; ظاهرة تجريح العلماء والدعاة في حقل الدعوة | مجلة المجتمع

العنوان ظاهرة تجريح العلماء والدعاة في حقل الدعوة

الكاتب عبد السلام الهراس

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-1995

مشاهدات 69

نشر في العدد 1147

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 25-أبريل-1995

* على من يتصدر للتقويم أن يتصف بالعلم والتقوى والحكمة وحسن الأدب والخلق القويم

حقًّا إنها ظاهرة، وظاهرة شنيعة ومعيبة وخطيرة، وخطورتها أنها لا تزيد مع الأيام إلا استفحالًا وتفاحشًا، مما يوقع الدعوة الإسلامية في مأزق وأزمات متوالية ومتوالدة، وتضاعف أمام طريقها معوقات ومثبطات ومحولات، وأعني بالمحولات تلك الأعمال والأقوال والمواقف التي تشغل الدعوة عن مقاصدها وتدفع بها بعيدًا عن أهدافها، وترغمها على سلوك بنيات الطريق (أي: الترهات) ومتاهاتها، فكانت النتائج دائمًا وخيمة والأضرار فادحة.

ومن أبرز أعراض هذه الظاهرة:

1.      انتشار توالد المِلَل والفِرَق والتيارات داخل الصف الواحد بما يحدثه التجريح من خلافات داخلية، فيكثر الزعماء والقادة، ولكل واحد جماعته و«ثلته»، والقابلية للتشتت والتمزق لأوهى الأسباب.

2.      ارتداد التجريح على أصحابه المتزعمين له، وينالهم ذلك من أقرب الناس -كانوا- إليهم؛ إذ هم تربيتهم ونشأتهم، ومن ثار لك ثار عليك.

3.      انتهاك أعراض المسلمين والاستهانة بكرامتهم والولوع بأكل لحومهم.

4.      فقدان الثقة بالقيادة، وتطرق الشك في جل العلماء والمصلحين والدعاة السابقين، ولا يسلم من ذلك العلماء الذين كانوا بالأمس أسوة وقدوة لهم ومصادر لعلمهم.

5.      شعور البعض بالإحباط والرغبة في الانزواء والانطواء على الذات.

6.      التملق للعوام وأنصاف المتعلمين وإعطاؤهم مكان الصدارة والاستكثار من عنصر [المُحْبَوبِطين] (الجهول السريع الغضب)، وتشجيعهم على التطاول والجرأة على من هم أعلى مقامًا منهم في العلم والفضل والدعوة والجهاد.

7.      الاهتمام بجزئيات محدودة معدودة وتضخيمها عن القضايا الهامة.

8.      حدوث ردود أفعال غاضبة متبادلة بين هذه الجهة وتلك ونزولها وإنزالها إلى أوساط العوام والسوقة، الذين تستهويهم المعارك والفتن الداخلية ويتقنون إنعاشها.

9.      تطاول العوام وأشباههم وغرورهم، وذلك بهجومهم على قضايا قيادية تفصل بالعلم والفكر والإدارة.

10.  التنافس على الزعامة والظهور والتسلق للقيادة قبل الأوان والنضج والكفاءة، والصراع من أجل ذلك بما اتفق من الوسائل الموصلة، وركوب الموجات المتاحة بالثلْب والانتقاص من «الخصوم».

11.  ضياع كثير من الجهد والمال والوقت فيما ضرره محقق مع فوات كثير من الفرص.

12.  وهناك أعراض أخرى تجتمع كلها حول تمزيق شمل المسلمين، وتفتيت وحدة الجماعات، وإفساد كثير من الخلايا في جسم الأمة وكيانها مما يعوق نهضتها، ويعرضها للخيبات والإخفاق وتأجيل أيام انتصارها، ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 46).

أسباب الظاهرة

وأهم أسباب ذلك:

1.      غياب العلماء القدوة المتوفرين على الشروط المطلوبة في العالم.

2.      اضطراب التربية في الأسرة، وسوء التوجيه، وقصور مناهج التكوين والإعداد داخل الجماعة والمجتمع، والغفلة عن التنبيه للخلل الذي يعتريها، فتنشأ نماذج ينقصها العلم والأدب أو أحدهما فتضيق بالحوار العلمي الهادئ، وترفض النصح، وتفقد خلق الصبر والأناة والحكمة في معالجة الأمور وتقديرها بما يتناسب.

3.      قصور في المخططات الإستراتيجية، وتحديد التصورات السليمة للمقاصد والأهداف حسب سلم الأولويات، والخلط في الوسائل والإجراءات وأساليب التنفيذ والتطبيق.

4.      سوء استخدام العنصر المادي والمالي في الدعوة، وإتاحة الفرصة ليكون له وزن كبير مؤثر في التوجيه والإشارة مع تأخير أهل الرأي والعلم والفقه والخبرة والاختصاص، وقد كان ولا يزال الاعتماد على المال لاستمالة الناس وتكثير السواد العددي والتحزب لهذه الجهة أو تلك من الآفات الكبرى التي جنت على الدعوة وتسببت في كثير من المشاكل والمعارك.

5.      غياب الرقابة والدراسة والبحث العلمي والإعلام الراشد والمتابعة الحكيمة، وتوزيع الاختصاصات، والحزم في الإدارة والتسيير والشعور بالمسؤولية، وعدم الاكتراث بالحساب يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين ليرى كل واحد عمله ويقرأ كتابه.

6.      غلبة الأهواء والشهوات التي تنصاع للانتماء القبلي أو العائلي أو الوطني وفساد بعض الأمزجة، وقلة الوعي بالمصلحة العليا والعامة للأمة.

الموازين والضوابط في التقييم

أما أهم الموازين والضوابط الشرعية في الحكم على الأشخاص والهيئات فأهمها:

العلم والعدل

ذلك أن أساس هذا الدين العلم، وغايته العدل، يقول تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9)، ويقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36).

والعلم المطلوب هو التفقه في الدين، والعلم بالموضوع المتناول، ولست في حاجة إلى كلام عن أهمية العلم في الإسلام، ويكفي القول: إن الإسلام فرض العلم والعمل به وتبليغه إلى الناس كافة.

كما أن العدل غاية الإسلام، والمسلم مأمور بالعدل في كل الأحوال، وبالنسبة للجميع، يقول ابن تيمية -رحمه الله: «ومعلوم أنا إذا تكلمنا فيمن هو دون الصحابة مثل الملوك المختلفين على الملك والعلماء المشايخ المختلفين في العلم والدين؛ وجب أن يكون الكلام بعلم وعَدْل لا بجهل وظلم، فإن العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال، والظلمُ محرم مطلقًا لا يباح قَطْ، قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: 8)، وهذه الآية نزلت بسبب بغضهم للكفار وهو بغض مأمور به، فإذا كان البغض الذي أمر الله به قد نهى صاحبه أن يظلم من أبغضه، فكيف في بغض مسلم بتأويل وشبهة أو بهوى نفسه؟ فهو أحق ألا يظلم بل يعدل» (منهاج السنة- 5 / 126-127).

والعدل مما اتفق أهل الأرض على مدحه ومحبته والثناء على أهله ومحبتهم، والظلم مما اتفقوا على بغضه وذمه وتقبيحه، والمقصود أن الحكم بالعدل واجب مطلقًا في كل زمان ومكان على كل أحد ولكل أحد، وإذا حكم بعلم وعدل فإذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» (نفسه، ص: 132، وانظر (إعلام الموقعين- 3 / 3).

والعدل يقتضي الفقه في الأمر، والعلم به، والتجرد من الهوى، والتخلص من الشهوات والنزوات، وهو ما يطلق عليه في هذا العصر بالموضوعية، وقد عبّر أسلافنا عن ذلك كثيرًا خلال كتاباتهم وأقوالهم، يقول أحدهم في مقدمة تأليفه:

«والتزمت في تأليفي أمرين: أحدهما: ألا أميل فيه إلا مع الحق، ولا أنطق فيه إلا بالعدل، وأعزل سلطان الهوى، وأخرج من حكم المنشأ والمربى وأفرض نفسي غريبًا منهم وأجنبيًّا بينهم» («الفخري»، ص: 11).

صفات الحكم

وهناك أمور أخرى يجب أن تتوفر في المسلم المتصدي للحكم والتقويم، وهي: التقوى، والحكمة، وحسن الأدب، والخلق، فأما «التقوى» فتمنع المؤمن من الشطط، والتأثر بالهوى، والانصياع للغريزة والنزوات، ويتورع بها المؤمن عن أعراض الناس، لذلك كانت خير الزاد: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (البقرة: 197). وكان الأتقى لله هو الأكرم عند الله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13).

أما «الحكمة» هنا، فالمراد بها أن يكون المرء العالم العادل المتقي ذا وعي وبصيرة وإدراك لما قد يترتب على حكمه وتقويمه من آثار ونتائج، فلا يقول ولا يكتب ولا يعلن الحكم أو الرأي إلا في الوقت المناسب، بالأسلوب المناسب، في الوسط المناسب؛ لأنه محاط بدول الكيد ومنظمات المكر وأجهزة التآمر ومؤسسات الدس والإيقاع وحبك السيناريوهات للفتن والكوارث الاجتماعية والسياسية؛ لهذا يجب ألا يقع المسلم في الفخ الذي وقع فيه الكثير ممن أرادوا الحق وراموا الإصلاح لكن في وقت غير مناسب، وبأسلوب غير مناسب، وفي وسط غير مناسب، فسارع الأعداء للإفادة من ذلك أيما إفادة واستثمروه ببراعة، فلبسوا الحق وموّهوا الصواب بالخطأ، وجعلوا ما نُشر من الحق وصدر من العدل دون حكمة ووعي مطيّة لمؤامراتهم ودسهم ومكرهم.

أما حسن الأدب وجميل الخلق، فهو ضروري ضرورة العلم والعدل والحكمة في علاقة المرء بمحيطه الإسلامي من موافق أو مخالف.

ويكفي أن الله مدح رسوله بالخلق العظيم فقال تعالى: ﴿وإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4)، وكانت رسالته صلى الله عليه وسلم لغاية تتميم مكارم الأخلاق: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وقال صلى الله عليه وسلم: «أدبني ربي فأحسن تأديبي»، وغياب حسن الأدب ومكارم الأخلاق عن ساحة العلاقات بين الإخوة المسلمين كان وراء كثير من الكوارث من خصام وصراع، وسوء ظن وقطيعة، وافتيات وعصيان، وتقاذف وفشل، وتمزق وتشتت، وضياع كثير من الفرص الهامة على الحركات الإسلامية!

ورحم الله شوقي إذ يقول:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت                           فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

والجماعات والجمعيات واللجان والتيارات والفصائل كالأمم، إن أعوزتها الأخلاق فعليها السلام.

ولست في حاجة إلى ضرب أمثلة، فأنا أكتب الآن وأمامي تجارب حية، ومشاهد لطوام مهلكة شهدتها وعشتها خلال اثنتين وأربعين سنة في بلادنا العربية وفي أوروبا، كانت أعراضها بعض ما ذكرت وأسبابها ما إلى جلها أشرت، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

(*) أستاذ جامعي، وأكاديمي مغربي.

الرابط المختصر :