العنوان طريق الحق واحد
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يونيو-1994
مشاهدات 77
نشر في العدد 1104
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 21-يونيو-1994
طريق الحق وحيد وإن تعددت الدروب، وتنوعت
الشعاب؛ شاق مجهد، تعب فيه آدم، وقاسى فيه نوح، وألقي فيه إبراهيم في النار، وتعرض
للذبح إسماعيل، ونشر فيه بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى في سبيله، ولكنه
طريق الخلاص، لا يسير فيه إلا من يستطيعه ويقدر عليه من أولي العزم من الرجال،
الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ فهو محطة الرجولة، ومختبر الأبطال. إذا سلكه فردٌ
لم يهوِ خطوُه، أو يدنس ذيله أو تلوث سمعته، وإذا اتبعته أمةٌ نفضت غبار اليأس،
وخلعت رداء الهوان، ولبست تيجان البطولة، وتقلدت منازل الريادة؛ فهو طريق تحقيق
الآمال، وتحصيل الأماني، وغرس القيم، زاد القلوب ورحيق الأفئدة.
لا أظن أن هناك أمةً بلغت فيه ما بلغته أمة
الإسلام، ولا حققت فيه ما حققته؛ رسمت معالمه العملية، ورسخت جوانبه الفعلية،
وعاشته وتحملت تبعاته. أكمل الله لها منهجه، ووضح لها مبادئه، وفصل لها دستوره
وحفظ لها شريعته، وربى رسول الله رجاله وعلم شبابه، وتولى دعوته، وقاد كتيبته،
فسارت فيه أمة الإسلام وعلى كاهلها رسالات السماء وتعاليم الأنبياء، تمسك بيدها
تراث الأنبياء، وتضم بين جوانحها عقيدة المرسلين. بين لها القرآن ذلك جملةً وتفصيلًا،
فقال مفصلًا: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰۖ
أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ
مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي
إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ (الشورى: 13)، وقال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ
وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ
وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا
أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 136)، وقال إجمالًا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا
أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ
وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن
رُّسُلِهِۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ
الْمَصِيرُ﴾ (البقرة: 285).
نعلم أنه اندكت أعناق الكثيرين ومزقت أشلاؤهم
في سبيل تبليغ رسالة واحدة من رسالات السماء، وقصم ظهر الكثيرين، وتخطفتهم أيدي
الظلم في سبيل تبليغ أمة واحدة من الأمم، فما بالك بأمةٍ تقوم بتبليغ رسالات
الأنبياء كلهم، والدعوة إلى شرائع الأنبياء أجمعهم، وتنفيذ تعاليمهم كاملة غير
منقوصة ولا مضيعة؟ وما بالك بأمةٍ كلفت بهداية العالمين؛ أسودهم وأبيضهم، عربيهم
وعجميهم، بل وإنسهم وجنهم؟ وما بالك برسول حمل هذا ووعاه، وقام به وأداه، وبلغه
وربي عليه، وعلمه وانتصر به، وجاهد في سبيله، حتى رفع راية الحق، وأزهق جحافل
الباطل، ودحر كتائب الظلم وحطم هامة الأوثان وأطفأ نار فارس، وهدم أحلام كسرى،
ومزق غرور قيصر، ودك حصون الروم وقضى على بغي هرقل، وعبد الناس لله رب العالمين.
إن أمةً بهذا الرصيد لا تندحر ولا تزول، أو تمحى من الوجود، وإن رسالة وشريعة بهذه
القوة وهذا الإعجاب قادرة على بعث الخامد وإحياء الموات، وإنارة الظلمات، وإظهار
الصراط المستقيم.
إن شفاء القرآن ودواء الوحي أكيد في برئه،
ناجح في شفائه، وصدق الله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ
وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾
(الإسراء: 82).
ولكن السؤال المطروح: متى ستصحو هذه الأمة
وكيف؟ والجواب بسيط وليس بمعقدٍ، واضح وليس بالغامض: يُصلح هذه الأمة ما صلح به
أولها، ونلحظ هذا في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به
لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي» (أخرجه مسلم 1637- باختلاف يسير). ومن رحمة
الله بخير أمة أن حفظ لها كتابها، ودون لها سنن نبيها، ووضح لها الطريق، ورسم لها
الصراط، وعرفها الغاية، ولا ينقصها إلا أن تتقدم وتأخذ بكتابها وتستن بسنة نبيها،
وتقتدي بسلفها وتتوكل على ربها، ولن يترها الله أعمالها، ولن يكون هذا من سبيل
المغامرة أو المجازفة، بل هو الطريق الذي لا بديل له، ولا خير في غيره، ولا نجاح
في سواه ولا هداية دونه، وصدق الله: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي
السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾
(الشورى: 53)، ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن
تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾ (الكهف: 17). نسأل الله الهداية والسلام.. آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل
111