العنوان صناعة الأمل «۲ من ٢» إرهاصات وبشارات من مصر
الكاتب محمد صادق عوض
تاريخ النشر السبت 04-مايو-2002
مشاهدات 65
نشر في العدد 1499
نشر في الصفحة 56
السبت 04-مايو-2002
من طرق استخفاف الحاكم بشعبه الضرب على أوتار الشهوات مع التضييق وكبت الحريات
في وهم الطغاة أنه لا صوت يعلو فوق نعيقهم، ناسين أن «الله أكبر»، ففرعون ما دفعه إلى العلو سوى أنه استخف قومه فاطاعوه ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (الزخرف:54)، استخفافًا يعقبه قهر، وتسلط والعرش المهتز يدفع صاحبه للبطش دائمًا والنكال بالمستضعفين، ظنًا منه أن ذلك يقوي عرشه، ويبقي هيمنته الزائفة وما علم أن هذه بداية نهايته:
للاستخفاف طرق شتى تؤدي بالشعب إلى الاستذلال والاستعباد، فالحاكم يضرب على أوتار الشهوات ويغرق فيها شعبه مع التضييق وكبت الحريات، ورصد ذوي العقول المبدعة ويبلغ به الحمق منتهاه، فيظن أن سير الحياة هبة منه يجب أن يحمده الناس عليها، بل ويمن بذلك على شعبه ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ (الشعراء:18).
لما اعتاد القهر والتسلط وسلب الناس حقوقهم كان أقل متنفس ينالونه من حقوق منة منه وهبة، كأن القهر صار أصلًا، وما للشعوب إلا أن تكون صدى يرجع ما قال فرعون.
ولو وجد الطاغية من يقف في وجهه لما تجبر، فلا صدى إلا في الفراغ لذلك أوقفه موسى عند حده وقال له: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا على أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إسرائيل﴾ (الشعراء:22)، فاتخذ فرعون بني إسرائيل عبيدًا وسخرهم في الشاق من الأعمال واستذلهم، وبرغم ذلك كله يعد ذلك تكرمًا منه!
والفراعنة يستخدمون أساليب الخداع والإيهام كافة، ويسخرون الدولة وأجهزتها ومرافقها لخدمة مصالحهم وأطماعهم.
الإعلام كان متمثلًا في سحرة فرعون، فلقد برعوا في الإيهام والتلبيس والخداع، ثم ها هم مهرة في صناعة وتهيئة الرأي العام وحشده وفق هوى الفرعون وترديد ما يريدون بين الناس، وتهويل الأحداث والمبالغة في معطياتها فانظر إلى فرعون حينما فزع من أمر موسى وأتباعه ﴿إنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أو أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (غافر:26) ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (الشعراء:35) والتهوين من الأمر نفسه والتقليل من تبعاته ﴿إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ (الشعراء:55).
والقول ما قال فرعون والرأى ما رأى، فهو الحاكم الأوحد، ورأيه دائمًا - في معتقده الباطل - صحيح ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر:29).
تأمل الأسلوب ترى عجبًا «أُرِيكُمْ» فهو المتسلط المتحكم الذي لا تمر الرؤية إلا من خلاله، وطبيعي ألا يمر إلا ما يريد وباللون الذي يصبغ به الصور، وبالقدر الذي يريد وتقوى الصورة وتضعف حسب حاجة الفراعنة لا حسب مصلحة الشعوب «إِلَّا مَا أَرَىٰ» رؤية الشعوب في عرف الطغاة لا يجب أن تنفصل أو تختلف عن رؤيتهم واحتواء الأسلوب على وصفية الرشاد والاهتداء للتبعية الفرعونية «سَبِيلَ الرَّشَادِ» لهي غاية الكبر والغطرسة المسيطر على الطغاة، فهم لا يرون إلا الصواب الدائم لأفعالهم والسداد لآرائهم.
ديناميكية الأسلوب
«أسلوبان للحصر -التعبير بالمضارع - وإسناد الفعل للمتكلم المفرد بالضمير الغائب ثلاث مرات - ضمير الجمع «كم» جاء مرتين في حال كلامه عن نفسه، مما يوحي بالديكتاتورية المتسلطة المعلنة، وصفة الرشاد الكاذب والاهتداء الواهم».
ما أوقف فرعون في اندفاعه إلا مؤمن من آل فرعون ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر:28).
رجل صحت رجولته فقام وقال كلمته التي سجلت في كتاب رب العالمين ونتعبد الله بتلاوتها إلى يوم القيامة.
الداخلية والأمن: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَىٰ﴾ (النازعات:23) ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ (الشعراء:53).
إعلان حالة الطوارئ: ورفع حالة الاستعداد القصوى ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ (الاعراف: ۱۲۷).
إعلان الحرب: وملاحقة المعارضين ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾ (الشعراء:60).
النهاية ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ (طه:78).
ومضة بارقة: اليم كان سبب نجاة موسى، وكان فيه نهاية فرعون وجنوده، فالمكان واحد ولكن النهاية متباينة.
ويوسف – عليه السلام - صبر حتى مكنه وحكم مصر، فمن البئر إلى القصر إلى حكم مصر.
رؤى ورموز: قصة يوسف فيها رؤى وقعت، ورموز فسرت، فما أكثر رؤى الصالحين بالسيادة والتمكين.
موسى ويوسف في مصر: علاقة واستشراف
علاقة فريدة ولفتة عجيبة: لماذا تدور الأحداث في هاتين القصتين في قمتها بمصر؟
لماذا تبدأ مع كل منهما منذ صغره؟ وهذا يكون في اليم، وهذا يكون في البئر، ثم يكون الاثنان في القصر، ثم الابتلاء والتمحيص، ثم السيادة والتمكين.
قانون التمكين:
﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: ۱۲۸)
فمن جاهد وصبر قيل له: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (يوسف:99).
بوارق الأمل: من الألم يتولد الأمل، وذلك إذا قوي هذا الأمل واعتصر النفس، وكان للنفس زادها، وشعت بأنواره وعم إشراقه.
توافق عجيب: حروف الألم هي نفسها تعطي الأمل مع قلب خفيف، ولكن هذا القلب الحرفي لا بد أن يحتويه قلب مملوء بنور الله واليقين بنصره، فكلما اشتد الألم قرب النصر، ومع الألم نرى الملأ يتآمرون ويكيدون ويتربصون بأهل الحق ﴿إنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (القصص:20).
ومع الألم يكون التئام الصف ووحدته في مواجهة المحن والشدائد.
«ألم - أمل - ملأ - لأم – مال» تقليبات الكلمة في داخل دائرة الصراع إيحاء وتعبيرًا، فإذا ألقيت الأضواء الاستشفافية كشفت مكنونات الألفاظ فشع نور الأمل.
من أنواع الأمل
مع اختلاف الواقع وحال النفس الإنسانية قوة وضعفًا تتباين الآمال:
1- الأمل اللاهي: هو أمل العابثين القاعدين، من غفلت وماتت قلوبهم، وتلهوا بالتوافه وشغلوا بالصغائر ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (الحجر:3).
2-الأمل الواهم: أمل أهل الوهم والسراب وهو أمل خادع لأنه أمل المخادعين الذين لم يسيروا مع الحق، ولطالما عملوا وما أكثر ما أرهقوا أنفسهم ولكن ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ (الفرقان:23)، أمل الظامئ، ولكن لا شراب هو أمل السراب الذي نهايته حسرة ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (النور:39).
3-الأمل الوئيد: هو أمل الواقع المرير والخطب الشديد.. يجعل أهله يستبطئون النصر، ويستعجلون بالموعود: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة:214).
4-الأمل الوليد: هو الأمل الذي خرج من النصر، ويطمح بالتمكين ولا يقف عند حد معين. فهو أمل حر طليق يرنو إلى الأستاذية ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ (الأحزاب:39)، ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (غافر:51)
5- الأمل الواثق: ينبع من داخل النفس أولًا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾، (الأنعام:82) أمل: يجوب يملؤه يقين بامتداد دعوة الحق ﴿فِي بُيُوتٍ إذًا اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ﴾ (النور:36).
وهو أمل المنطلقين بشعاع هدى اليقين.
6- الأمل الجريح: أمل جراحاته تنزف وآلامه بالقلوب تعصف.
فيعقوب – عليه السلام - حينما فقد يوسف كان على يقين بعودته، ولكن بعدما طال صبره وقوي أمله بعودة يوسف، إذا به يفقد ابنًا ثانيًا، ولكن ما تسرب اليأس إلى قلبه ولا نسج الوهن خيوطه، بل زاد اليقين ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (يوسف:83).
إن حال أمتنا اليوم هو حال يعقوب – عليه السلام - فنحن نأمل ونحلم بعودة أوطان مسلوبة وتحرير شعوب مقهورة مظلومة، وبينما نحن كذلك يفجؤنا سلب أوطان جديدة وتنزف جراحات أخرى، ولكن لنا في الله غاية الأمل وإن كان الناس يرونها أوهامًا، فإنا نراها حقائق واقعة فأحلام اليوم حقائق الغد إن شاء الله.
فليكن لنا قول يعقوب معلمًا ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (يوسف:83).
والأمل الجريح لا ينسى جراحات الماضي.. فهي محفورة في السويداء، ومدونة في سجل الذاكرة، وعالقة بشغاف القلوب، فليل الظلم لا يدوم.
وعندما جاء أبناء يعقوب، طالبين صفحه ودعاءه ما قال لهم: غفر الله لكم مباشرة، لكنه قال لهم: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (يوسف:98).
فمع العفو والصفح تبقى في النفس جراحات لا تبرأ، جراحات الكرامة التي ينتهكها الطغاة، جراحات الأمة الدامية، فالدماء التي تنزف لن تضيع سدى.
شعاعات الأمل
فأصحاب الأمل ينطلقون برغم أن الجراحات تنزف وبرغم ثقل قيود الطغاة.
وما زال حادي الركب يشدو:
لا تخافوا الليل يبقى *** أوشك الفجر يلوح
وشرور الظلم تمضي *** ودمى البـغي تطيح
يا جنود الحق صبرًا *** إن بعد العـسر يسرا
لا تخالوا السجن قهرًا *** رب سجن قاد نصـرًا
وصدى الحداء يردد:
الصـــــــبر زاد المؤمنين *** والنصر عقبى الصابرين