العنوان عددهم 8 ملايين في أوروبا.. الغجر بين مطرقة العنصرية وسندان التهميش
الكاتب صلاح الصيفي
تاريخ النشر السبت 24-نوفمبر-2007
مشاهدات 79
نشر في العدد 1778
نشر في الصفحة 30
السبت 24-نوفمبر-2007
أصولهم من وسط وجنوب أسيا والهند وإيران.
رحلوا عن أراضيهم منذ القرن الرابع الميلادي.. وتوزعوا بين البلقان وأوروبا الشرقية وبعض دول أوروبا الغربية.
الفاتيكان اكتفى بتوجيه النصح للدول الأوروبية.. والتقارير الكنسية تحث على تنصيرهم.
80٪منهم يعانون من البطالة في أوروبا.. ولا يعملون إلا في الوظائف المتدنية.
في ظل مجتمع يتغنى دائمًا بشعارات الحرية وحقوق الإنسان يواجه أكثر من 8 ملايين من الغجر في أوروبا شتى أنواع التمييز والعنصرية والحرمان الاقتصادي والتهميش الاجتماعي.. كما يتعرضون للأذى والامتهان على يد الشرطة، وأصبح تدني مستوى التعليم والثقافة والمؤهلات مقرونًا بالتمييز في التوظيف، بل والأغلبية العظمى من الغجر عاطلة عن العمل، ما دفع بعض الغجر إلى الارتماء في أحضان الجريمة نتيجة الفقر الناجم عن ذلك لا سيما السرقة.
متاجرة سياسية بآلام الغجر: واستغل السياسيون ووسائل الإعلام في أوروبا مشكلاتهم وجرائمهم لإثارة المزيد من التحيز والعنصرية ضدهم، وقد وصل التمييز إلى أقصى مداه في دول أوروبا الوسطى والجنوبية والشرقية، حيث ظهرت الكراهية العلنية وأعمال العنف العنصرية ضد الغجر في السنوات الأخيرة.
من هم الغجر؟
والغجر هم شعوب تقطن أوروبا منذ القرن الخامس عشر الميلادي وتتكلم لغة مشتركة، ولها ثقافة وتقاليد متشابهة وحتى أواخر القرن العشرين ظلت شعوب الغجر تعيش حياة التنقل والترحال، وللغجر أسماء مختلفة باختلاف اللغات والأماكن التي يعيشون فيها، ومن أسمائهم الشائعة في أوروبا (الروم) وهم من بين الشعوب التي تعرضت للاضطهاد من قبل الحكم النازي.
وتشير تقديرات بعض الباحثين إلى أن عدد الغجر في العالم يقترب من ١٢ مليونًا. منهم ٨ ملايين في أوروبا، ورغم هجرتهم من أواسط آسيا قبل أكثر من ألف عام فلا يوجد ذكر مفيد لهم في المدونات المعاصرة، ولم يحتفظوا مطلقًا بمدونات تخصهم قبل ذكرهم في كتاب تاريخ ملوك الأرض للمؤرخ الفارسي حمزة الأصفهاني الذي يعود إلى عام ٩٥٠م.
وتوجد آراء مختلفة بشأن تاريخ الغجر وأصولهم، إلا أن رأيًا منها يبدو وجيهًا، وهو أن هؤلاء الأقوام أصلًا من شعوب الهند وإيران ومناطق وسط وجنوب آسيا هاجروا من أراضيهم في القرن الرابع الميلادي وأوضح بعض المؤرخين أنهم في أواسط القرن الخامس عشر (١٤٤٠م تقريبًا) وصلوا إلى مناطق المجر وصربيا وباقي بلاد البلقان الأخرى، ثم انتشروا في بولندا وروسيا واستمر انتشارهم إلى أن بلغوا السويد وإنجلترا في القرن السادس عشر الميلادي. كما استوطنوا في إسبانيا بأعداد كبيرة في ذلك الوقت.
ديانات متنوعة: وانقسم الغجر في دياناتهم بحسب البلاد التي استقروا فيها فأصبح جزء منهم مسلمين كما في البوسنة والهرسك، واتبع بعضهم مذهب الأرثوذكس في صربيا والجبل الأسود، فيما أصبح معظم الغجر في أوروبا الغربية من الرومان الكاثوليك، ولكنهم حافظوا على كثير من معتقداتهم السابقة قبل اعتناقهم المسيحية.
لغات شتى
تفرقت لغة الغجر بتفرقهم وتأثرهم بألسنة القوميات المتعددة التي عاشوا وسطها، ولكن هناك محاولات في الفترة أخيرة لتدوينها، على الرغم من أن المنشورات الغجرية المكتوبة قد ظهرت أيام الاتحاد السوفييتي في عهوده الأولى.
وفي القرون الوسطى كان الأوروبيون يعتقدون أن الغجر مؤمنون وأصحاب حق حتى إن بعض القبائل الغجرية المترحلة كانت تحمل معها إذنًا خاصًا من البابا نفسه، يبيح لها إقامة معسكراتها حيثما شاءت: لكن حينما اكتشف فيما بعد أن هذا الإذن مزوّر انقلبت الآية وصار ينظر إليهم كمجموعات كافرة تهدد المسيحيين كما أن الكثير منهم اعتقد أن الغجر عملوا جواسيس للتتار في البدء ومن ثم للأتراك ومن هنا جاءت تسمية الفجر بالتتار.
عادات وادعاءات
وفي ظل هذا المناخ بدأت تطفو على السطح تيارات الحقد والكراهية ضد الغجر فأشيع أنهم انحدروا من أصول غير طبيعية وأنهم ورثوا اللعنة نتيجة بعض الذنوب التي اقترفها أجدادهم، وأشيع أنهم يأكلون لحوم البشر ويخطفون الأطفال، وضاق الناس عنهم لأنهم يمارسون السحر، ورأى البعض أنهم فاسدو الأخلاق يحاولون إغراء نساء غيرهم، ورغم كل ذلك فقد وجد الغجر أحيانًا بين النبلاء- الطبقة الأرستقراطية- من استعان بهم للتسلية والرقص والغناء وبعض الغجر لا يزال يستخدم العربات القديمة المقطورة المزينة لبيع مصنوعاتهم اليدوية لتأمين قوت يومهم إلا أن الكثيرين منهم سجلوا أبناءهم في المدارس، أما البعض الآخر من هؤلاء الأبناء فيعملون سعاة وحراسًا في المكاتب وفي مهن أخرى... وتقيم بعض العائلات من الغجر في مكان واحد حيث يمارس أفرادها التجارة خصوصًا في المدن، ويقيم البعض الآخر من هذه العائلات في ضواحي المدن الكبرى حيث يعمل أفرادها في المصانع.
وأبناء الغجر ممن يتلقون علومهم بالمدارس يواظبون على ارتداء ثيابهم الزاهية الألوان والمرصعة بالمجوهرات المزيفة ومع ذلك فلا يواجهون مضايقات من زملائهم في المدرسة، وفي الآونة الأخيرة أخذت تزداد ميول الغجر للزواج من غير محيطهم.
وقد عاملت بعض الدول الغجر معاملة جيدة، إلا أن دولًا أخرى اضطهدتهم، ولعل أشهر اضطهاد لهم ما قام به الزعيم النازي أدولف هتلر الذي أباد حوالي نصف مليون غجري، في حين رفضت دول أوروبا الغربية توظيف الغجري لعدم استقراره في مكان إقامته.
النازية وإبادة الغجر
مع تطور المجتمع الصناعي إبان عصر نهضة الصناعات في أوروبا وظهور المجتمعات الحضرية تعرض الغجر إلى مراقبة السلطات في البلدان الأوروبية، حيث قامت ألمانيا بإنشاء وزارة مختصة بشؤون الغجر وكانت مركز العداء لكل ما هو غجري في ألمانيا حتى قيام النازية، وفي فبراير عام ۱۹۲۹م صدرت قوانين تلزم الغجر الذين ليست لديهم مهنة ثابتة في ألمانيا بالعمل القسري (السخرة)، وقد طبق هذا النظام في عدد من الدول الأوروبية.
في ألمانيا: وبظهور النازية احتل الغجر مرتبة متدنية في الترتيب العرقي للنظرية النازية، فهم عرفوا حسب قانون نورمبيرج العام 1935م بأنهم شعوب غير آرية، وبالتالي يمنعون من الزواج من ألمانيات، كما وصفوا بأنهم مجموعات منغلقة على نفسها في قانون ۱۹۳۷م، وهي تهمة جنائية يعاقبون عليها حتى وإن لم يرتكبوا أي جريمة ومن ثم كان يتم حبس ٢٠٠ من الغجر كل مرة في معسكرات التركيز وبحلول عام ۱۹۳۸م، أنشأ الفوهرر هيملر مكتبًا مركزيًا لمكافحة خطر الغجر، وكانت الوظيفة الأساسية لهذا المكتب هي فرز الغجر الأنقياء من الغجر المختلطين وقد تم العديد من الممارسات العنصرية ضدهم في ذلك العهد، حتى وصل بهم الحال إلى وضعهم في زرائب ذوات أسوار كما توضع البهائم.
وكان قانون ١٩٤٣م يمنع ذكر الغجر بسبب عدم توقع استمرارهم في الحياة، ثم أمر هتلر بترحيل الغجر إلى معسكر الإبادة في أوسشفيتز، ولكنه لم يسمح بقتلهم إلا في عام ١٩٤٤م، حيث قتل العديد منهم في المعسكرات الأخرى بسبب الجوع والمرض والتعذيب.
وفي رومانيا: رغم حدوث تراجع في أعمال العنف والعنصرية منذ منتصف التسعينيات، إلا أن الغجر ما زالوا يتعرضون للاعتداء من جانب الشرطة والجمهور، وفي مايو ۲۰۰۰م، أطلق شرطي في بوخارست النار على شاب غجري من مسافة قصيرة جدًا فأصابه في رأسه، بعدما ورد أنه انهال عليه بالضرب وضرب رأسه بالحائط وقد نجا «موغوريل سور» بأعجوبة، لكنه فقد القدرة على النطق وزعم أن رجال الشرطة الآخرين عمدوا إلى اعتقال الشهود وتخويفهم!
وفي يوغسلافيا: بينما يبدو أن معاملة الغجر في جمهورية يوغسلافيا الاتحادية قد شهدت تحسنًا منذ انتخاب حكومة جديدة في عام ۲۰۰۰م، إلا أنهم ما زالوا محرومين من الحماية الكافية من الشرطة ضد الاعتداءات التي يشنها عليهم حليقو الرؤوس.
ويظل وضع الغجر في كوسوفو محفوفًا بالأخطار بسبب أجواء التوتر العرقي والاعتداءات العنيفة، ويحد خوفهم على سلامتهم من حقهم في حرية الحركة مما يجعل من الصعب عليهم الحصول على الطعام والعمل والتعليم والرعاية الصحية وتظل أعداد كبيرة من غجر كوسوفو مهجرين في صربيا أو الجبل الأسود أما الذين بقوا في كوسوفو، فيخشون من الهجمات العنيفة التي تشنها عليهم قطاعات من السكان المنحدرين من أصل ألباني الذين اعتبروهم «عملاء» للصرب خلال الحرب التي نشبت في عام ١٩٩٩م.
وفي اليونان: نُقل بعض الغجر إلى مستوطنات معزولة فيما وصفه خبير في مجلس أوروبا بعبارة الفصل العنصري الراسخ في الأنظمة والأعراف، وغالبًا ما يتعرضون للمضايقة من جانب الشرطة خلال المداهمات التي تقوم بها بحثًا عن المخدرات والأسلحة.
وفي أكتوبر ۲۰۰۱م أردى شرطي بنيران سلاحه غجريًا أعزل اسمه مارينوس كريستوبولوس، في «زفيري ب. أتيكا».. لأنه لم يمتثل لأمر دورية الشرطة بالتوقف وألقي القبض على الشرطي واتهم بإرتكاب جريمة قتل، لكن أخلي سبيله بكفالة بعد خمسة أيام وعاد إلى الخدمة.
الغجر وعصابات حليقي الرؤوس
وفي الجمهورية التشيكية: يتعرض الغجر لاعتداءات عنيفة من جانب عصابات حليقي الرؤوس وغيرهم من الجماعات المتطرفة، وغالبًا ما تتقاعس الشرطة عن التدخل أو التحقيق في الحوادث بجدية وعندما تجرى ملاحقات قضائية تميل المحاكم إلى إدانة الجناة بارتكاب جرائم بسيطة فقط، ورغم هذا النمط من الاضطهاد اتخذ مسؤولو الهجرة في المملكة المتحدة إجراءات استثنائية وقائمة على التمييز لمنع الغجر التشيكييين من طلب اللجوء إلى المملكة المتحدة، وفي مطار براغ منع الغجر من الصعود إلى متن الطائرات. رغم أن المواطنين التشيكيين لا يحتاجون إلى تأشيرة سفر إلى المملكة المتحدة.
وفي سلوفاكيا: وخاصة في محيط بلدة «فجكي سفرتوك» السلافية غير بعيد من العاصمة براتيسلافا يرتفع جبل من النفايات يعيش حوله أكثر من ٤٠٠ غجري ولا أحد في الحكومة أو خارجها، يهتم بأمر إزالة هذا الجبل الذي يبث الروائح الكريهة وينشر الأوبئة والأمراض، ولا أحد من السكان يتعاطف مع الغجر بل إن الجميع يشكو منهم.. من عاداتهم وتقاليدهم وسلوكهم.
وفي سلوفاكيا أيضًا تبلغ نسبة العاطلين عن العمل 17% ولكنها ترتفع إلى أكثر من ٨٠٪ بين الغجر، وفي حين تنجب الأسرة السلوفاكية ابنًا أو اثنين، فإن عدد أفراد العائلة الغجرية لا يقل عن ستة في أحسن الأحوال.
وتبذل الحكومة السلوفاكية جهودًا كبيرة لتحسين ظروف عيش الغجر، وحثهم على الاندماج في المجتمع والتخلي عن عاداتهم والإقبال على العمل والاهتمام بأمورهم الصحية، وقد أنفقت في هذه السبيل مبالغ ضخمة جلها مقدم من الاتحاد الأوروبي نفسه، ولكن من دون طائل، ويبدو أن وقتًا طويلًا سوف يمضي قبل أن يستطيع الغرب الأوروبي تغيير صورة الغجر في أوروبا الشرقية.
موقف الفاتيكان
وفي ظل موجة الكراهية والعنصرية التي تمارس ضد الغجر في الدول الأوروبية لم يجد الفاتيكان بعد صمت دام طويلًا غير توجيه دعوة إلى الأوروبيين للتخلي عن الأفكار المسبقة التي تحكم تعاملهم مع الغجر، وحثهم على فهم أكبر للمجتمعات المهاجرة التي ظلت مضطهدة لعدة قرون.
وقالت دراسة قدمها المجلس البابوي للرعاية الأسقفية للشعوب المهاجرة والمتنقلة: إن الدول المعروفة كدول مسيحية تقليديًا اضطهدت الغجر في الماضي. وما زالت الأفكار المسبقة تحكم العلاقة معهم في أوروبا التي تواجه موجة جديدة من الغجر المهاجرين ودعا إلى أن تلعب الكنيسة دورًا في تضييق الهوة بينهم وبين الشعوب المحلية.
وقال التقرير إن نظرة الكثير إلى الغجر كغرباء ضارين ومتسولين حوّل العلاقة معهم إلى علاقة اضطهاد، بررت في أغلب الأحيان بأنها إجراء صحي.
وأشار التقرير إلى أن إحدى الطرق التي من شأنها القضاء على حالة الريبة التي ينظر بها الغجر إلى الأجانب، هي ضمان عيشهم في إطار القانون بتخليهم عن الأنشطة التي تنتج أرباحًا سهلة.. كما حث الكنيسة على بذل مزيد من الجهد لتنصيرهم فرغم أنهم شديدو التدين فإنهم يؤمنون بالخرافات وبالعرافة وينخرطون في الجماعات السرية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل