; طفولة الأمة.. إلى أين؟ وإلى متى؟ | مجلة المجتمع

العنوان طفولة الأمة.. إلى أين؟ وإلى متى؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2012

مشاهدات 66

نشر في العدد 2014

نشر في الصفحة 43

السبت 04-أغسطس-2012

للأمم طفولة كطفولة الأطفال, طفولة تصنعها الأمم لأنفسها، وترضاها لشخصيتها، حيث تتصاغر إلى حد الاستقزام، وتتضاءل إلى حد البله, وتتدنى إلى حد المهانة، وهذه حالة مرضية، وعلة نفسية تحتاج إلى طب ودواء، ونقاهة وشفاء ، حتى تعود إليها طبيعتها وترتد إليها شخصيتها, ولكن المحير الذي لا ينفع معه طب أو علاج، هو أن تتعامل هذه الأمم مع الأطباء والدواء بمنطق العداء، وبأسلوب الكاره للعافية والشفاء!

وهذا ما يطلق عليه الكثيرون في بعض الأحيان «القابلية للضياع» والتدني, وأظن أن أمتنا كانت تعيش في رحاب تلك الطفولة بعد أن كنا جبالًا فوق الزمان...

ولله در القائل:

كنا الحصون بأرض الله شامخة

                       فيها الحماة إذا عز المحامونا

كنا الرياح إذ نادى الصريخ بنا

                        كنا الرجاء إذا ضيمت أراضينا

كنا الجبال ثباتًا في مواقفنا

                          كنا السماء سموًا في معانينا

  الأيام التي كنا نعيشها سنين عددًا وكانت تمضي كئيبة من أعمار الأمة تجرها إلى المجهول، وتقتلها روحًا وفكرًا واقتصادًا وتقدمًا، حفرت في نفوسنا أخادي غائرة من الهوان والضياع والهموم.

 يميتنا الحزن تفكيرًا بحاضرنا

                          ويبعث الهم عصرًا من مآسينا

يا كربة النفس للإسلام ما صنعت

                        بكل أرض به أيدي المعادينا

الأرض قد ملئت شرًا وزلزلها

                    جور الطغاة ولؤم المستغلينا

يا للطغاة وما أشقى الأنام بهم

                    عاثوا قوارين أو عاثوا فراعينا

وقد يسائل الإنسان نفسه: هل الأزمة التي تريد أن تتخلص منها الأمة اليوم من السفه والوهن والتشتت والتشرذم هي شيء عابر, أم أنها كانت أوجاعًا لأمراض فكرية وسياسية ونفسية عاشتها الأمة زمنًا وعاصرتها وما برحت, وهي الآن تريد أن ترجع لتلفها بهول كثيف من الدواهي والفتن والزلازل ؟ وما أراني وما أحسبني أميل إلى الأوهام الخادعة أو المصادفات العمياء التي ربما تنطلي على الأطفال أحيانًا؛ لأن كل عمل يقابله نتيجة، وأمة ليس عندها مشروع حضاري يحتوي على رؤية للتجمع أو الوحدة أو الفهم والفكر الصحيح أو التعايش والتحاب أو التقدم والنهضة أو الريادة والانطلاق للمستقبل أو الاستقلال والتخلص من التبعية أو الاستقرار على عقيدة وهوية, جدير بها أن تتفتت وتعيش في عواصف من الخوف وأمواج من الرعب وعدم الاستقرار، وتصبح نهبًا للاستعمار والاستغلال لعدو بعيد يتجهمها أو قريب يملك أمرها ويسوقها بالعصا الغليظة ومقامع الحديد.

إذًا، فالأمة اليوم كانت تحتاج الى منقذ وتتطلع إلى مخلص، وقد رزقها الله تعالى ذلك بالدكتور «محمد مرسي»، فهل تشكره على تلك النعمة المسداة وتحمده على العطية المهداة، أم تجحد هذا الفضل ظلمًا وبغيًا فتحل الكارثة وصدق الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْها أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (النمل: 14)، ونحن نعرف أن الباطل لن يستكين، وأن الفساد لن يهدأ، وإنما هو الصراع الحتمي (كذلك يَضْرب الله الحق والباطل (الرعد: ۱۷)، ولكن أن تكون للباطل شوكة وقيادة بعد ثورة وانتفاضة للأمة، وأن يمتلك قنوات الدولة ويساعده إعلامها وصحفها, وأن تتوافق معه كل القنوات الخاصة ومحرروها, ويستعين برأس المال الحرام، ويخطط له قوى معادية، فهذا وضع آخر يحتاج إلى اليقظة والوعي والعمل المحسوب، والفعل البصير، والتوكل على الله تعالى، كما يقتضي سدًا للثغرات التي يتسلل منها المرجفون رغم أننا نعلم أنهم يدعون الفروسية بلا سواعد ولا عقول، وأنهم مسخ غريب يدعو إلى الرثاء والعجب, ودُمى تتحرك لترقص على الجراح وتقيم للمصائب الأفراح والليالي الملاح، ولكننا نعلم رغم ذلك أنهم قدرنا الذي لابد أن نتعامل معه وجمهورنا الذي يجب علينا أن نبصره، ونأخذ بيده من منطلق إيماننا وإسلامنا، قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وإما ينزغنكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِالله إِنَّهُ سميع عليم﴾ (الأعراف: 199-200)، ومن ذلك قول جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك, وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك»، إن الإصلاح له تبعات ويحتاج إلى جهد وعرق والى لملمة الجهود وجمع الشمل؛ ليقوم كل فرد بدوره المنوط به وهذا من أفضل الجهاد وأجل الأعمال التي يقوم بها رجال الفكر والعقيدة وأبطال المواقف الصعبة وأصحاب العقول الناضجة والفكر النابه والحجة البالغة، لأن الحركة الواعية تنظر إلى الواقع بموضوعية، وتستعمل أدوات التغيير بوعي، وتدرك أنها أمام ألوان من النفسيات والأمزجة والمخلفات الجاهلية, والتحولات التاريخية, والتشكيلات السياسية، كل ذلك يمتلئ بالشبهات والتربصات التي تحتاج إلى فهم الحقائق ودفع الشكوك ووضوح الهدف، خصوصًا ونحن نرى اليوم سياسات ضلت الطريق, ففرغت المؤسسات من الرؤى الصائبة والنظرة المخلصة المستقلة وعميت حتى جعلت الصديق عدوًا والعدو صديقًا! وظهرت الطفولية المقيتة التي تسأل الله أين تزول من عقول الكثيرين. آمين آمین.

الرابط المختصر :