; بيعة العقبة وحركة الدعوة الحلقة الخامسة | مجلة المجتمع

العنوان بيعة العقبة وحركة الدعوة الحلقة الخامسة

الكاتب محمد حسن بريغش

تاريخ النشر الثلاثاء 22-مارس-1977

مشاهدات 140

نشر في العدد 342

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 22-مارس-1977

انتهت أمور البيعة في العقبة التي اشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم له ولربه ما يريد، ثم قال: «أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم. فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا؛ تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس». وهؤلاء النقباء هم الذين اختارهم أصحابهم من المسلمين الأنصار -ليكونوا مسئولين عنهم- يبلغونهم ما يهمهم، ويرعونهم ويوجهونهم إلى كل خير حسبما تقتضيه أمور الدعوة. لقد كان في هذا الاختيار توجيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحديد المسئوليات لضبط الأمور، وتنظيم الجماعة لسير الدعوة، واختيار الأكفاء لحمل الأمانة. الدعوة قائمة ما قامت السماوات والأرض، والجاهلية عدوة الدعوة في كل زمان ومكان، ولن تسكت عن دعوة الحق وجند الحق، ولهذا لن تنجح دعوة الله إذا قامت على فوضى، أو اعتمدت على خطبة أو وعظ أو إعلان. إنها بحاجة إلى تخطيط وتنظيم.. بحاجة إلى إعداد ومسئوليات تواجه المجتمع مواجهة المسئول الأمين، وتعالج الجاهلية معالجة جادة، فتجر المخلصين إلى طريق الحق ولا تبالي بالجاحدين المستكبرين.

والرسول عليه الصلاة والسلام كان يعلم أن الدعوة بثقلها ستنتقل إلى المدينة، وأن لهذه البيعة من الآثار البعيدة ما يدفع بالجاهلية من مشركين ويهود إلى محاربتها والكيد لها، لذلك لا بد من إعداد العدة والمدينة -اليوم- مجتمع الإسلام، ولا بد أن يكون لهذا المجتمع تنظيم ولو عاش وسط الجاهلية.

لذلك طلب اختيار النقباء، وفي هذا الاختيار وضع الأساس التنظيمي للمجتمع الجديد والدعوة في المدينة، فكان النقباء مسئولين عن إخوانهم؛ ممثلين لهم، راعين لشئونهم، وموجهين مبلغين لهم أيضًا، فأمر الدعوة أمر نظام وتخطيط وإعداد وأمانة؛ لا أمر فوضى وتواكل وعشوائية.

ثم نرى أن رسول الله يتوجه إلى النفر المؤمنين من الأنصار ليطلب منهم اختيار النقباء؛ لأنه يثق بهؤلاء الذين اجتازوا التجربة ونجحوا في الامتحان فأتوا مبايعين، أيقظهم حب الحق والإيمان، ودعاهم خوف الله لأن يأتوا من المدينة ويتواعدوا للقاء مع رسول لله، ويتحملوا المشقات والمخاطر، لهذا أصبح إيمانهم إيمانًا مثمرًا، وعقيدتهم عقيدة ناضجة، لا يخشى عليهم من الانحراف أو الانقلاب، لذلك فهم أدرى بأنفسهم، وعليهم أن يشعروا بمسئوليتهم أمام الله، فيختارون من يرونه أهلًا ليكون نقيبًا عليهم، وهكذا اختاروا هؤلاء النقباء من بينهم.

المشهد مشهد بيعة لله، مشهد إیمان صادق، مشهد جهاد مخلص، ولا مكان هنا للتظاهر أو التخفي، لذلك سيكون الأفضل والأقدر هو المختار من بينهم؛ لأنهم مؤمنون يصدقون مع الله، ولا يحابون أحدًا ولا يطمعون بغير مرضاته عز وجل، وهذا ما كان.

أما هذه البيعة فقد سميت ببيعة الحرب؛ يقول أحدهم: «وكان في بيعة الحرب حين أذن الله لرسوله في القتال شروط سوى شرطه عليهم في العقبة الأولى، كانت الأولى على بيعة النساء، وذلك أن الله تعالى لم يكن أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم في الحرب، فلما أذن الله له فيها وبايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة الأخيرة على حرب الأحمر والأسود، أخذ لنفسه واشترط على القوم لربه، وجعل لهم على الوفاء بذلك الجنة».

وعن عبادة بن الصامت -وكان أحد النقباء- قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الحرب، وكان عبادة من الاثني عشر الذين بايعوه في العقبة الأولى على بيعة النساء: على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم.

فهذه البيعة كانت واضحة كغيرها؛ بيعة الجهاد الدائم.. بيعة الحرب؛ حرب الجاهلية كلها من أجل الفوز بمرضاة الله.

لم يكن المطمح دولة تقام ومناصب يتوازعها المبايعون، ومهام يتولاها المعاهدون.. لا، وأمر الإيمان غير هذا؛ أمر الإيمان قائم أساسًا على الإيمان بالله الخالق العظيم، له حق العبادة والطاعة المطلقة علينا، ولهذا فنحن مسئولون عن كل صغيرة وكبيرة وسنسأل عنها. لقد استخلفنا في الأرض وخلقنا للعبادة بمعناها الواسع، وعلينا أن نقوم بما خلقنا من أجله لكي نفوز عنده بالرحمة والرضوان؛ لأن حياة الأرض اختبار وامتحان يفوز فيه الطائعون المؤمنون فيستحقون مرضاة الله وجنته؛ ويخسر فيه العاصون والكافرون فيستحقون سخط الله وعذابه.

إن المؤمن الصادق يعرف أن وقفة الحساب يوم الدين تبلغ من سنوات الأرض خمسين ألف سنة، ولهذا لا يبيع آخرته بدنياه، ولا يفضل نعيم الدنيا القصيرة الزائلة على نعيم الآخرة الخالد، ولهذا يرتجف المؤمن خاشعًا بين يدي ربه لأنه يدرك العظمة الحقيقية للخالق، والحقيقة الواضحة للإنسان الضعيف البسيط على هذه الأرض، فلا يضل ولا يشقى.

هؤلاء هم الأنصار ينسلخون عن مجتمعهم، ويخرجون من بين قومهم ولا يخافون عذاب الدنيا طمعًا بمرضاة الله عز وجل. نعم هؤلاء كانوا يدركون ضخامة المسئولية التي أنيطت بهم، وجاءوا وهم يعلمون ما سيلقونه في هذا الأمر، ولكن لا خيار لهم.

هل للإنسان رب غير الله؟

أستغفرك ربي وأتوب إليك! لذلك فالإنسان العاقل من يلتزم الحق ليفوز إذا كان يؤمن بالله، ولينظر الناس هل هم مؤمنون حقًّا أم لا؟

يذهب أحدنا إلى الطبيب وهو مؤمن بأنه يعرف أكثر منه عن أمور المرض والصحة، فيعالج مرضه فإذا به يأمر المريض بأن يمتنع عن أكل يحبه وأن يأكل شيئًا يعافه، ويشرب دواء مرًّا، ويتناول شيئًا مؤلمًا؛ فيستسلم المريض وينصاع لأمر الطبيب لإيمانه بعلم الطبيب ومعرفته، فهل يبلغ إيماننا بالله هذا الشيء؟! أستغفر الله العظيم.

حقًّا إن إيماننا يبلغ أحيانًا من الوهن والضعف ما يجعلنا ننسى الله سبحانه وتعالى وننسى أننا محاسبون إذا كنا نؤمن بالله الخالق القادر العليم البصير، من له تلك الصفات العلى، فلا مجال لأن نتردد في طاعة أو واجب، ولا مجال لأن نخاف من محنة أو عذاب، لأن الخوف الحقيقي من الله عز وجل، واليوم عنده كألف سنة من أيامنا، أو الخمسين ألف سنة، فهل تبلغ أعمارنا مهما طالت يومًا عند الله؟

أيها المسلمون، لنعد إلى الإيمان الحقيقي، إلى التعقل الصحيح، وعندها نلتزم طريق الدعوة الشائك، لا نخاف البطش، ولا تستهوينا القطوف العاجلة، ولا يخدعنا السراب، ولا نحابي أحدًا على الحق. هؤلاء الأنصار يعلمون ما يبايعون عليه، لذلك قال لهم العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري أخو بني سالم بن عوف -وهو أحد المبايعين- لإخوانه: «يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم. قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلًا، أسلمتموه فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة.

قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: الجنة. قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه».

هكذا الأمر واضح وبسيط.. هكذا أمر الدعوة واضح وبسيط، ولينظر الدعاة إلى الله في أمر أنفسهم، وليراجعوا حسابهم، وليرجع من وقع في الوهم إلى الله، ولا يستغرب أحد ما تفعله الجاهليات بدعاة الإسلام؛ لأن الأمر أمر الله، ولن يصدق الدعاة إن لم يصبروا على ذلك، ويثبتوا على الطريقة.

أما من أتعبته النكبات، وهدته المصائب، وأخافته التجربة القاسية وأثرت على أعصابه دعاوى الجاهليات وتبجحها، فلينظر أمر الله، وليعد إلى الله بصدق، ولينظر هل يصلح أمر الإيمان مع الضعف أو التردد أو التهاون.

إن المؤمن يحتسب ما يلقاه عند الله، ورسول الله لم يعط الأنصار وعدًا بنصر، ولا وعدًا بمنصب ولا أمانًا من المحن؛ وإنما أعطاهم وعدًا بالجنة إن صدقوا، والمؤمنون الصادقون يعرفون قيمة ذلك؛ يعرفون معنى الجنة، ويدركون ويؤمنون بأن هذا حق.. أقرب إليهم من أنفسهم، لذلك يقبلون وهم الرابحون.

فلماذا يلتمس الناس أعذارًا، لماذا ينقض الناس ما صنعوا وقدموا؟! ولماذا يتراجعون عما التزموا به؟!

غريب أن يترك مسلم أمر دعوته، أو ينفق ساعاته واهتمامه في التماس معان بعيدة عن الإسلام ليرضي هذا أو ذاك، أو ليتجنب محنة ويهرب من الجاهلية، أو ليجد مبررات وتسويات ومصالحات! أو لم يعلم هؤلاء أن الجاهلية ستطارد المؤمنين ولن ترضى عنهم حتى يعودوا إلى أحضانها كافرين، والقرآن يؤيد هذا ويؤكده في كثير من الآيات.

ولن يتخلص المؤمن من الجاهلية إلا بالجهاد.. الجهاد المخلص: بالكلمة الطيبة والدعوة الصادقة، والإخلاص لله، وهذا طريق الإيمان. وهذه بيعة العقبة واضحة على حرب الناس كلهم، والصبر على المكاره كلها، والجزاء هو الجنة. وصدقوا العهد مع الله فأعطاهم الله ثواب الدنيا والآخرة، سقط منهم شهداء ففازوا، وضحى آخرون بما لديهم ففازوا، ولم يخسر إلا المشركون والمنافقون.

هكذا كان طريق البيعة.. طريق الدعوة.. طريق الإسلام؛ لإقامة مجتمع الإسلام ودولة الإسلام، {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز(الحج: 40).

الرابط المختصر :