العنوان علمانية تركية مقززة!
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1999
مشاهدات 68
نشر في العدد 1360
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 27-يوليو-1999
قادة تركيا ومسؤولوها يمارسون علمانية مقززة، يمقتها حتى مبتدعو هذا الفن من السياسة، فمن حرب على الحجاب الإسلامي في الجامعات والمدارس والدوائر الحكومية، إلى تلفيق تهم وذبح للديمقراطية، لحل الرفاه وحرمانه من الاستمرار في الحكم، إلى اعتقال الرموز الإسلامية النظيفة كعمدة اسطنبول الطيب.
علمانيو تركيا يستميتون في ترويج علمانيتهم الهابطة، وفي تقديم شهادات حسن سلوك لم تنفع في «حشرهم» ضمن الاتحاد الأوروبي، فهم «مسلمون» في نظر الأوروبيين مهما عربدوا، ومهما شربوا الأنخاب في صحة تعهير مجتمعهم، ومهما جمعوا من حجابات انتزعوها من على رؤوس صاحباتها المسلمات.
وبعد أن أفلس مروجو العلمانية التركية في رسالتهم، وبعد أن يئسوا من اقتحام القلعة الأوروبية، لم يكن أمامهم من سبيل سوى المحاولة هذه المرة من البوابة الإسرائيلية، ولم لا وكل الطرق تمر الآن من تل أبيب؟
هذه المرة تبرع رمز العلمانية دميريل بسقاية العطاش في تل أبيب باستخدام كل الطرق الممكنة من أنابيب تحت البحر، أو سفن تجر بالونات بلاستيكية ضخمة مليئة بالماء العذب، إلى دولة قاتل أجداده العثمانيين في سبيل ألا تقام، فدفعوا حياتهم ونظامهم ثمنًا لها، فليمت إذن العرب عطشًا بعد محاصرتهم بالماء، وبعد إقامة السدود على الفرات، ولتنتعش «إسرائيل» الصديقة بالماء التركي!
لا نعرف ما الذي يريده دميريل بالضبط، هل يريد ود إسرائيل بعرضه الرومانسي لها؟ أم يريد أن يخدع المسلمين بصلاته في المسجد الأقصى؟ على كل حال لم يستطع الرئيس التركي إكمال صلاته حتى تكتب له ٥٠٠ صلاة، فقد أمطره المصلون في الأقصى بعبارات على شاكلة «يا خائن الإسلام»، و«نريدك أن تأتي إلى هنا محررًا لا زائرًا»، واتهمه بعض صبية فلسطين بالكفر والزندقة؛ فنال أحدهم صفعة من مرافق الرئيس التركي، أليست الصلاة في المسجد الأقصى وأمام عدسات التصوير مظهرًا دينيًا يجب أن يحاربه العلمانيون بدرجة أشد من محاربتهم للحجاب؟ ألا يتناقض ذلك مع مبادئ العلمانية الكمالية وخصوصًا عندما يكون من رئيس الدولة؟
ما الذي يريده دميريل؟ هل يريد شراء ذمم المسلمين بسجادتين تركيتين أحضرهما معه لفرش المسجد الأقصى مقابل السكوت عن تحالفه مع الدولة اليهودية واستفزازه لمشاعر العرب والمسلمين؟ إذا كان دميريل حريصًا على عمارة المساجد، فلماذا سعى إلى خراب مساجد بلده العابقة بعطر الخلافة العثمانية، عندما أقدم نظامه على إغلاق مدارس القرآن الكريم، ومنع طلبة العلم من دراسة الشريعة الإسلامية في الأزهر وغيره؟
الغريب أن رئيس الجمهورية التركية دميريل ورئيس وزرائها أجاويد كانا ضحية النظام العلماني عندما أطاح بهما الانقلابيون العسكر وسجنوهما؛ ليخرجا حملين وديعين في خدمة النظام العلماني، بل خرجا أشد شراسة على المسلمين من العسكر.
قضية الحجاب في تركيا ذات الأغلبية المسلمة اتخذت شكلًا سافرًا لم يحدث في أكثر الدول الأوروبية التي تتبنى العلمانية الحقيقية، والتي يعيش فيها المسلمون كأقليات، والتي تتسامح إلى حد بعيد مع حجاب المرأة المسلمة، باعتباره حقًا شخصيًا للمرأة تمامًا مثلما لها الحق في التعري، لا أحد يفهم ما الذي يريده العلمانيون في تركيا، فلم تعد الحرب فقط على الحجاب كمظهر من مظاهر التدين والالتزام، بل تعدته إلى حرب على النوايا، وهو شكل مبتكر لم يقله أحد من منظري العلمانية، فقد نشرت صحيفة تيركش ديلي نيوز التركية أن فتاتين تركيتين تقدمتا بطلب لعضوية نقابة الصحفيين، لكن طلبهما رفض لأنهما كانتا ترتديان الحجاب، وقامت الفتاتان بخلع الحجاب عن رأسيهما، فتم استدعاؤهما إلى مجلس النقابة لمراجعة طلبهما، وبعد استجوابهما رفض طلبهما مرة أخرى بدعوى أن الفتاتين لم تكشفا عن رأسيهما إلا من أجل الحصول على بطاقة الصحافة الصفراء، أي أنهما لم تكونا صادقتين في نزع الحجاب!
من يقرأ الخبر يشعر بالحاجة إلى رفش بطون أعضاء النقابة، فمثل هذه الممارسات بلغت حدًا لم تعد تجدي معه سياسة الانحناء في وجه العواصف، ولم يعد مبررًا هذا السلوك السلبي من جانب مسلمي تركيا لحملات التصفية المعنوية والمادية التي يتعرضون لها كل يوم في الأجهزة الحكومية والجامعات، وفي البرلمان، فالحرب المعلنة هي حرب على الدين الإسلامي، وعلى حقوق الإنسان التركي وحرياته الشخصية.
ثمة ضرورة لأن يتصدى المسلمون في تركيا لهذه الحرب الشنيعة بقوة وحزم، بإمكان الأتراك المسلمين أن يفعلوا شيئًا، ويتداركوا الموقف قبل أن يصل الحال إلى إقامة الحواجز العسكرية لإجبار الفتيات المسلمات لا على نزع حجابهن هذه المرة، بل نزع جلابيبهن أيضًا!.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل