; طفولَة رجَل | مجلة المجتمع

العنوان طفولَة رجَل

الكاتب عبد العزيز عطايا

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أكتوبر-1978

مشاهدات 62

نشر في العدد 416

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 17-أكتوبر-1978

  رقم الهاتف تائه في ذهنه المرهق بأعمال كثيرة زادت عن الحد، حاول عبثاً أن يعثر على الرقم، غير أنه لم يجد فائدة من محاولته الأخيرة التي انتهت بالفشل كمحاولاته السابقة، تأكد له أن عقله الإلكتروني -كما كان يسميه- صار معطلاً عن العمل، أو على أقل تقدير هو لا يعمل بكفاءة، وتساءل ما أصابه في الأيام الأخيرة، ليست المسألة قاصرة على قدرة العقل على العمل مثلاً، هناك أشياء تحدث في داخله في الاتجاه السلبي، تسلب منه مكاسب كان يتمتع بها من قبل، انتبه إليها اليوم حين عجز عن تذكر رقم الهاتف الذي يريده.

     رجع بظهره إلى مسند المقعد، ومسح سطح مكتبه ببصره، ثم رمى رأسه أيضاً إلى الوراء، في تلك اللحظة قفزت في ذهنه كلمة الخمسين من العمر، أه من السن، أخيراً عبر عتبة الخمسين بعد أن اشتعلت رأسه بنار الشيب، تلك النار التي التهمت قوة الذاكرة، وأكلت قوى أخرى، وبدأت تحوله إلى حطام يحتاج إلى راحة طويلة ليسترد صحته.

    مرت يده فوق شعره الأبيض، وضغطت عند السالفتين، ودلت على أن صاحبها تمنى أن يصبغ شعره الأبيض ليصبح فاحم اللون، ولكن هل هذه الصبغة تعيد للذاكرة شبابها الذي ولى؟ وأكثر من ذلك، هل هذه الصبغة تليق بمقامه الرفيع؟ هز رأسه بالنفي في أثناء جلوسه معتدلاً أمام مكتبه، دفع جسمه إلى الـأمام، واتخذ جلسة المدير، أيكون مدير القسم ذا شعر بني الشكل، مخصباً بصبغة وصنعة؟ 

     ومع أنه عاد إلى التفكير من جديد في رقم الهاتف الضائع في ذهنه، إلا أنه لم يعط لهذا التفكير أهمية كبرى كأنه يئس من العثور على ما يريد، من المؤكد أن الرقم محاه الزمن، وأن الرقم غرق في بحر العمر العميق، دخل الساعي يقدم له قدح القهوة، مع ابتسامة الصباح الرقيقة، كان الساعي يبتسم له لأنه سيطلب منه إذناً بالانصراف مبكراً من القسم لأمر خاص بأسرته، نظر إليه المدير بدهشة، كانت ابتسامة الرجل تكاد تنطق بالطلب، سأله:

-لماذا تبتسم هكذا؟

أجاب الرجل بابتسامة أوسع من ذي قبل:

- لا لشيء. 

غضب المدير، وقال:

-ولكنك تبتسم فعلاً بطريقة مثيرة. 

     ارتبك الساعي، وأصر على إخفاء؛ طلبه خوفاً من رفضه، ومن ثورته، قال بلسان يتلعثم:

-إنها عادة يا أستاذ مراد، أقدم القهوة بوجه بشوش، ولعلك لاحظت هذا كل مرة، لعلك تذكر أني أبتسم دائماً. 

هاج المدير قائلاً:

-أذكر؟! أذكر؟! أتظن أني نسيت مثلاً؟ 

-لم أتفوّه بذلك، ولا أقصد.

-أنا قوي الذاكرة، مفهوم؟

-مفهوم يا سيدي، مفهوم. 

     تراجع الرجل إلى الخلف، وخرج قبل أن تقع الكارثة، خشي أن يطرده من الحجرة ومن القسم إلى الشارع، خرج يجر نفسه كما تجر الخيل عربة فارغة، لعن الابتسامة التي لزقها على ثغره، تكلف الابتسام من أجل طلب لم يطلبه، ماذا حدث في الوجود؟ هل تغيرت التقاليد؟ ألم يكن يبتسم من قبل دون أن يكون هناك طلب؟ لماذا لا يبتسم إذن حين يوشك أن يطلب شيئاً؟ أي جريمة في ذلك؟ 

     ندم السيد مراد بعد خروج الساعي، وعاتب نفسه على ما حدث منها، أساء إلى الرجل بلا ذنب ارتكبه، وأحس بالندم يصفعه على وجهه؛ لأنه ترك نفسه تتصرف بحماقة واضحة، ثار على ابتسامة المسكين، وهو يقدم له القهوة، أكان يفضل أن يقدمها بوجه عابس؟! 

ضغط على زرار الجرس، وقال للساعي حين دخل:

-أنا أسف، أعصابي كانت متوترة. 

بدا الرجل مذهولاً، حرك رأسه كأنه لا يفهم، ولم يفتح فمه بكلمة تسيء إلى الموقف. قال المدير مرة ثانية:

-أعتذر، فأنت رجل طيب.

اضطر أن يقول بحذر:

-أي خدمة يا أستاذ مراد. 

قال له بنية صادقة:

-ليتك تقدم لي خدمة، وتبحث لي عن علاج للنسيان. 

زادت حيرة الرجل، فقال:

-كلنا ننسى يا سيدي؛ الإنسان ينسى دائماً.

-وهل أنت تنسى بسرعة شيئاً كنت لا تنساه؟

-نعم، أنا أنسى الآن كثيراً، وخاصة بعد أن تقدم بي العمر. 

     ضرب المدير سطح المكتب بقبضته، وثار فجأة كأنه ريح هبت في الحجرة، وقف يدمدم بكلمات غير مفهومة، تقهقر الرجل بذهول خبطه في الباب لحظة هروبه، نجا بنفسه من العاصفة، لا بد أن هناك شيئاً قد حدث في نظام الحياة لا يعرفه، أيتغير طبع المدير بين لحظة وأخرى من النقيض إلى النقيض؟ كان يعتذر له منذ قليل بصوت هادئ، ثم انقلب إلى زئير يزلزل الأركان، ذهب الساعي يستغفر الله، ويستنجد به من هؤلاء أصحاب الأمر والنهي في الإدارة، وعد زوجته بالعودة قبل موعده المعتاد لكي يصحبها إلى المستوصف، بيد أنه لن يتمكن من تنفيذ وعده، كيف يطلب إذناً بالانصراف في هذا الجو المقلوب الذي تحول فيه المدير من البرودة إلى أعلى درجات الحرارة؟ وتكوم الساعي بجوار الجدار يشكو حاله للجماد.

     أما المدير فوجد نفسه ينتفض بعصبية، وقد خلت الحجرة دونه، ظل واقفاً إلى أن هدأ، فبرك بذراعيه على المكتب، وجلس يتهم نفسه بالجنون، ما أصابه في هذا اليوم؟ لم يخطئ الساعي المسكين؛ إنه ضحية تفكيره المضطرب، ما كاد الرجل يتحدث عن تقدمه في السن حتى نهض يصيح، ويملأ الحجرة بصوت كالرعد، وإن كانت كلماته غير مفسرة، يا لها من مهزلة؟! كل هذا يحدث لأنه اكتشف تأثير سن الخمسين على قوة الذاكرة، وربما على قواه الأخرى، معنى ذلك أنه خائف من الشيخوخة الملعونة، ومعناه أيضاً أن الخوف قد استبد به، وأسره في سجن التوتر والاضطراب، ومن الغريب أن الذي فتح الباب لكل ذلك الخوف الرهيب هو نسيانه لرقم هاتف كان يرغب في الاتصال بصاحبه، وها هو في حالة سيئة نتيجة ذلك كله، ونتيجة سوء معاملته للساعي المسكين، من الواجب أن يعتذر له، ويتركه يمضي قبل أن يفقد أعصابه مرة ثالثة. 

     ضغط على زرار الجرس، انفتح الباب عن رأس تطل منه، نظر الساعي من فتحة الباب بذهول ورعب، رأى المدير جالساً في مكانه، تقدم خطوة فأصبح في الداخل، تشجع وتقدم خطوات عندما ابتسم له المدير.

     مثل بين يديه مستسلماً لابتسامته العريضة التي كشفت عن أسنان بيضاء، قال المدير بلهجة ودودة:

-أعتذر عما بدر مني.

بدأ الساعي يهم بالتقهقر انتظاراً للحظة الانفجار؛ إنه نفس الموقف السابق، عقب الاعتذار بوقت قصير ضرب المكتب بقوة، وخاطب السقف بصوته العالي، لاحظ المدير تردد الرجل وعدم اطمئنانه إليه، فقال:

-لن يحدث ما يسيء إليك، المهم أن تقبل اعتذاري. 

قال على الفور لينصرف من الحجرة:

-قبلت، هل أذهب؟

-نعم.

استدار الرجل، ولكن المدير قال:

-اسمع. 

التفت إليه بوجل وخجل من رغبته في الذهاب، قال المدير:

-هل تصدق أني تجاوزت الخمسين؟

-لا، لا، يا سيدي، لا أصدق، اتسعت ابتسامة المدير، ولانت أكثر لهجته:

-كم عمري فيما تظن؟

-أقل من الأربعين.

-وهذا الشعر الأبيض.

-علامة حسن التفكير.

     ازدادت ابتسامة المدير اتساعاً وروعة، واستجاب الساعي لداعي المجاملة من أجل أن تتحقق رغبته في طلب إذن بالخروج قبل الموعد بساعة، قال المدير:

-وبماذا تفسر كثرة النسيان؟

-بأعمال الإدارة والحياة التي لا تنتهي.

-ولكنك أنت اعترفت بالنسيان بسبب تقدم العمر.

-مثلي ينسى بسبب السن، ولكن أنت يا سيدي! 

قاطعه بقوله:

-على أي حال أنا تجاوزت تلك السن فعلاً.

-لا يبدو على وجهك ما تقول، والعمر يقاس بشباب الوجه، وقوة البدن.

ورأى قدح القهوة كما هو لم ينقص شيئاً، فقال:

-لم تشرب يا سيدي قهوتك.

-ألم أقل لك إني أنسي؟

-لم تنس، وإنما كنت مشغولاً بشيء ما.

-هذا صحيح، جهز لي القهوة، وأحضرها، ثم استرح. 

حانت الفرصة، وينبغي أن ينتهزها، قال:

-زوجتي مريضة يا سيدي، أطلب إذناً بالانصراف قبل الموعد بساعة. 

-انصرف بعد أن تأتي بالقهوة.

-أشكرك يا سيدي، أشكرك. 

     وحمل قدح القهوة القديم، وخرج يجري ليعود بعد قليل حاملاً قدحاً ساخناً، وعلى وجهه ابتسامة حقيقية مختلفة عن ابتسامته الأولى التي كانت مقصودة ومزيفة، رأى المدير يتكلم في الهاتف. حين التقت عيناهما، رفع المدير السماعة عن فمه وأذنه ليقول له بفرحة طفل:

-تذكرت الرقم الذي نسيته، مع السلامة أنت، اذهب إلى زوجتك. 

فوضع الرجل القهوة، وخرج.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1303

63

الثلاثاء 09-يونيو-1998

صحة الأسرة (العدد :1303)

نشر في العدد 1960

73

السبت 09-يوليو-2011

المجتمع الصحي (العدد 1960)