العنوان ظاهرة... المنتهية ولايته!
الكاتب د. حمدي شعيب
تاريخ النشر السبت 15-يناير-2011
مشاهدات 64
نشر في العدد 1935
نشر في الصفحة 40
السبت 15-يناير-2011
هناك حكام منتهيو الولاية فعليًا ولكنهم ظاهريًا جاؤوا بانتخابات صنعوها على أعينهم ورتبوها بذيولهم وزوروها بحوارييهم
الذين يصرون على التميز بلقب «المنتهية ولايته»إنما يصادمون قاعدة ربانية وسنة إلهية اجتماعية
من حكمة الله سبحانه أن يكون الصراع والتنافس والتدافع بين الحق والباطل حتى لا تفسد الأرض بغلبة الباطل.
من الظواهر السياسية الغريبة والتي ذاع صيتها في العام الماضي 2010م والتي لم تأخذ حقها من التحليلات السياسية والفكرية التي تعقد في نهاية كل عام: »ظاهرة المنتهية ولايته«!
وهي التي كانت تأتي في نشرات الأخبار؛ وتذكر كتذييل وتعريف بشخصيات معينة مثل نور المالكي في العراق، ومحمود عباس »أبو مازن« في فلسطين المحتلة، ثم جاء بطل هذه الظاهرة العنيد؛ وهو «باجبو» في ساحل العاج؛ حيث يصر أولئك برغبتهم أو برغبة قوى خارجية تحركهم من خلف الستار أن يتمسكوا بكراسيهم الملعونة، ويرفضون إرادة شعوبهم ويتمردون على نتائج الانتخابات الشعبية التي لفظتهم ورفضتهم وركلتهم!
ولكننا عندما نتأمل هذه الظاهرة.
واطرادها في بلاد كثيرة نجد أن هناك صورا خفية خطيرة منها.
حيث نجد أن هناك حكامًا منتهيي الولاية فعليًا وواقعيًا، ولكنهم ظاهريًا جاؤوا بانتخابات صنعوها على أعينهم، ورتبوها بذيولهم، وزوروها بحوارييهم!
والأخطر أن يأتوا بانتخابات نزيهة ثم يستمروا عقودا طويلة جاثمين على صدور شعوبهم بدساتير طبخوها، وبقوانين حبكوها وبأحزاب صنعوها أي أنهم صور من »المنتهية ولايته«؛ ولكن بطعم الديمقراطية المزورة، وبرائحة الحرية المزيفة !
أما الصورة الأمر والأقسى والأكثر كارثية؛ والتي تكررت في بلادنا العربية؛ هي أن يستمري هذا المنتهية ولايته الكرسي وبريقه، ويستمسك بالسلطة وأضوائها، ويتشبث بالثروة وملذاتها؛ فيبدأ في مشروعة التوريثي المشؤوم! القرآن ... يفسر الظاهرة !
وعندما نتأمل القرآن الكريم وكيف تحدث عن هذه الظاهرة البشرية الشاذة؛ نجد أنه يقرر قاعدتين من السنن الإلهية الاجتماعية:
1.قاعدة التغيير الحتمي للأشخاص والأحداث والأشياء أي أن الشيء الوحيد الثابت في هذا الوجود هو التغيير؛ أي مداولة الأيام بين الناس فتكون لهؤلاء
يوما ولأولئك يومًا .
وهي قاعدة التداول أو سنة المداولة:
﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ (سورة آل عمران : 140)
وهؤلاء القوم الذين يصرون على التميز بلقب »المنتهية ولايته«؛أنما يصادمون قاعدة ربانية، وسنة إلهية اجتماعية، ومن يقف في سبيلها فسيدمر نفسه ومن حوله ومن يرأس !
2- قاعدة صراع الخلائق وتدافعهم من أجل إفراز الأصلح فمن حكمته سبحانه أن يكون الصراع والتنافس والتدافع، سواء فرديًا أو جماعيًا، بين الحق والباطل بين الخير والشر، بين الإيمان وأهله والكفر وأهله، حتى لا تفسد الأرض بغلبة الباطل، ولهذا كان من فضله سبحانه أن تستمر تلك السنة الإلهية، ما دامت السماوات والأرض.
وهو قانون التدافع الحضاري أو سنة المدافعة الإلهية؛ وهو قانون قرآني رباني عام أشبه بالمعادلة الرياضية التي لا تحابي ولا تتبدل :
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (سورة البقرة : 251 )
لقد كانت الحياة كلها تأسن وتتعفن لولا دفع الله الناس بعضهم بعضًا، وفي النهاية يكون الصلاح والخير والنماء؛ ويكون بقيام الجماعة الخيرة المهتدية المتجردة، تعرف الحق الذي بينه وبين الله لها، وتعرف طريقها اليه واضحًا، وتعرف أنها مكلفة بدفع الباطل واقرار الحق في الأرض، ومن هنا يمضي الله أمرة ،وينفذ قدره، ويجعل كلمة الحق والخير والصلاح هي العليا، ويجعل حصيلة الصراع و التنافس والتدافع في يد القوة الخيرية البانية، التي استجاش الصراع أنبل ما فيها وكرامة« »في ظلال القرآن: سيد قطب 270،271/2 بتصرف«
لذا، فنحن علي يقين من أن هذه القاعدة الربانية التي تقرر مبدأ الحركة التغييرية التاريخية الدائمة؛ أنها ستعمل عملها، وستثمر ثمرتها، ولن يغلبها غالب، ولن يوقفها أي فرد أو جماعة أو أمة انتهت ولايتها؛ حتي يتحقق مراده سبحانه ولكن بأيدي الشعوب.
الحبيب...يفضح العضوضين ويحذر من الجبريين!
ولو تتبعنا كيف بين الحبيب المراحل الخمس للناموسية التاريخية للأمة كنموذج:
«تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها. ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت»، »مسند أحمد بن حنبل تعليق شعيب الأرنؤوط إسناده حسن«.
لذا فنحن نجد أننا نعاني الآن من مرحلة خليط بين الملك العاض أو العضوض أو التوريثي العائلي، والملك الجبري أو الدكتاتورية الأحادية التوجه، والاستئصالية المعارضيها، والإقصائية للآخر!
ونحن على يقين أنها مرحلة وستنتهي شاء هؤلاء المنتهية ولايتهم، أم أبوا: ولكنهم لا يفقهون سنن التغيير الالهية، ولا يحذرون من هذه التحذيرات الشرعية!
صور.. فيها سم قاتل!
هذا بالنسبة للحكام والولاة؛ ولكننا ستورد الآن صورا شائهة ومشوهة من فصيلة هذا »المنتهية ولايته«، تعيش بيننا، ونراها ليل نهار وذلك حتى لا تحصرهم في الحكام والولاة فقط فهم شخصيات أخرى وأفكار وأشياء انتهت صلاحيتها، ولم تعد تفيد ولا تثمر .
وهذه الصور لا تختلف عن أي دواء انتهت صلاحيته، وأصبح ويستحق أن ينادي «Expired» المخلصون للشعوب والجماعات والأفراد: »أيها الناس، هذه صور منتهية الصلاحية، وفيها سم قاتل «
1. صحفيون انتهت صلاحيتهم: وهم أولئك الذين يسيرون في ركب الولاة المنتهية صلاحيتهم فيزيتون قراراتهم. ويبررون أفعالهم، ويسوقون لأفكارهم، ولا يتعلمون من سير من سبقهم الذين كانو كأحذية في أقدام أسيادهم، ثم تساقطوا معهم؛ فكانوا كأوراق خريف سقطت مع أول موجة ريح تغييري!
2. مفكرون يتمسكون بأفكار أثبت التاريخ أنها تصادم الفطرة، ويرفضها الواقع وطلقها أصحابها بعد أن دمرت أممها؛ مثل: القومية، والاشتراكية، والشيوعية!
3. إعلاميون لا يتعدى دورهم عن كونهم مجرد أبواق لأسيادهم؛ فيسربون إليهم من الأسرار الأمنية التي تهاجم خصوم السلطة ومعارضيها، فتتلقفها تلك الأبواق الإعلامية دون دراية فيفرشون بها الأرضية الشعبية والقبول الجماهيري الصدمة التنكيل بالخصوم أي يقومون بدور التمهيد لقمع المعارضين: أي »صانعوا الخيام «.
4. محاضرون لم تزل لهم الطريقة نفسها في الطرح وفي الأسلوب وتتركهم لعقود ثم تأتي لتسمعهم فتجدهم في المكان والزمان أنفسهما، وكان دنياهم لا تتغير، وأحوالهم لا تتبدل، وكأنهم يصارعون سنن التغيير
5. فقهاء وعلماء لا يخلطون في فتواهم وعلمهم بين الأصالة والتجديد، وبين التراث والمعاصرة وتراهم يفتون وكأنهم لا يعرفون إلا قضايا السابقين، وأحوال الغابرين وأمور طواها التغيير بل ويثيرون الفتن بفتاواهم فتحرج المسلم الغيور، وتشمت فينا العدو الجحود!
6. وزراء ومسؤولون: يمكن أن يوصموا بأنهم رجال لكل العصور فتتغير الظروف والسنون بينما هم باقون، وعلى كراسيهم قابعون، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون!
وهذا الخلود لا يرتكز إلى مهارات خارقة أو قدرات إعجازية يمتلكونها؛ ولكنها الطاعة، والطاعة فقط لأولي الأمر، وأولي النعمة والفضل؛فهم لا يعرفون »لا«،ويقدسون »نعم!«
7. مؤسسات ومنظمات ومجالس شورية: هبط أداؤها ،وانطفأ بريقها، وقل عطاؤها، وثبت فشلها، ولم تزل باقية لأغراض خفي أمرها، أو أن القائمين عليها ينعمون بميزاتها، ويعيشون في خيراتها، وبلادنا كان الله في عونها، والله يعوض على أهلها!
8. أفكار وأيديولوجيات مثل الاشتراكية والشيوعية والقومية التي اندثر تأثيرها ومضى زمانها، وتغيرت ظروفها. وجربها أهلها، فانكشف زيفها، ولم تؤت أكلها، ولم يزل بعض الناس يرفعون شعاراتها، ويتغنون بأقطابها، وقد عشش العنكبوت عليهم وعلى أطلالها !
وبعد؛ فهذه بعض الصور الكريهة ذات السم القاتل والتي أسعفتني ذاكرتي لتذكرها!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل