; على أنفسهم يجني المستبدون | مجلة المجتمع

العنوان على أنفسهم يجني المستبدون

الكاتب محمد المحمود

تاريخ النشر السبت 03-أبريل-2004

مشاهدات 61

نشر في العدد 1595

نشر في الصفحة 45

السبت 03-أبريل-2004

كاتب سوري- لندن

هناك أطروحة سياسية، مفادها أن نظام الحكم في بلد ما  بطبيعته  يحدد نقيضه، كما يحدد آلية استبداله فالنظام الديمقراطي نقيضه المزيد من الديمقراطية، وليس الاستبداد عادة؛ لأنه نظام يحقق لأفراده ولمؤسسات المجتمع المدني فيه مساحة من الحرية تكفي لاستبعاد الاختناقات وردود الفعل العنيفة، ولأن أقنية التواصل سالكة بين القمة والقاعدة صعودًا وهبوطًا ولأن هؤلاء الأفراد والمؤسسات دفعوا غاليا من الجهود والزمن حتى وصلوا إلى هذا المستوى من الديمقراطية. أما النظام الاستبدادي، فنقيضه الديمقراطية، وآلية استبداله أنواع يغلب عليها العنف، لأنه يحكم بالعنف ولا يستسلم إلا بالعنف وكلما اشتد عنقه كان استبداله أشد عنفاوما ثورة العبيد في روما القديمة، والثورة الفرنسية في فرنسا الحديثة إلا أمثلة، يضاف إليها الثورة البلشفية وسقوط عدد من النظم الاستبدادية

نقول هذا الكلام وعيننا على أوضاع القطر السوري الذي أمضى أربعة عقود في ظل حكم استبدادي شمولي، وأحكام عرفية، ونظام الحزب الواحد، وأجهزة أمن قمعية أخطبوطية متعددة الرؤوس منقولة على الدولة والمجتمع، تحول مؤخرًا إلى جمهورية وراثية غير مسبوقة خلال نصف ساعة، تم فيها تعديل الدستور على مقاس الرئيس الجديد، واليوم يضيف إلى ذلك (تنازلات خطيرة)، تفرط بالقضية الفلسطينية والسيادة الوطنية، والبعد القومي للقطر السوري.

كان النظام السوري طوال العقود الأربعة، يغطي أو يحاول التغطية على سياساته الداخلية المتخلفة بسياساته الخارجية، وبالمواقف الكلامية والشعارات التي لم تحرر أرضًا، ولم تسترد ما استلب، فضلًا عن أن تحقق وحدة عربية أو توازنًا استراتيجيًا مع العدو، كما كان يعلن. وعلى طريقته في التسويغ والالتفاف ستكون تنازلاته الجديدة أمام الضغوط الأمريكية (وبالتالي الصهيونية حكمًا) ذات طابعين اثنين: التدرج أولًا، والتمويه ثانيًا، ولكن على من يلعب هذه الألعاب غير السحرية؟!

نذكر استفزازاته للبلد المجاور (تركيا) تحريكه (عبد الله أوجلان) ، وليس الجولان المحتل، وحزب العمال الكردستاني طوال ربع قرن مع إنكاره ذلك، فلما حزمت تركيا أمرها، ويئست من مماطلة النظام ومراوغته، وقررت المواجهة العسكرية استجار النظام السوري بالنظام العربي ومصر بالذاتوتراجع مقدمًا التنازلات كافة بحجة الجيرة والأخوة التاريخية والمصالح المشتركة التي لم تكن موجودة إلا ساعة التهديدات، وأقدم على طرد حليفه أو ضيفهأوجلان، وبعدها سلم الحلفاء العراقيين أو(الرفاق) إلى القوات الأمريكية، بطرق ملتوية ملتبسة على الدروايش من أمثالنا وحسب! والسؤالهل يأتي يوم يتسلم فيه شارون لا سمح الله قادة الحركات الفلسطينية الفدائية التـي كانت تنزل ضيفة على عاصمة الأيوبيين والأمويين؟ أما (حزب الله) فلن يكون مصيره – على هذ النحوبأفضل من مصير (الإخوان المسلمين) الذي جاهدوا في فلسطين عام ١٩٤٨م، وقرر مصيرهـم (الحلفاء) في مؤتمر (فايد) بمصر بالتصفية المعروفة! لأن بطولة بعض الأنظمة أن تقاتل من وراء الإذاعة، أو بالوكالة عبر تنظيم بديل تتم التضحية به حين تحين ساعة الحقيقة، وبدأ يظهر أن (حزب الله) تنظيم لبناني (لا علاقة لنا به)، كما يمكن تحويله إلى أرض منزوعة السلاح، مثل الحد الفاصل بين الجولان المحتل وأمه سورية، ولـم (نستطع تحرير الجولان عن طريق الالتفاف من جنوب لبنان، والعتب على الجغرافية!).

مقولة خادعة

إليك المقولة التي تعاورها رموز النظامنحننرضى بما يرضى به الفلسطينيون، وهي مقولةخادعة مضللة، فإذا أراد الفلسطينيون حلًا للقضية (فلسنا أشد وطنية منهم، ثم لماذا التدخل في شأن غير سوري؟) وهكذا تتكدس الحجج والذرائع، وهذا يلغي كل ما كان يقال من أن: فلسطين الجزء الجنوبي من سورية وبلاد الشام

فلسطين من البحر إلى النهر أرض عربية

العودة للاجئين الفلسطينيين حق طبيعي لا يمكن التخلي عنه.

السلاح النووي الإسرائيلي يهدد الأمن القومي العربي والسلم العالمي.

الجولان أرض سورية مغتصبة، لا يمكن التفريط بشبر منها

ولك أن تتساءل أين الحزب العقائدي؟ أين الأموال الطائلة من أموال الشعب التي أنفقت علىالتسليح، وعلى نظام الشبيبة الحزبي، وأجهزة الأمن الجرارة وعلى أولوية المعركة على ما سواها مثل فرض قانون الطوارئ، والأحكام العرفية طوال أربعة عقود من أجل الصراع مع العدو الخارجي، وبالطبع لن تلغى أحكام الطوارئ حين توقيع معاهدة الصلح مع العدو الصهيوني ليتسنى قمع العدو الداخلي أي الشعب صاحب الحق في تقرير مثل هذه السياسات المصيرية الخطيرة، وكان من قبل مجموعًا بهذه الأحكام، وما زال

«نحن نرضى بما يرضى به الفلسطينيون»، هكذا دون الإجابة عن سؤالأي فلسطينيين؟ 

وفي ظل أي معادلات يرضى الفلسطينيون بحلول قهرية مثل: ظروف التخلي العربي والإسلامي الرسميين عن القضية الفلسطينية؟ وفي وقت سقوط المناصرين، واستفحال الهيمنة الأمريكية والغطرسة الشارونية؟ هل هذه عدالة، أم شجاعة أم عروبة؟

أما المنظمات الفلسطينية التي كانت تتخذ من دمشق منبرًا، فإنها (هي نفسها لملمت مكاتبها، وخرجت) إلى أين؟ الله أعلم (لأنها هي نفسها قدرت الظروف الجديدة، ومتغيرات المعادلة الدولية، فقررت عدم الإحراج!)ما ألطف هذه المنظمات، وما أذكاها! هي بنفسها ترحل، وهي بنفسها تختار مكان الاصطياف في سويسرا أو في المريخ!

على كل حال هذا لا ينفي أن النقل الحقيقي لهذه المنظمات هو داخل الأرض المحتلة، لكنهاعبارات تذكرنا بالفتنة الأولى حين رفعت المصاحف في وجه علي بن أبي طالب رضي الله عنه  حين التقى الجيشان للقتال، وقيل: «لا حكم إلا لله» فقال علي كرم الله وجهه قولته المأثورة «كلمة حق أريد بها باطل». ونقول: شتان ما بين بني أمية الذين عمروا الشام، وفتحوا الأرض شرقًا وغربًا، وبين الذين لم يستطيعوا استرداد الجولان الذي ضيعوه.

التدرج والتمويه... سمتان قادمتان 

ولكن كيف يكون التدرج يبلغ السكين أو القول بأنها قطعة حلوى؟ إن شعبنا يفضل المحن التي ابتلي بهاوكم للمحن من فوائد – اكتسب خبرات مضاعفة في كشف المراوغة والتزوير.. بدءًا من سقوط الجولان، وانتهاء بمحاولة إسقاط المقاومة. إن حس شعبنا الفطري كافي للتمييز بين الأسود والأبيض في عصر التقنيات الفضائية والاتصالات الإلكترونية التي جعلت الأرض كلها قرى صغيرة

وإلا فما معنى الإبقاء على قانون الطوارئ، ونظام الحزب الأحادي، وأجهزة الأمن والقمع الجرارة، وتغييب الشعب وقواه الوطنية في مواجهة التهديدات الخارجية؟ وما معنى الانفراد في مواجهة الاستحقاقات والإملاءات، وتقديم التنازلات الخطيرة؟

إن التفاوض على القضايا المصيرية من حق الشعب وحده، كما أن التفاوض من موقع قوي. أن بلحمة وطنية متماسكة، وجبهة موحدة، غير ما هو عليه الحال: من فساد مستشر، وأجهزة قمعية وإرادة شعبية معطلة لا تذكر بالدرس العراقي وحده، بل تزيد عليه نكالًا ووبالًا، فضلًا عن التساؤل عمن أوصل القطر والأمة إلى هذه الحال البائسة؟

قبل أن تغزو القوات الأمريكية العراق أدركت النخبة السورية المثقفة مؤشرات المرحلة القادمة فبادرت إلى نصح النظام، بضرورة التعجيل بالإصلاح السياسي الداخلي، قبل أن يفرض أو أحد يلوح من الخارج، فأبى المتشددون، وأوقعوا بالناصحين بالسجون، وما زالوا يتمترسون بذرائع واهية لا تخفي استماتتهم على مصالحهم الشخصية، ولو هلك الوطن كله، وهاهم اليوم يضاعفون المأساة بمزيد من المآسي بما يستتبع مزيدًا من القمع والمنع، وهذا يعني بالتالي مزيدًا من النقمة والغضب الشعبيين.

إن مضاعفات الفساد الإداري، وتزايد نسب البطالة، والانهيار الاقتصادي، والتمييز بين المواطنين، وانسداد أبواب التعبير أمام الرأئ وهيمنة الحزب الواحد، وتكدس الثروات المنهوبة المحرمة في المصارف الأجنبية، وتدني مستوي التعليم، وانسحاق الشرائح الكادحة، كل ذلك سوف يرفع وتائر غليانها بتداعيات التنازلات الجديدة الخطيرة. لقد صبر شعبنا على مضض طوال أربعة عقود على اللقمة المغمسة بالقحط وبالقمع الأمني، أما أن تغمس أيضًا بالهوان الأمريكي الصهيوني، فقد جاوز الظالمون المدىوإذا خفق العلم الصهيوني عند قبر صلاح الدين الأيوبي فيومئذ لا تنفع النصائح، ولا يمكن وقف الطوفان وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

الرابط المختصر :