العنوان مواقف خالدة.. خالد بن الوليد
الكاتب بابكر العوض العبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 21-فبراير-1978
مشاهدات 111
نشر في العدد 387
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 21-فبراير-1978
الحلقة الثانية
مع قائد منتصر في كل وقائعه القائد الشجاع الحازم البصير بأمور الحرب القائد اليقظ المراقب لحركات العدو يترقب الفرص.. (خالد بن الوليد) مع مواقفه الخالدة: -
- حربه مع مسيلمة: -
أرسل أبو بكر خالد بن الوليد لقتال مسيلمة فلما بلغ مسيلمة دنو خالد عسكر بعقرباء بأربعين ألف مقاتل وقيل بستين ألفا فتقدم لقتال المسلمين وقام ابنه شرحبيل يحرض بني حنيفة على القتال وينفض يديه من نبوة أبيه قائلًا لهم: يا بني حنيفة اليوم يوم الغيرة قاتلوا عن أحسابكم وامنعوا نسائكم. فنشبت الحرب ودارت بينهم وبين المسلمين رحى الطعن والضرب وأشتد القتال ولم يلق المسلمون حربًا مثلها قط حتى نزعوا إلى الهزيمة وانكشفوا عن فسطاط خالد ثم تداعوا وأقتحم أهل النجدة منهم كزيد بن الخطاب وثابت بن قيس وغيرهما وحمل خالد بالناس حتى ردوا الأعداء إلى أبعد ما كانوا وأشتد القتال وتذامرت بنو حنيفة وتراموا على الموت وقاتلوا قتالًا شديدًا والمسلمون صامدون حتى قتل منهم زيد بن الخطاب وأبو حذيفة وسالم مولاه وأضرابهم.
-تغيير خطة خالد-
لما رأى خالد ما الناس فيه خشي من أن ينهزم إخلاط العرب فتختل صفوف المسلمين ويساق معهم أهل النجدة من الأنصار والمهاجرين فنادى في الناس: أن امتازوا أيها الناس لنعلم بلاء كل حي ونعلم من أين نؤتي فامتازوا ولما امتازوا قال بعضهم لبعض: اليوم يستحي من الفرار وحينئذ ظهر القتل من المهاجرين والأنصار وأهل القرى أكثر من البوادي وعلم خالد أن الحرب لا تركد إلا بقتل مسيلمة فطلبه للبراز فبرز إليه فعرض عليه أشياء فبينما هو يتظاهر بمشاورة شيطانه ركبه خالد فأنهزم أمامه فصاح خالد بالناس فركبوا القوم فانهزموا وقالوا لمسيلمة أين ما كنت تعدنا فقال قاتلوا عن أحسابكم ونادى مناديهم يا بني: حنيفة الحديقة فدخلوها واغلقوا عليهم بابها..
فجاء أحد أبطال المسلمين الأنجاد وهو البراء بن مالك وقال: يا معشر المسلمين ألقوني عليهم في الحديقة فاحتمل حتى أشرف على الجدار واقتحمها عليهم وقاتل على الباب حتى فتحه فدخلوها عليهم واقتتلوا أشد القتال ولم يرالوا كذلك حتى قتل مسيلمة وأشترك في قتله وحشي بن مطعم- قاتل حمزة القائل قتلت خير الناس وقتلت شر الناس ورجل من الأنصار ولما علم بقتله بنو حنيفة ولو الأدبار فأخذهم السيف من كل جانب.
2- في اليرموك:
عبأ خالد جيشه ووضع للهجوم والدفاع خطة جديدة ودعا النساء المسلمين ولأول مرة سلمهن السيوف وأمرهن بالوقوف وراء صفوف المسلمين من كل جانب وقال لهن- من يولي هاربًا فاقتلنه-.
وقبيل بدء القتال طلب قائدهم هامان أن يبرز إليه خالد وعندما برز إليه قال له: قد علمنا أنه لم يخرجكم من بلادكم إلا الجهد والجوع فأن شئتم أعطيت كل واحد منكم عشرة دنانير وكسوة وطعامًا وترجعون إلى بلادكم وفي العام القادم أرسل إليهم بمثلها.. فرد عليه خالد: أنه لم يخرجنا من بلادنا الجهد والجوع كما ذكرت ولكننا قوم نشرب الدماء وقال إنه لا دم أشهى ولا أطيب من دم الروم فجئنا لذلك.. فعاد خالد لجيشه ورفع اللواء مؤذنًا بالقتال وقال: - الله أكبر.. هبي رياح الجنة- ودار القتال ليس لضراوته نظير.
3- خطة فدائية:
عندما ثقلت وطأة الروم على المسلمين: أختار خالد مائة من فرسان المسلمين ينقضون على ميسرة الروم وعددها أربعون ألف جندي وخالد يصيح في المائة الذين معه: والذي نفسي بيده ما بقي مع الروم من الصبر والجلد إلا ما رأيتم وإني لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم- ثم كتب الله لهم النصر.
4- قائد رومي يسلم ويستشهد: -
لقد بهرت عبقرية خالد قواد الروم وأمراء جيشهم مما حمل أحدهم اسمه -جرجة- على أن يدعو خالد للبروز في إحدى فترات الراحة بين القتال فقال القائد الرومي لخالد: يا خالد أصدقني ولا تكذبني فأن الحر لا يكذب هل أنزل الله على نبيكم سيفًا من السماء فأعطاك إياه فلا تسله على أحد إلا هزمته؟.. قال خالد: لا.. قال: فيم سميت سيف الله؟.. قال خالد: أن الله بعث فينا رسوله فمنا من صدقه ومنا من كذبه وكنت فيمن كذب حتى أخذ الله قلوبنا إلى الإسلام وهدانا برسوله فبايعناه فدعا لي الرسول وقال لي: أنت سيف من سيوف الله- فهكذا سميت سيف الله وإلى الإسلام تدعون؟ قال خالد: إلى توحيد قال: هل لمن يدخل في الإسلام اليوم مثل ما لكم من المثوبة والأجر؟.. قال خالد: نعم وأفضل.. قال الرجل كيف وقد سبقتموه؟ قال خالد: لقد عشنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأينا آياته ومعجزاته وحق لمن رأى ما رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم في يسر: أما أنتم يا من لم تروه ولم تسمعوه ثم أمنتم بالغيب فأن أجركم أجزل وأكبر إذا صدقتم الله سرائركم ونواياكم. وصاح القائد الروماني وقد دفع جواده إلى ناحية خالد ووقف بجواره- علمني الإسلام يا خالد وأسلم وصلى لله ركعتين لم يصل سواهما فقد استأنف الجيشان القتال وقاتل جرجة الروماني في صفوف المسلمين مستميتا في طلب الشهادة حتى نالها وظفر بها.
5- في غزوة مؤتة مدينة على مرحلتين من بيت المقدس: -
سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل الحارث بن عمير بكتاب لأمير بصري من جهة هرقل وهو الحارث بن أبي شمر الغساني فلما نزل- مؤتة- عرض له شرحبيل بن عمر الغساني فقال: أين تريد؟ فقال: الشام، فقال: لعلك من رسل محمد، قال: نعم، فأمر به فاوثق رباطًا ثم قدمه فضرب عنقه ولم يقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم رسول غيره.
فأمر رسول الله عليه الصلاة والسلام مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه على ثلاثة ألاف وندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وقال: أن قتل زيد فالأمير جعفر بن أبي طالب فأن قتل فعبد الله بن رواحة وأن قتل فليرتض المسلمون رجلًا من بينهم يجعلونه عليهم أميرًا ثم وصى النبي أصحابه فقال: - أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيرًا اغزوا باسم الله في سبيل الله من كفر بالله لا تغدروا ولا تقتلوا وليدًا ولا كبيرًا ولا منعزلًا بصومعة ولا تقربوا نخلًا ولا تقطعوا شجرًا ولا تهدموا بناء، ثم مضى الجيش إلى غايته مزودًا بدعوات الرسول صلى الله عليه وسلم. ولما بلغ هدفه فوجئ المسلمون بتجمعات للروم لم يحسبوا حسابها بلغهم أن هرقل نزل بالبلقاء في مائتي ألف من الروم مع ما أنضم إليهم من مشركي العرب يبلغون خمسين ألفًا وفي رواية مائة ألف. وفي هذا دليل على فرط شجاعة الصحابة وقوة قلوبهم وتوكلهم على ربهم وعدم مبالاتهم بأنفسهم لأنهم باعوها لله. إذ أقدم ثلاثة ألاف على أكثر من مائتي ألف أصحاب حروب وشده وهذا إنما هو لما وقر في قلوبهم واطمأنت إليه نفوسهم من الثقة بالله الذي قال ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (سورة غافر: 51). ثم التقى الجمعان وأصطدم الفريقان فثبت المسلمون ولم يتزحزحوا ولم يفروا فأخذ اللواء زيد وقاتل المسلمون معه على صفوفهم حتى قتل طعنًا بالرماح ثم أخذ اللواء جعفر وقاتل بيسراه حتى قطعت ثم احتضنه واللواء بيمناه حتى قطعت فحمله بين عضديه حتى قتل صابرًا محتسبًا فتولى من بعده عبد الله بن رواحة حتى استشهد أيضًا والجند يقاتلون دون رهبة أو وجل ولم يفت من عضدهم هذا التفاوت العددي الهائل بينهم وبين الروم. واتفق المسلمون على تولية خالد وهنا تجلت خبرته العسكرية وروحه النضالية: وفي الصحيح: ثم أخذ الراية خالد بن الوليد نعم عبد الله وأخو العشيرة وسيف من سيوف الله سله الله على الكفار والمنافقين ففتح الله عليهم وانكشف الناس فكانت الهزيمة.
الخطة الناجحة:
عندما أصبح خالد قائدًا جعل مقدمة جيشه ساقه وميمنته ميسره وقاتلهم قتالًا شديدًا فقتل منهم مقتله عظيمة وانقطع في يد خالد يومئذ تسعة أسياف حتى ما بقي في يده إلا صفيحة يمانية فأنكر العدو حالهم وقالوا جاءهم مدد فرعبوا وانكشفوا منهزمين وغنم المسلمون أكثر ما كان معهم. وكان جملة من كان قتل من المسلمين أثنى عشر رجلًا. وهذا من عناية الله بالإسلام وأهله ومزيد أعزازه ونصره لهم إذ جيش عدته ثلاثة ألاف يلقون أكثر من مائتي ألف فلا يقتل منهم إلا أثنى عشر رجلًا مع أنهم اقتتلوا مع المشركين سبعة أيام. وما قتل من المشركين فلا يحصون فكانت هذه السرية والتي سماها البخاري غزوة لكثرة ما فيها من المسلمين- من أعظم معجزاته صلى الله عليه وسلم الباهرة التي أكرم الله بها أصحابه رضوان الله عليهم..
6- خالد في العراق: -
لما أراد أبو بكر الصديق غزو العراق ندب خالد- وأيهما بلغ بن غنم فوجه خالد إلى- الأبلة- وعياض إلى المصيخ وأيهما بلغ الحيرة قبل صاحبه كان هو قائد الجيشين معًا ووجبت على زميله طاعته سار خالد إلى العراق وأتم سنة كاملة خاض فيها خمس عشرة معركة مع الفرس فما خسر واحدة أو انهزم فيها وأبدى خلالها من ضروب القيادة الناجحة والعسكرية الفذة ما يبلغ حد الخيال.
7- ذات السلاسل: -
كتب خالد إلى قائد الفرس- هرمز يخيره بين الإسلام أو الجزية أو الحرب ومما قاله في كتابه- جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة ولكن هرمز رفض الكتاب وطلب خالد للمبارزة قبل التحام الجيشين وأراد أن يغدر به حين يخرج منفردًا بين الصفين فوكل من ينقضون عليه وهو مشغول بمبارزته فيراع الجيش يموت قائده ثم يطبق الجيش على المسلمين وما هي إلا جوله حتى كان مضرجًا بدمائه فأسرع أصحابه يريدون البطش بخالد ولكن القعقاع بن عمرو فوت عليهم عزمهم وانقض بجيش المسلمين على الفرس يعملون فيهم السيف فإذا بهم كالقطيع المذعور في انتشاره وتشتته وتم النصر للمسلمين.
8- فتح دمشق: -
روى الطبري أن خالد لما كان مع أبي عبيده على حصار دمشق ترك الأعداء ليلة مواقفهم على الأسوار لوليمة أعدها لهم البطريق فلم يعلم بذلك أحد من المسلمين إلا خالد بن الوليد فأنه كان لا ينام ولا ينيم ولما وقف على جلية الأمر تقدم بنفسه مع نفر من ثقاة أصحابه على السور وصعد إلى أعلاه بالسلاليم وكبر فكبر أصحابه واقتحموا الباب ففتحه لهم وكان النصر
ومن هذا التيقظ نعلم سر توفيقه في الحروب وانتصاره على الأعداء.
وفاته: -
توفى بحمص سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر وعندما حضرته الوفاة قال: (لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنه وها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء وما من عمل أرجى لي من (لا إله إلا الله وأنا مترس بها) رضى الله عنه وأرضاه وجعل الجنة مثواه...
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل