رغم إعجابهم بحديثه إلا أنه بقي في نفوس بعضهم عدد من التساؤلات وعلامات التعجب والاستهجان حيث قال أحدهم: هل يكفي أن أصبر أمام من يشتمني ويسئ الأدب معي؟ ألا يشعره ذلك بضعفي ويغريه بالمزيد؟ وقال آخر: لا يمكن إيقاف أذاه إلا إذا واجهته بمثله؛ لأنه لا يفل الحديد إلا الحديد، وأنشد ثالث: ومن لم يزد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم يُظلم، ورفع رابع عقيرته قائلًا: كيف يكون تعاملنا مع التجربة الأخلاقية في أثناء الأزمات والحروب؟ وتلطف خامس بقوله: عند التعامل مع الأولاد يحتاج المربي أحيانًا إلى شيء من الشدة حتى يستقيم له أمر تربيتهم أو تربية شريحة منهم على الأقل.
وهكذا توالت الأسئلة والاستفسارات، والرجل ساكت لم ينبس ببنت شفة، ولم يفارقه هدوؤه المعتاد، ولما همَّ بالكلام صمت الجميع حتى الذين بقي عندهم بعض الاستفسارات، أصغوا بعناية لعله يجيب على أسئلتهم أثناء حديثه.
لم يخصص واحدًا من الأسئلة السالفة بإجابته وإنما أراد أن يجيب على جملة واحدة بهدف تعميق الفكرة وتأكيد أهميتها فقال: إن المواقف التي تعالجها التجربة الأخلاقية، تشبه الأمراض التي تحضر لها الدواء المناسب حسب إشارة الطبيب، لكن هذا الدواء يمر بمراحل عديدة منذ أن كان عشبًا في الأرض وإلى أن أصبح مركبًا علاجيًّا، أما في مجال «التجربة الأخلاقية» فإن صاحبها هو الطبيب وهو المريض وهو الذي يستحضر الدواء ويجرب الخلطات حتى يستقيم له أمر العلاج.
لنأخذ مثلًا الطفل الذي نريد تنشئته على خصال وخلال حميدة فإننا نتودد إليه أولًا فإذا شعرنا أن التودد زاد عن حده فإننا نلجأ إلى أسلوب أخر فيه ترغيب أو ترهيب حسب الحاجة ويحدد الحالة التي نتعامل معها، أو نستعين بالمعلم في إكمال الدور الذي نقوم به أو نبحث عن الصحبة الصالحة التي تؤثر فيه أو نختار من الأسرة من يُكِنَّ له الطفل احترامًا أو حبًّا أو خوفًا، وفي كل مرحلة أو خطوة ربما نزيد المقدار أو تنقصه، وعندما نكتشف الخلل نعمد إلى إصلاحه بتعديل الأسلوب أو المسلك التربوي.. إننا بهذه التجربة الاخلاقية، نعالج أنفسنا حتى نصبح مؤهلين للتعامل مع الآخرين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل