; ضرورة التنسيق (۱۹۹۱م) | مجلة المجتمع

العنوان ضرورة التنسيق (۱۹۹۱م)

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1996

مشاهدات 99

نشر في العدد 1188

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 13-فبراير-1996

مذكرات

صفحات من دفتر الذكريات (٨٥)

لقاءات مع عباس مدني ومحاولات للتوفيق بينه وبين محفوظ النحناح

جاء إلى مكة الشيخ عباس مدني لأداء العمرة، وكانت فرصةً تحدثنا فيها طويلاً، وقد فهمت من أحاديثي معه ومع غيره أن الجماهير تدفع الجبهة دفعاً لرفع شعارات تثير الحكومة وجبهة التحرير الحاكمة، وقد تؤدي إلى التصادم معها، وقد حذرته من ترك زمام الجبهة في يد عامة الجماهير العاطفية الثائرة ضد النظام والحزب الحاكم، وطلبت منه إلا يجاري الجماهير في هذا الاندفاع كما اقترحت عليه ألا يحاول توسيع نطاق عمل جبهة الإنقاذ، وأن يكتفي بالعمل السياسي والحزبي، ويترك مجال الدعوة والتربية لجماعة الإخوان في إطار: «جمعية الإرشاد»، كما أوضحت في رسالتي التي تركتها له في الجزائر، بل أضفت لذلك رأيي بعدم الاسترسال في التشهير بجبهة التحرير؛ لأن لها دوراً لا يمكن تجاهله في المعترك السياسي.

قلت له: إنها أقرب الأحزاب إلى جبهة الإنقاذ، ويجمع بينهما العروبة والوطنية الصادقة والعمل المقاومة المؤامرات الأجنبية ولذلك فإنه في حالة وجود توازن بينهما، فإن النظام الديمقراطي سيكون سليمًا، ويكون هناك تداول حقيقي للسلطة، ويمكن لهما أن يقفا صفًا واحدًا لمواجهة المؤامرات الخارجية التي تمول تیارات فرانكفونية، أو إلحادية، أو انفصالية، أو علمانية، تمثلها في الغالب أحزاب مصطنعة لا تستند إلى رصيد شعبي، ولذلك فإن كثيرا منها تستجدي الدعم والتوجيه الأجنبي المعادي للعروبة والإسلام، وتعوق التقدم الحقيقي الذي يتوقف عن التقارب والتضامن مع جميع الشعوب العربية والإسلامية والإفريقية المتحررة، هذه الأحزاب المصطنعة العميلة للقوى الأجنبية بعضها لا يجد وسيلة للبقاء إلا التعاون مع السلطة القائمة مهما تكن سياستها، وبعضهم يدفعها دفعاً للارتباط بالنفوذ الأجنبي. 

قال لي عباس مدني إن له عتابًاً على الإخوان المسلمون؛ لأنهم يعطون للشيخ محفوظ النحناح "كارت بلانش"، أي تفويضاً مطلقا جعله يعتبر الدعوة ملكاً شخصيا له ويسير في الجزائر في طريق التعاون مع الحكومة ومساعدتها، لوقف دعاية الجبهة وتعطيل نشاطها بمناوشات كثيرة.

 وذكر لي أنه حضر إلى مكة في موسم الحج الماضي وقابل المرشد، وأبدى له رأيه فيما يقوم به الشيخ محفوظ لكنه نصحه بالتفاهم مع محفوظ فغضب لذلك وانصرف عنه وعن الإخوان في الجزائر، وبدأ العمل مع العناصر الإسلامية الأخرى، وأنشأ هذه الجبهة التي يقاومها الآن الشيخ محفوظ ومن معه.

اقترحت عليه أن يكتب خطاباً للمرشد ووعدته بأن أقوم بمحاولة التوفيق أو التنسيق بينهم، فرحب بذلك وكتب الخطاب، واتفقنا على أن يرسله إلى القاهرة مع أحد أصدقائه، "وعندما عدت للقاهرة وجدت أن المرشد قد أعَدَّ خطابًاً مشجعًاً للرد على هذه الرسالة، فاقترحت عليه أن أحمل الرد معي لأسلمه بنفسي للشيخ عباس مدنى، لأنني اعتزمت الذهاب للجزائر لحضور ندوة عن قضايا المستقبل الإسلامي".

كان المنظم لهذه الندوة هو الأستاذ محمد الهاشمي الحامدي أحد المحررين في الشرق الأوسط في ذلك الوقت بالتعاون مع السلطات الجزائرية التي كان يمثلها مركز البحوث الاستراتيجية الجزائري، ويراسه صديقي القديم السيد محمد يزيد... وعندما وصلت إلى مطار الجزائر وجدت أن جميع الجهات الرسمية تعمل لإنجاح هذا اللقاء، وكان يمثل الحكومة الأستاذ محمد يزيد الذي عملت معه مدة طويلة عندما كان في فرنسا، وقد سر بلقائي وحدثني كثيراً عن الندوة وأهدافها، وأوضح لي أن الرئيس بن جديد يريد إلا تأخذ الندوة صفة رسمية، وأن يبقى لها طابعها الشعبي، ولذلك دعوا لها عدداً من قادة الفكر العربي والإسلامي، وخاصة من الإخوان المسلمون في مصر والجزائر، وقد توقعت أن يكون معهم عباس مدني وعلي بلحاج وعندما وصلت إلى فندق الأوراسي، اتصلت بالشيخ عباس مدني فحضر إلي، ولما سألته عن مشاركته في الندوة، قال: إنه لم توجه له دعوة لذلك، رغم أنهم دعوا كثيرًاً من العناصر الإسلامية في الداخل والخارج، وسارعت بمقابلة الأستاذ الحامدي وسألته لماذا لم توجه دعوة للشيخ عباس مدني وقادة جبهة الإنقاذ، قال: إنه دعاهم، ولكنهم احتجوا بأنهم لا يحضرون ندوة تنظمها الحكومة وتنفق عليها، فقلت له إن الشيخ عباس مدني قال: إنه لم تصله أيَّة دعوة، ولا يليق أن يكون بعيدًاً عن هذا اللقاء، واقترحت عليه أن يعطيني دعوة مكتوبة للشيخ عباس، لأقدمها له بنفسي حتى لا يكون له عذر، فوعد بذلك لكنه تهرب .. وماطل ولم يفعل شيئًا، وفهمت أن هناك مانعًا سياسيًا، وفي أحاديثي مع الأستاذ محمد يزيد أدركت أن الحكومة لا تحرص على مشاركة الجبهة في هذا اللقاء، مما استنتج منه البعض أن هدف المنظمين للندوة هو عزل ذوي الفكر الإسلامي في خارج الجزائر عن جبهة الإنقاذ الجزائرية، لكنهم لم ينجحوا في ذلك، لأن كثيراً من المدعوين للندوة التقوا بالشيخ عباس مدني»، وزاروا مقر الجبهة في العاصمة، بل إن منهم من أخر عودته لبلاده وذهب إلى بعض الاجتماعات التي تنظمها جبهة الإنقاذ في الأقاليم، أما أنا فقد قللت من حضوري في اجتماعات الندوة واكتفيت بتلخيص البحث الذي أعددته لها عن نموذج مقترح لمواجهة الحكم الشمولي في المستقبل، وكنت أقضي أغلب وقتي في لقاءات مع الشيخ عباس وأصحابه كلما سنحت لي الفرصة، بل اقترحت على قادة الإخوان المصريين أن يعقدوا اجتماعاً للتقريب بينه وبين الشيخ محفوظ النحناح، وعقد هذا الاجتماع فعلاً بمطعم الفندق، وجاء الشيخ عباس وتعشى معنا وجلس مع الجميع وعندما بدأنا الحوار تجمعت عناصر كثيرة من الحاضرين في المطعم، وبدأ بعضهم يتدخل في الحوار، فاحتج الشيخ عباس وطلب إنهاء الجلسة، لأن المكان لا يصلح لهذا الحديث، وقد اندس فيه بعض عملاء المخابرات.. فلا بُدَّ من مكان آخر.

تكررت لقاءاتي مع الشيخ عباس مدني في غرفتي بالفندق، وكان عدد من المشاركين في الندوة من المصريين يشاركون في هذه اللقاءات وفيما يخص الندوة اقترحت عليهم أن تتحول إلى مؤسسة دائمة تنظم لقاءات، وتتخذ المواقف الضرورية للتنسيق بين الهيئات الإسلامية حتى لا تشغلهم المنافسات والخصومات فيما بينهم عن مواجهة القوى الأجنبية المعادية للإسلام، واقترح الدكتور يوسف القرضاوي أن تكون بدايته تأسيس اتحاد للكتاب الإسلاميين ووافق عدد منهم ووقعوا بياناً لذلك، لأنهم اعتقدوا أن الجزائر سوف تحتضن المشروع، واقترحت على المنظمين للندوة إدخال ذلك في توصيات الندوة لكنهم ماطلوا ... وتهربوا، وأعتقد أن سبب المماطلة هو أن منظمي اللقاء أحسوا أنني على علاقة وثيقة مع الشيخ عباس، وقادة الجبهة.

إنني عرضت هذا الاقتراح فعلاً على الشيخ عباس، فوافق عليه، وبدأت العمل له على هذا الأساس، ولما سافر عباس خارج العاصمة طلبت من أحد أصدقائي أن يتصل بالشيخ علي بلحاج، لكي التقي معه، وحضر فعلا م مع أحد أصدقائه. ولكنه رفض دخول الفندق فركبت معه السيارة وجلسنا نتحدث فيها في أحد الطرق القريبة من الفندق، وشمل حديثنا أموراً عديدة منها هذا الاقتراح فوافق عليه، ثم دعاني أحد أصدقائنا الدكتور صديق التاوتي، ودعاه أيضاً للغداء معه في منزله، وكانت فرصة أخرى للحوار ركزت فيها على فكرة الوحدة الإسلامية والتضامن بين جميع الهيئات والتنسيق بين جميع عناصر التيار الإسلامي، وهذا التنسيق يستلزم تخصص كل منها بإطار معين إقليمي أو نوعي حتى لا يحدث تزاحم أو تنافس أو خصام فيما بينهم. 

وفي إحدى زياراتي لمقر جبهة الإنقاذ حضرت اجتماعاً للجنة التنفيذية للجبهة، وكان من بينهم من عرفتهم من قبل شخصيا وآخرون كانوا يعرفون الإخوان قديماً. ويتابعون نشاطهم ويؤيدونه، لكن البعض أعلن عتابه لقادة الإخوان في مصر بسبب سكوتهم عن الخطة التي يسير فيها الشيخ النحناح ويعتبرونها منحازة للحكومة وممالئة للسلطة ولجبهة التحرير.

قال لي الشيخ عباس : إنه بصدد إعداد برنامج للجبهة، وطلب مني أن أعاونهم في ذلك. ووعد بأن يرسل لي مسودته لأطلع عليها وأبدي ملاحظاتي بشأنها، ووافقت على ذلك.

وتأكيدًا لما قلته له ولإخوانه سلمته ورقة تبين بوضوح رأيي في ضرورة التنسيق بينه وبين الإخوان أي "جمعية الإرشاد"، بل وبين جبهة التحرير الوطني أيضًا، وأن يكون محور عمل الجميع ومنهاجهم هو فكرة الوحدة الشاملة سواء في الإطار المغاربي أو العربي أو الإسلامي، وسوف أعرض نصها على القارئ؛ لأن التنسيق المطلوب لا يقتصر على الحركات الإسلامية، بل يشمل كل الاتجاهات الوطنية الأصيلة التي تقاوم النزعات الإلحادية والانفصالية والعميلة للقوى الأجنبية ... مهما تكن الشعارات التي ترفعها ..

(*) أستاذ القانون الدولي السابق بجامعة القاهرة.

الرابط المختصر :