; عرفات: تمنيت قبل أن أذهب إلى أمريكا أن تتم عمليات تدعمني! كيف يمكن أن ينتصر الفلسطينيون في الانتفاضة.. ويهزموا في المفاوضات؟! | مجلة المجتمع

العنوان عرفات: تمنيت قبل أن أذهب إلى أمريكا أن تتم عمليات تدعمني! كيف يمكن أن ينتصر الفلسطينيون في الانتفاضة.. ويهزموا في المفاوضات؟!

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1998

مشاهدات 70

نشر في العدد 1321

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 13-أكتوبر-1998

علامات استفهام كبيرة تشخص أمام هذا الحرص الشديد من جانب قيادة السلطة الفلسطينية على الترويج لدولة فلسطينية قادمة في 4 من مايو القادم، وعندما يتعلق الأمر بمشروع تطرحه السلطة نعلم أنه لن يتجاوز في سقفه ما اتفق عليه في أوسلو عام ١٩٩٣م أو القاهرة عام ۱۹۹٤م، وهو اتفاق اعتبر نصراً للصهاينة وضربة قاضية للقضية الفلسطينية.

أي دولة هذه التي تستميت السلطة في طلبها ؟! ما حدودها؟ وما مقومات حياتها؟ بل ما ثمنها ؟...

أسئلة محيرة قد لا نعرف لها إجابات إلا بعد أن يقع الفاس بالراس كما يقولون الرئيس عرفات يريد دولة بأي ثمن، والحالة الطبيعية أن تقام الدولة ثم يبحث الناس لهم عن رئيس أما معادلة الدولة في الحالة الفلسطينية فهي مقلوبة لأن لدينا رئيساً جاهزاً، ويبحث عن دولة، ولاشك في أن هذه المعادلة الفلسطينية الشاذة سبب نكسة أوسلو التي مني بها الفلسطينيون ودفعوا ثمنها غالياً ولا يزالون.

وإذا ما أوفى نتنياهو بوعده - وهو لن يكون بدون ثمن جديد وأكبر. وسحب قواته من هذه الـ ١٠ التي أصبح الانسحاب منها أمنية لدى السلطة الفلسطينية، سيأتي الرابع من مايو القادم وشرطة السلطة قد امتهنت لعبة القفز فوق الحواجز الإسرائيلية للانتقال من كانتون إلى كانتون آخر، ومن جيب إلى جيب آخر في مناطق لا تزيد مساحتها الإجمالية على ١٧ من أراضي الضفة الغربية المحتلة التي تبلغ مساحتها الكلية حوالي ستة آلاف كلم مربع وعن ٦٠٪ من مساحة قطاع غزة البالغة حوالي ۳۸۰ كلم مربع فقط.

الوحدة الجغرافية والسكانية في معادلة الدولة الفلسطينية غائبة، بل هي مستحيلة التحقيق، إن نظرة خاطفة على الشكل السريالي الخارطة الدولة الفلسطينية المرتقبة لاشك ستكون صاعقة، فهي جزر نووية داخل محيط واسع من المستعمرات اليهودية والطرق الالتفافية التي يقيمها المستوطنون الصهاينة ويبتلعون من أجلها مساحات واسعة من أراضي الضفة والقطاع إضافة إلى المناطق الأمنية العازلة في الأغوار وعلى محاذاة الخط الأخضر الفاصل بين فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م وتلك المحتلة عام ١٩٦٧م، ومناطق عسكرية أخرى في وسط الضفة، وترفض الحكومة الصهيونية مشروع الممر الآمن بين الضفة والقطاع، والذي يهدف لربط المنطقتين من خلال جسر معلق تسيطر قوات الاحتلال الصهيوني على طرفيه.

أما السيطرة على الحدود التي هي من مسائل السيادة فهي مسألة محسومة لدى الحكومة الصهيونية التي لن تتنازل عنها للفلسطينيين، ويتندر الفلسطينيون الذين يعبرون الجسر بالوضع الصوري البائس للشرطة الفلسطينية على نقطة العبور، فالإسرائيليون وافقوا على وضع شرطة فلسطينية على كاونتر الجوازات في نقطة العبور، وخلف هذا الكاونتر يوجد حاجز زجاجي ملون يتترس ضباط الاحتلال اليهودي وراءه، فهم يرون كل فلسطيني يقف عند الكاونتر، بينما هو لا يراهم، ومهمة رجل الشرطة الفلسطيني لا تتعدى استلام الجواز وتمريره للضابط اليهودي من خلال فتحة صغيرة في الزجاج للتدقيق وإعطاء الإذن بالدخول هذه الصورة لن تتغير إلى الأفضل بالنسبة للفلسطينيين، لأن أمن إسرائيل هو الأهم، والإسرائيليون لا يثقون بالفلسطينيين حتى لو كانوا من سلطة الحكم الذاتي.

إن أمن إسرائيل هو محور اتفاق أوسلو، ومنذ اليوم الأول لدخول السلطة إلى مناطق الحكم الذاتي فرض على السلطة أن تثبت حسن نواياها في حماية الأمن الإسرائيلي، وهو ما حدث وبجدارة ويصر نتنياهو على إذلال رجال السلطة من خلال اتهامهم بالتقصير في مكافحة الإرهاب، وحتى هذه اللحظة لم يبدر من الحكومة الإسرائيلية أي مديح أو إشارة إعجاب بدور أجهزة أمن السلطة في محاربة حركة حماس، وبالدور الذي تلعبه في إجهاض العمليات العسكرية، وفي ملاحقة المجاهدين وقتلهم أو اعتقالهم.

لقد اعترف رئيس السلطة الفلسطينية بوجود ضغوط شديدة عليه من الرئيس الأمريكي كلينتون للقبول بالشروط الإسرائيلية لصيغة ٣١٠ التي وضعها نتنياهو، مما يعني أن الموقف الأمريكي وخصوصاً في ظلال قضية «مونيكا جيت» لا يمكن أن يتصادم مع الموقف الصهيوني، ويريد نتنياهو وكلينتون من عرفات تطبيق اتفاق التفاهم الأمني الثلاثي الموقع في ديسمبر الماضي من قبل السلطة والحكومة الإسرائيلية، ووكالة الاستخبارات الأمريكية، وعلى الرغم من أن السلطة تنفذ الاتفاق نصاً وروحاً، إلا أن الطرف الإسرائيلي يختلق الأسباب، بل ويفتعل حوادث معينة من وقت لآخر كتفجير سيارة أعضاء خلية حماس في بيتونيا مؤخراً للتدليل على أن أجهزة الأمن الفلسطينية لا تقوم بالدور المطلوب.

وليس أدل على حالة الهوان من حادث دهس الشرطي الفلسطيني محمود عنتر عند حاجز فلسطيني في إحدى مناطق (1) الخاضعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية من قبل مستوطن يهودي، وقد أصيب الشرطي إصابة متوسطة واعتقل المستوطن في الخيمة المجاورة للحاجز لبضع دقائق ثم جرى تسليمه لدورية إسرائيلية بموجب اتفاق أوسلو الأمني الذي يمنع الشرطة الفلسطينية من اعتقال أي شخص يحمل الجنسية الإسرائيلية، ولم تتمكن الشرطة الفلسطينية من التحقيق مع المجرم اليهودي، كما لم يجرؤ أي منهم على ضرب المستوطن الذي يبدو أنه تعمد دهس الشرطي الفلسطيني الذي أراد أن يوقف سيارته، يحدث ذلك في الوقت الذي تتجرأ أجهزة الأمن الفلسطينية على تعذيب المعتقلين من أبناء شعبها، ويموت البعض منهم تحت التعذيب يجري هذا على الرغم من تأكيد الرئيس الفلسطيني في القاهرة بأنه أخبر كلينتون بأن حياة الفلسطيني عندنا تتساوى مع حياة الإسرائيلي سواء بسواء وتسائل عرفات في لقائه مع كلينتون أين الإرهابيون والمتطرفون الإسرائيليون الذين ارتكبوا أعمالاً خطيرة ضد الفلسطينيين؟ إنهم سريعاً ما يفرج عنهم، وإن صدرت بحقهم أحكام فهي لمدد رمزية، بينما نحن ملتزمون ولكن لكل شيء حدوده!! ومنذ مجيء نتنياهو إلى الحكم ونحن نسمع أن لكل شيء حدوداً لكن ما يحدث هو العكس، حيث إن السلطة الفلسطينية نفسها تفرج عن المجرمين الإسرائيليين والعملاء من الفلسطينيين المتعاونين مع الصهاينة في الوقت الذي تنقض على المجاهدين الشرفاء بقبضة من حديد ومؤخراً أفرج عن أربعة من عرب إسرائيل، كانوا قد اتهموا بإعطاء متفجرات مفخخة لأعضاء من حماس، مما أدى إلى قتل الشهيد زهران زهران وجرح اثنين معه في حادث بيتونيا الذي أشرنا إليه.

ويبدو الرئيس الفلسطيني محيراً حين يؤكد في القاهرة قائلاً: «لاشك في أن العمليات« العسكرية» تدعمنا، بل إنني قبل أن أذهب إلى أمريكا تمنيت أن تتم عمليات تدعمني....» من الذي يعتقل المجاهدين إذن قبل تنفيذهم للعمليات؟ ومن الذي يسلمهم لأجهزة الأمن الإسرائيلية؟ ومن الذي يزرع في أجسادهم أجهزة تنصت لرصدهم ومن ثم اغتيالهم؟ هل يريد الرئيس من مجاهدي حماس الموت في سبيل الـ ١٠ ولماذا لا تقوم شرطة السلطة وأجهزتها الأمنية الأحد عشر بعمليات كما يريد ويشتهي ؟!

بعد كل هذه التجارب المريرة مع أجهزة السلطة القمعية، من حقنا التشكيك في مصداقية الدعوة إلى إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة، إن في اعلان الدولة بالشكل المطروح تصفية للقضية الفلسطينية، حيث تختزل طموحات الشعب الفلسطيني في تحرير كل الأرض الفلسطينية المغتصبة في كيان هزيل لا ينطبق عليه وصف الدولة بسبب فقدانه لمقومات الوحدة الجغرافية والسكانية، ولانعدام السيادة على حدود هذا الكيان وعلى الثروات الطبيعية وبخاصة المياه.

ونتساءل كما تساءل المفكر الفلسطيني ناجي علوش عن السبب الذي يدفع القيادة الفلسطينية إلى تقديم كل هذه التنازلات للعدو الصهيوني الغاصب يقول ناجي: «نفهم أن تنهزم قوة ما في الحرب، لأن للحرب قوانينها وموازينها المادية وغير المادية، لكن لا نفهم كيف ولماذا ننهزم في مفاوضات؟.

الرابط المختصر :