العنوان دروس سياسية من رمضان: من وحي معركة بدر الكبرى
الكاتب محمد عبدالهادى
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1980
مشاهدات 74
نشر في العدد 490
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 22-يوليو-1980
قد تنتصر المبادئ عندما تكون في الحيز النظري والمجالات الفكرية بسبب العوامل التي تحملها هذه المبادئ وفق انتصار الدين الإسلامي على العقائد التي كانت سائدة في الجزيرة العربية، ولعل اكتمال النصر يكون إذا جاء الواقع بتصديق الفكرة والمبدأ، وهذا ما حصل في دعوة الإسلام الذي بدأ انتصاراته على أرض الجزيرة في المدينة المنورة بتأسيس الفكرة، ومن ثَم كانت معركة بدر هي الواقع الذي انتصر المسلمون فيه على أعداء الفكرة.. أعداء المبدأ.. أعداء الإسلام..
كان ذلك في رمضان بعد أربعة عشر عامًا من البعثة النبوية وفي السنة الثانية للهجرة.. وبدر الكبرى هذه حدث إسلامي تاريخي بين بالعبرة والدرس لأولي الألباب والبصائر في عالمنا الحديث هذا.
● العقيدة والعصبية:
الانتصار في بدر لم يكن مجرد انتصار للمسلمين وهم ثلاثمائة على ألف من المشركين فحسب، وإنما كان قبل ذلك انتصارًا لنقاء العقيدة الإسلامية كرابطة بين المسلمين على الروابط العرفية والعصبية والقبلية والقومية ففي بدر التقى الابن بأبيه في صَفيْن متحاربين، وتم القتال بين الفريقين على الرغم من وجود رابطة النسب، فقد خالفت بينهم المبادئ، وفصلت بينهم العقيدة، لقد طبق المسلمون في بدر مبدأ الجهاد دون أن يأخذهم هوى القرابة، وقد بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فعندما خرج ثلاثة فرسان من قريش وهم من بني عبد مناف في بداية المعركة للمبارزة، أمر الرسول عليه السلام ثلاثة من أقربائه وأقربائهم بآنٍ واحد بالخروج لهم، وهم «حمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث، وعلي بن أبي طالب، وكلهم من بني عبد مناف أيضًا، وانفرد كل مسلم بقربيه المشرك وقتله بعون الله، ولم يقف القتال في بدر على أبناء الأسرة الواحدة أو الفخذ الواحد، إنما امتدَّ إلى الصراع بين الأب وابنه، فقد كان أبو بكر رضي الله عنه مع المسلمين، وكان ابنه عبد الرحمن مع المشركين ، فلما أسلم عبد الرحمن قال لأبيه: «لقد هدفت لي يوم بدر مرارًا فصدفت عنك، فقال أبو بكر: لو هدفت لي لم أصدف عنك».. وكان أبو عبيدة بن الجراح مع المسلمين، بينما كان أبوه الجراح مع المشركين، فقتل أبو عبيدة أباه، فأنزل الله سبحانه وتعالى الآية الكريمة: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (المجادلة:22).
لقد انتصرت العقيدة على جميع أشكال العصبية في رمضان.. في بدر الكبرى.. في المعركة الفاصلة بين الإسلام شريعة وعقيدة وسياسة والكفر وعصبياته الرعناء.
- فالرابطة بين المسلمين هي رابطة العقيدة الإسلامية فقط.
- وأشكال القرابة والنسب لا قيمة لها أبدًا إذا تعارضت وروح العقيدة وأوامرها.
-ودرس بدر رفض للقومية العنصرية التي أسس بذورها النصارى في بلداننا المسلمة لتكون البديل عن العقيدة الإسلامية، الأمر الذي يزيح التشريع القائم على هذه العقيدة عن التحكم بشؤون الحياة.
درس في الشورى:
قبل بدء المعركة جلس الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه ليشاورهم في الأمر الذي فوجئوا به بعد أن أفلت منهم العير وطلع عليهم النفير العظيم المدجج بالسلاح الكامل... عندما نتأمل هذا نقف على حقيقة أساسية في هذا الدين الحنيف وتشريعه الملائم لكل زمان ومكان ألا وهو: التزامه صلى الله عليه وسلم مبدأ التشاور مع أصحابه،
● انتصرت العقيدة على جميع أشكال العصبية في رمضان.. في بدر الكبرى!
وإذا استعرضنا حياته وجدنا أنه كان يلتزم هذا المبدأ في كل أمر لا نَص فيه من كلام الله تعالى، مما له علاقة بالتدبير والسياسة الشرعية، ومن أجل هذا أجمع المسلمون على أن الشورى في كل مالم يثبت نَص ملزم فيه من كتاب أو سُنة، أساس تشريعي دائم لا يجوز إهماله، أما ما ثبت فيه نَص من الكتاب أو حديث من السُنة أو أبرم الرسول صلى الله عليه وسلم حكمه، فلا شأن للشورى فيه ولا ينبغي أن يقفي عليه بأي سلطان.
● السياسة الشرعية في الحرب والصلح:
هناك سياسة شرعية تخضع لها حالات الغزو أو المعاهدات أو الصلح بين المسلمين وغيرهم. وبيان ذلك أن مشروعية فرض الجهاد من حيث الأصل حكم تبليغي لا يخضع لأي نَسخ أو تبديل، كما أن أصل مشروعية الصلح والمعاهدات ثابت لا يجوز إبطاله أو اجتثاثه من أحكام الشريعة الإسلامية، غير أن جزئيات الصور التطبيقية المختلفة كذلك تخضع لظروف المكان والزمان وحالة المسلمين وحالة أعدائهم، والميزان المحكم في ذلك إنما هو بصيرة الإمام المتدين العادل، وسياسة الحاكم المتبحر في أحكام الدين مع إخلاص في الدين وتجرد في القصد، إلى جانب اعتماد دائم على مشاورة المسلمين والاستفادة من خبراتهم وآرائهم المختلفة.
فإذا رأى الحاكم أن من الخير للمسلمين ألا يجابهوا أعداءهم بالحرب والقوة وتثبت من صلاحية رأيه بالتشاور والمذاكرة في ذلك فلة أن يجنح إلى سلم معهم لا يصادم نصًّا من النصوص الشرعية الثابتة ريثما يأتي الظرف المناسب والملائم للقتال والجهاد، اللهم إلا إذا داهم العدو المسلمين في عقر دارهم وبلادهم فإن عليهم دفعَهُ بالقوة مهما كانت الوسيلة والظروف، ويعم الواجب في ذلك المسلمين والمسلمات كافة بشرط توفُّر مقومات التكليف، وطالما أن بدر معركة دخلت في مقام مجابهة النوع الأول من العدو فقد دل هذا على أن للحاكم أن يحمل رعيته على القتال والدفع إذا ما رأى المصلحة والسياسة الشرعية السليمة في ذلك الجانب.
● العيون والمراقبون:
يجوز للإمام أن يستعين في الجهاد وغيره بالعيون والمراقبين، يبثهم بين الأعداء ليكشف المسلمون خططهم وأحوالهم. وليتبينوا ما هم عليه من قوة في العدة والعدد، ويجوز اتخاذ مختلف الوسائل لذلك، بشرط ألا تنطوي الوسيلة على الإضرار بمصلحة هي أهم من مصلحة الاطلاع على حال العدو، وربما استلزمت الوسيلة تكتُّمًا أو نوعًا من المخادعة أو التحايل، وكل ذلك مشروع وحسن من حيث إنه واسطة لابد منها لمصلحة المسلمين وحفظهم.
وقد جاء في كتب السيرة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل قريبًا من بدر ركب هو ورجل من أصحابه حتى وقف على شيخ من العرب فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم، فقال الشيخ لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما، فقال عليه الصلاة والسلام، إذا أخبرتنا أخبرناك، فقال: أذاك بذاك؟ قال نعم، فأخبر الشيخ بما يعلم من أمر المشركين وبما قد سمعه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حتى إذا فرغ من كلامه قال: فممن أنتما؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نحن من ماء، ثم انصرف عنه، فأخذ الشيخ يقول: ما من ماء؟ أمن ماء العراق؟
● طبيعة اليهود والمنافقين في الدسيسة والإرجاف:
وكان الفريقان يسكنان المدينة إبان بدر، وكانوا يتوقعون هزيمة المسلمين، لذا فقد قام كل من المنافقين بتنظيم حملة ضخمة من الشائعات المرجفة، بهدف بلبلة الأفكار وخلخلة المسلمين، وكان أن أشاعوا في المدينة خبر مقتل الرسول عليه السلام وأشاعوا هزيمة المسلمين وتمزق جيشهم منذ بدء المعركة، وعلى الرغم من
وصول أخبار نصر المسلمين، فقد حاول اليهود والمنافقون تكذيب هذه الأخبار، حتى إن أحد المنافقين عندما شاهد زيد بن حارثة يركب القصواء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم هتف: «لقد قتل محمد وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدري ما يقول من الرعب، وجاء فلًّا أي مهزومًا، كما قالت اليهود ما جاء زيد إلا فلًّا، وكان لهذه الإرجافات والإشاعات المتلاحقة بعض الأثر في نفوس المؤمنين في المدينة وقلقهم، حيث ظلت فئة منهم تترقب عودة جيش المسلمين لتقف بنفسها على حقيقة النصر الذي كتبه الله للفئة المؤمنة.
ولما عاد المسلمون ومعهم أسرى قريش صُعق المنافقون واليهود وخافوا على أنفسهم، فما كان من بعض اليهود إلا أن أعلنوا إسلامهم زورًا وبهتانًا بسبب الخوف، فازداد عدد المنافقين في المدينة، وكان على رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول الذي نصح أصحابه بإعلان الإسلام؛ ليكيدوا للإسلام من داخل صفوفه بهدف إسقاط الدعوة الجديدة، وظلوا يتربصون الدوائر لإسقاط الدعوة ويرسمون الخطط للإيقاع بالنبي عليه السلام وينتهزون الفرصة المواتية لتفكيك وحدة أصحابه وإضعاف قوَّتهم.
- إنها طبيعة اليهود التي لا ينفكون عنها في كل زمان ومكان.
- والمنافقون هم العملاء التابعون للخط اليهودي داخل الصف الإسلامي وما أكثرهم هذا اليوم.
-أما المسلمون.. فالصبر واليقظة والاستعانة بالله، كل ذلك كان باب النجاة من كيد اليهود والمنافقين الذين تسربوا إلى صفوف المسلمين.
بقي أن نعلم أنه مهما كان مكر أهل الكفر والزندقة والنفاق عظيمًا فإن الله لهم بالمرصاد وهو الذي يرد على هؤلاء بقوله سبحانه ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (سورة الأنفال:30). صدق الله العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل