافية وحضارية في إطار نفس المجتمع
مع الاعتراف بالتعددية العرقية.. الأمر الذي أشار إليه روكار الوزير الأول السابق
في ميثاق السلام الذي أصدره بشأن الهجرة.
وفي نفس الصدد يدور نقاش حول كيفية
الحصول على الجنسية الفرنسية فالاتجاه اليميني المهيمن من هنا فصاعدًا في البرلمان
يرى إعادة النظر في إعطاء الجنسية بمجرد الولادة في فرنسا حتى من أبوين أجنبيين،
ويقترح دفع من يريد التجنس إلى تقديم مطلب منذ بلوغه سن الرشد والاستدلال على صحة
عزمه ونيته في الانتساب إلى «الأمة الفرنسية»، كما يطرح الاتجاه اليميني التقليدي
إعادة النظر في الجنسية المزدوجة لما في ذلك من ضبابية الانتماء.
مراجعة التجمع العائلي
ويدخل في نفس السياق موضوع التجمع
العائلي الذي يطالب الاتجاه اليميني بإصلاحه ومراجعته، فوجود كل أفراد أسرة
المهاجر على أرض فرنسا يفتح معادلات جديدة من حيث تركيبة المجتمع الفرنسي والتوازن
السكاني «الديمغرافي» بين الأجيال الشابة الفرنسية الأصل والمهاجرة، وتزداد حدة
هذا الموضوع بصدور إحصائيات سكانية مُشيرة إلى الخط البياني المتصاعد لنسبة
المتقاعدين عن العمل الذين وصلوا إلى سن الشيخوخة وانخفاض نسبة الولادات مقابل ذلك
في الأسر الفرنسية وارتفاعها بشكل كبير في الأسر المهاجرة. وهذا يعني تحولا خطيرًا
في نظر المسؤولين الفرنسيين على حساب «الهوية» والشخصية الفرنسية.
الحضور الإسلامي
ويرتبط هذا المعطى بمعطى آخر له
أبعاد حضارية يتمثل في ارتفاع نسبة المسلمين على صعيد المهاجرين باعتبار انتماء
أكثرهم إلى بلدان شمال إفريقيا وحتى إلى بلدان إفريقية مسلمة (مالي-
سنغال...).
من هنا جاءت التخوفات من «زحف»
إسلامي على فرنسا ورغم أن اليمين التقليدي لا يذهب في نفس الاتجاه ولا يلتقي مع
طرح أقصى اليمين «الجبهة الوطنية» إلا أنه لا يخفي حذره من تحول اجتماعي عميق يهز
أركان المجتمع الفرنسي عن طريق وجود نسبة كبيرة من أبناء المهاجرين من أصل عربي-
إسلامي. لهذا فإن الصيغة التي يقترحها في إطار مراجعته للتجمع العائلي ستكون
متشددة أيضًا من حيث شروط التحاق الأسرة بصاحبها في المهجر.
ومهما كانت دعوات التعايش بين
المهاجرين والفرنسيين التي ينادي بها اليمين التقليدي ومهما كان خطابه تجاه الهجرة
المسلمة متسامحًا في ظاهره، فإن الواقع النفسي والاجتماعي غير الصحي السائد حاليًا
في فرنسا وفي الغرب عمومًا سيؤثر على طبيعة السياسة التي ستنتهجها الحكومة الجديدة
في فرنسا تجاه الهجرة بشكل يتسم بمزيد من الصرامة والتشدد بشأن الحضور الإسلامي
المتزايد في البلدان الغربية والذي يطالب بهويته ويصر على عدم الذوبان في الآخر.
اقرأ أيضًا: