; ظاهرة الإلغاء.. والإلغاء المضاد | مجلة المجتمع

العنوان ظاهرة الإلغاء.. والإلغاء المضاد

الكاتب د. فتحي يكن

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أبريل-1998

مشاهدات 64

نشر في العدد 1297

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 28-أبريل-1998

يكاد يتميز هذا العصر وينفرد بظاهرة مرضية خطيرة هي ظاهرة إلغاء الآخر.. ولا أبالغ إذا قلت إن هذه الظاهرة تفشت كوباء عصري على كافة الصعد.
-    صعيد النظام العالمي «من خلال أحاديثه وإلغائه للآخر».
-    صعيد الدول العظمى «من خلال هيمنتها على الدول الفقيرة، وما يسمى العالم الثالث».
-    صعيد الأنظمة «من خلال إلغائها لما يعارضها».
-    صعيد المعارضة «من خلال حربها على الأنظمة».
-    صعيد التنظيمات «من خلال حربها لإلغاء بعضها البعض» داخليًّا وخارجيًّا.
ومن خلال هذه المعادلة تبدو الصورة مرعبة، حيث إن الكل يعمل على إلغاء الكل، دونما أدنى بحث عن هامش مشترك وقواسم جامعة يمكن أن يلتقي عليها الكل لما فيه خير الكل.
من وقائع هذه الظاهرة:
وإذا انتقلنا من صعيد التوصيف والتنظير للتأكيد على وجود هذه الظاهرة وجب تقديم بعض الشواهد من هنا وهناك وهنالك:
-    فعلى الصعيد العالمي دأبت الولايات المتحدة منذ سقوط الاتحاد السوفييتي على عدم إعطاء أي دور يذكر لغيرها سواء من قبل بعض الدول الأوروبية الكبرى كفرنسا أو الأسيوية كاليابان، وهي تمارس ضغوطًا على المنظمات الدولية أو تقفز فوق قراراتها، أو تعطل هذه القرارات باستعمالها لحق النقض «الفيتو».
-    وكذلك الحال بالنسبة لحلف شمال الأطلسي، فالهيمنة الأمريكية تكبر يومًا بعد يوم، وكان آخرها قبول عضوية الدول الموالية لأمريكا فقط في عضوية الحلف.
-    وعلى صعيد الدول الكبرى والكتل المالية والإلغاء الاقتصادي، تطالعنا المأساة التي يمر بها العديد من دول شرق آسيا كإندونيسيا وماليزيا من خلال الحروب الاقتصادية المسعورة، والتي كان من نتائجها تدمير الاقتصاد الذي بنته هذه الدول خلال أربعين عامًا، كما كان من نتائجها وقف التطور الاقتصادي والصناعي، الذي كان يقدر لماليزيا أن تصبح من خلاله ثالث دولة صناعية في المنطقة مع مطلع القرن الحادي والعشرين.
-    وإذا انتقلنا بظاهرة الإلغاء إلى المستوى القطري، نجد حمى الإلغاء تضرب عمق الحياة السياسية، فالقوى المعارضة والموالية في حرب إلغاء دائمة، وقل أن نجد حالة تعاونية أو صيغة تعاونية.
-    ونزولًا أكثر فأكثر إلى الواقع الحزبي والتنظيمي، تطالعنا حالة من صراع الإلغاء كامنة عند الجميع.
وكيف الحال على الساحة الإسلامية؟!
وكنا نتمنى لو أن الساحة الإسلامية كانت في مأمن عن هذا الداء الخطير، إلا أن المناخ العام لم يستثن الساحة الإسلامية من الإصابة كذلك:
-    في لبنان تعرضت الساحة الإسلامية لداء الإلغاء والإلغاء المضاد من قبل بعض شرائحها.
-    وفي أفغانستان بلغ الصراع الإسلامي الإسلامي الفئوي مرحلة الإبادة الجماعية كما أن محاولات الشطب الإسلامي الإسلامي تنتشر في العديد من البلدان.

ظاهرة الإلغاء من منظور إسلامي:
لنعرض هذه الظاهرة المدمرة على الإسلام لنرى الموقف منها، من خلال كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
-    الإسلام يعترف بوجود الأضداد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (سورة هود: 118).
-    يدعو الأضداد إلى التعارف، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (سورة الحجرات: 13).
-    ويدعو الجميع للتعاون على الخير، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (سورة المائدة: 2).
-    وينهي عن اعتماد سياسة القمع والإكراه مع الآخر، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (سورة البقرة: 256).
-    ويدعو إلى اعتماد الحكمة واللين والرحمة في دعوة الآخر إلى الإسلام، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (سورة النحل: 125).
-    ويحذر من سباب الآخر ولو كان من المشركين، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (سورة الأنعام: 108).
-    ويدعو إلى البحث عن العوامل المشتركة الأساسية في دعوة الآخرين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (سورة آل عمران: 64).
-    ويدعو إلى التضامن مع الآخر لدرء المفاسد وجلب مصالح الناس ومنافعهم، كرفع الظلم، ورعاية حقوق الإنسان، وتعزيز الحرية والعدالة والمساواة وسائر المبادئ الإنسانية، يقول صلى الله عليه وسلم: «لقد حضرت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعى به في الإسلام لأجبتُ...».
(سيرة ابن هشام: حلف الفضول / ص 52).
-    ويدعو إلى الأخذ بما يصلح ويفيد من الأعراف والحكم والمنافع، قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (سورة الأعراف: 199).
-    ويدعو إلى تلقف الحكمة من أي وعاء خرجت، «خذوا الحكمة من أي وعاء خرجت» و «الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها» و «أقبل الحق ممن جاء به من صغير أو كبير ولو كان بغيضًا بعيدًا، واردد الباطل على من جاء به من صغير أو كبير ولو كان قريبًا حبيبًا».
-    ويعترف بوجود الآخر محترمًا له، معاهدًا له، موفيًّا معه، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقبل وفد نجران النصراني في مسجده ويجلسهم على بردته ويأذن لهم بأداء صلاتهم فيه.
وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد صلحًا مع قريش في الحديبية لوقف الحرب الدائرة وإفساح المجال أمام الدعوة ولغة الحوار.. ثم إنه صلى الله عليه وسلم بعد توقيعه المعاهدة ووصول «أبي جندل» متأخرًا للالتحاق بمعسكر المسلمين بما لا يتفق مع بنود الاتفاق يقر بسريان مفاعيله رغم تألمه لرد رجل مسلم عن معسكر المسلمين وهو صلى الله عليه وسلم قال السهيل بن عمرو «مفاوض المشركين» حين اعتبر أن «القضية لجَّت» بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم «قبل أن يأتي» أبو جندل.. يقول صلى الله عليه وسلم لسهيل: «صدقت» وقال لأبي جندل: «اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله وإنا لا نغدر بهم».
(سيرة ابن هشام / ص 542 – 543).
إن هذا وغيره مما يزخر به كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومما يمتلئ به التاريخ الإسلامي في مختلف العهود الإسلامية، ليؤكد تميز الإسلام عن غيره بمبدأ الاعتراف بالآخر واحترامه وحسن التعامل والحوار معه.
وأخيرًا فإن الإسلاميين ابتداءً، والساحة الإسلامية بشكل خاص، مدعوون لامتثال الإسلام ومبادئه وأحكامه وأخلاقه في التعامل مع الآخر بصرف النظر عن معتقده وفكره وفلسفته ما لم يشرع عليهم السلاح ويقاتلهم، وليقرؤوا بإمعان قوله تعالى: ﴿ لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (سورة الممتحنة: 8).
-    الإسلاميون مدعوون لإعادة النظر في علائقهم الداخلية وضمن شرائحهم وفئاتهم.
-    وهم مدعوون كذلك لصياغة علاقاتهم الفئوية بعضها ببعض استجابة للخطاب القرآني: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (سورة الأنفال: 46)
-    ثم إنهم مدعوون بعد ذلك إلى إدراك حقيقة دورهم ووظيفتهم في هذه الحياة، وأنهم دعاة لا قضاة، وأطباء رحماء حريصون على عافية الآخرين ساهرون على صحتهم.

الرابط المختصر :