العنوان عبدالرحمن الحَجِّي.. سيرة ومسيرة(*) (1 من 2)
الكاتب د. أحمد عبدالرحمن
تاريخ النشر السبت 01-يناير-2022
مشاهدات 120
نشر في عدد 2163
نشر في الصفحة 44
السبت 01-يناير-2022
تراجم
أول من حَمَلَ شهادة الدكتوراه في مدينته المقدادية وكذلك في التاريخ الأندلسي بالعراق
كان يعيش هموم المورسكيين ومعاناتهم مع محاكم التفتيش غارقاً في أفكاره ليبدأ سيل دموعه
كان التاريخ الأندلسي قبله مادة خاماً لا يحسن استخدام مصادرها ومخطوطاتها إلا من تَبَحَّر فيها
«التاريخ الأندلسي» أظهر جرأة لم تكن شائعة بمواجهة أعتى الشبهات التي لُصِقَت بتاريخنا زوراً
جرأته جلبت له الكثير من المتاعب التي أجبرته على حمل حقيبته من مكان لآخر
لطالما تمنّى إطلاق مركز بحثي للتاريخ الإسلامي والأندلسي لكن حالت دون تحقيقه المُكنةُ المادية
أحمد عبدالرحمن الحَجِّي
أستاذ العلوم المالية المشارك بجامعة كيبيك بمونتريال– كندا
رغم الفرح الذي يعتريني حين أكتب عن والدي، رحمه الله تعالى، فإني كثيراً ما أتردد بادئ الأمر، مرد هذا التردد هو تَهَيُّبي من كتابة مقال عنه يحمل توقيعي، أحس في ذلك شيئاً من الجَرْأة في السماح بأن يقترن اسمي المتواضع باسمه الكبير، لكنني في الوقت نفسه أحبُّ هذه المهمة، ثم لا يسعني إلا الإسراع في أخذ قلمي والشروع في الكتابة حين أتَخَّيل والدي، رحمه الله تعالى، يقرأ ما أكتب مبتسماً؛ بل يذهب خيالي إلى أبعد من ذلك، أتَخَّيل دموعه تتساقط فرحاً بما يقرأ، إذ كان لا يتمالك نفسه في مثل هذه المواقف التي يسمع فيها كلمات تحمل في طياتها شيئاً من الوفاء، حتى إنه كثيراً ما كان يستعير بيتاً من الشعر في التعبير عن قرب الدموع منه، كأن هذا البيت الشعري نُظِمَ خِصِّيصاً ليصف تساقط دموعه، من عينه اليمنى ابتداءً لتَنْضَم لها اليسرى سريعاً:
بكت عيني اليمنى فلما زجرتها ***عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
د. عبدالرحمن الحَجِّي والأندلس صنوان، ولقد استحقَّ بجدارة ما أُطلق عليه من ألقاب عديدة بُعَيد وفاته: فارس الأندلس، وعاشق الأندلس، وشيخ المؤرِّخِين الأندلسيين، لقد أحَبَّ الوالد د. عبدالرحمن الحَجَّي، رحمه الله تعالى، التاريخ الإسلامي أيما حب، وبالأخص الأندلسي منه، وعشق الأندلس عشقاً حقيقياً، كان يتنفس الأندلس، ويعيش هموم أسلافه المورسكيين ومعاناتهم مع محاكم التفتيش، كثيراً ما كنا نراه غارقاً في أفكاره، ليبدأ سيل دموعه بالنزول، وحين نستقصي نعرف أنه يتذكر مشاهد المورسكيين وهم يُحْرَقون أمام السلطات الكنسية في أحفالها «الإيمانية»، قابضين على دينهم يورِّثونه جيلاً بعد جيل وهم تحت وطأة محاكم التفتيش الغاشمة.
لَكَم كان يسوؤه مَن يسْتَخِف بآلام المورسكيين وجهادهم ومصابرتهم، بل يلومهم ويتخذ من قضيتهم مثالاً على من أضاع دينه ودياره باللهو واللعب والرقص! وكثيراً ما يأتي هذا الاستخفاف واللوم ممّن لا يكاد يكون قد قرأ عن الأندلس غير مطالعة سريعة، أشْعُر أن رحيل الوالد زاد القضية المورسكية يُتْماً في هذه الأيام، نسأل الله أن يعوضها بمن يسير على هذا الدرب ويرفع لواء هذه القضية الإنسانية العادلة.
جاء حُبُّه هذا للأندلس طبيعياً دون تكلّف؛ إذ هو يشعر حقيقةً أنه من رفقة وصحبة ابن حيان، وابن حزم الأندلسي، ويحيى بن حكم الغزال، قذف به الزمان في العراق، لكنه عاد أدراجه إلى الأندلس «أرض الآباء والأجداد» -كما كان يسمّيها- وشاء الله أن يُدْفَنَ فيها؛ في مَجْريطها (مدريد)، التي يحلو له تلقيبها بـ«العاصمة الأوروبية التي بناها المسلمون»، لعله كان خلال رحلة «العودة» تلك إلى الأندلس يَتَقَفَّى خُطى العديد من أسلافه المَشارقة الذين وفدوا الأندلس، ولا سيما البغدادي أبو علي القالي الذي قدم إلى الأندلس واستقر فيها حتى وفاته، رحمه الله تعالى، هكذا كان يتلمس الإسلام وأثره في كل حركة أو وقفة له في إسبانيا حتى آخر يومٍ له.
الانطلاقة العلمية
دفعه هذا العشق المتدفق أن ينطلق من حقول الفلاحة في المقدادية بمحافظة ديالى بالعراق في خمسينيات القرن الميلادي الماضي، متوكلاً على الله بمُكنَته البسيطة، حاملاً بساط نومه في حقيبة سفره، لتستقر به الحال لدراسة الدكتوراه في أرقى جامعة عالمية «كامبريدج»، التي قضى فيها شتاءه الأول بمعطف صيفي، ولكن كان ذلك بالتأكيد بعد أن مَرَّ بمحبوبته الأندلس، فكان أول لقاء جمعهما عام 1959م، لم تسأم مشاعر ذلك اللقاء من جلب السعادة له حتى أواخر أيامه، والإعجاب والفضول لنا حتى اليوم.
وكان نتاج هذه الرحلة باهراً والحمد لله: أطروحة أنيقة راقية في موضوعٍ غاية في التَخَصُّص والتعقيد هو «العلاقات الدبلوماسية الأندلسية مع أوروبا الغربية خلال المدة الأموية»، دراسة عميقة استُمِدَّت من مصادر باثنتي عشرة لغة، قال فيها مشرف البحث في جامعة كامبريدج «د. جون هوبكنز»: «إنه لو أتى أي باحث ولو بعد مائة عام، فإنه لن يضيف للبحث في هذا الموضوع حرفاً واحداً».
ويُذْكَرُ أن الوالد هو أول من حَمَلَ شهادة الدكتوراه في مدينته المقدادية، وذلك وفق ما ذكره أحد أهالي المقدادية لنا مؤخراً، كما ذُكِرَ أنه أول من حمل دكتوراه في التاريخ الأندلسي بالعراق.
مما ذكره لنا الوالد قصة طريفة حصلت له مع أ. محمد عبدالله عِنان، مؤرخ الأندلس المعروف، رحمه الله تعالى، وكنتُ قد وَثَّقتُ هذه القصة في فيديو مع والدي نُشِرَ في «يوتيوب» قبيل وفاته، بعنوان «حكايتي مع الأستاذ محمد عبدالله عنان»، وتعود هذه القصة إلى أيام تلمذة الوالد في جامعة كامبريدج في ستينيات القرن الميلادي الماضي، أخذ خلال تلك الفترة تفرُّغاً علمياً للبحث عن المخطوطات ذات العلاقة، وأنفق جزءاً من هذا التفرُّغ العلمي في القاهرة، وهناك في القاهرة حصل على عنوان أ. عنان، وكتب له رسالة يطلب منه فيها ما تَوَفَّر لديه من كتاب المقتبس لابن حيان، وكان يومها مخطوطاً، ظُنَّ أنه قد فُقِد.
وبعد فترة من الانتظار، جاء جواب عِنان بالاعتذار عن عدم تلبية الطلب كونه مشغولاً، وبسبب كثرة ما يستقبل من طلبات مشابهة، فعاود الوالد الكتابة، لا لتكرار الطلب وإنمَّا للعتاب عليه! فجاء جوابه الثاني مغايراً، يحمل الكثير من الرقة والاستجابة، فزَوَّده بما سأل عنه ونقل له بعض النصوص ذات العلاقة، ثم كان لقاء بينهما في القاهرة وقد قَدَّمَ الوالد الشكر الواجب للأستاذ عنان، ثم تكررت اللقاءات بينهما في محافل علمية عديدة في إسبانيا والمغرب وتوثَّقَت العلاقة بينهما كثيراً، وتثميناً لتلك الجهود، أشاد والدي بمساهمة أ. عنان تلك وذكرها في أطروحة الدكتوراه التي طُبِعَت كتاباً بالإنجليزية ثم العربية.
تحمل هذه القصة في طياتها بعض العبر وتدعو لكثير من الإعجاب؛ أن يُقْدم شخص مثل والدي آنذاك -وهو في مقتبل طلب العلم- على التواصل مع أحد أعمدة مجال بحثه في التاريخ الأندلسي، لا بل على مناقشته بجدية علمية صادقة عُرِفَ بها الوالد دائماً؛ فكانت طابعاً له حتى آخر عمره، وأظن أن هذا الانطباع تَشكَّل لدى أ. عنان كذلك، وهو ما دعاه لتغيير نبرة رَدِّه بعدما لمس جدية الوالد في خطابه له وعُمْق البحث الذي كان يعمل عليه خلال دراسة الدكتوراه (العلاقات الدبلوماسية الأندلسية).
والحقيقة أن والدي كذلك كان يحمل للأستاذ عنان الكثير من الاحترام والتقدير لجهوده العلمية الأصيلة، وكثيراً ما كان يصف كتابه «دولة الإسلام في الأندلس» بأنه موسوعة التاريخ الأندلسي.>
(*) حساب د. عبدالرحمن الحَجِّي في «تويتر» و«فيسبوك» تحت مُعَرِّف: aaelhajji، وفي «يوتيوب»: abdulrahmanelhajji. يتزامن نشر هذا المقال في مجلة «المجتمع» مع دعوة تلقيتُها من مجلة «روى» الثقافية العراقية لكتابة مقال عن الوالد، رحمه الله تعالى، في عددٍ خاص من مجلتهم خُصِّصَ لسيرة الراحل وللتاريخ الأندلسي، فحمل المقال الذي يُعَدُّ للنشر في مجلة «روى» نفس هذا العنوان «عبدالرحمن الحَجِّي.. سيرة ومسيرة»، إلا أن هذا المقال مَزيد ومُعَدَّل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل