العنوان صفحات من دفتر الذكريات (۲۸) شكوى المغرب أمام هيئة الأمم (ديسمبر ١٩٥١م)
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-ديسمبر-1994
مشاهدات 111
نشر في العدد 1130
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 20-ديسمبر-1994
· اليهود قاموا بدور المنسق بين الدول الاستعمارية
لرفض شكوى الجامعة العربية بحق المغرب في الاستقلال عن فرنسا
بناء على طلب «عبدالرحمن عزام» والقسم القانوني
بالأمانة العامة للجامعة العربية قمت بإعداد مذكرة مطولة عن قضية المغرب، وعلاقة
المغرب كدولة بفرنسا، والمعاهدات التي تربط المغرب بفرنسا، التي تؤكد تمتعها
بالشخصية الدولية طبقا للقوانين الدولية، وقضية عزل «الملك محمد الخامس» وقدمتها
إلى الأمانة العامة.
وطلب مني «عبدالرحمن عزام»، أن أذهب مع الوفد الذي
سيتوجه إلى منظمة الأمم المتحدة في اجتماع الجمعية العمومية في باريس، ووافقت
الجامعة على سفري، وسافرت إلى باريس مع أعضاء الوفد الآخرين، ونزلنا في أحد
الفنادق قرب الشانزليزيه، وكان قريبا أيضا من قصر شايو، الذي تعقد فيه الجمعية
العمومية، وسبق أن عقدت فيه اجتماعها في عام 1948م، وهي الدورة التي حضرتها مع
الوفد اليمني برئاسة «سيف الإسلام عبدالله» نجل الإمام يحيى في باريس.
كانت هناك لجنة تمثل حزب الاستقلال المغربي في
فرنسا، وكان يرأسها عبدالرحيم بو عبيد، وكان معه عبدالله إبراهيم وطلبة آخرون،
وكنت على اتصال دائم بهم، وقدموا لي أحد طلاب الحقوق في فرنسا في ذلك الوقت، وهو
الأستاذ عبدالرحمن اليوسفي؛ ليكون حلقة اتصال بيني وبينهم، وقد بدأوا يزودونا
بالمواد التي تفيد في شرح قضية المغرب بما في ذلك بعض المعاهدات والكتب والوثائق
الرسمية. وكان من أهم ما قدموه لنا نص الخطاب الذي أرسله أول رئيس للولايات
المتحدة الأمريكية بعد استقلالها -وهو جورج واشنطن- موجها إلى سلطان المغرب يشكره
فيه على تفضله باعترافه باستقلال الولايات المتحدة وانفصالها عن بريطانيا، وتكوين
دولة مستقلة، وكانت المغرب هي ثاني دولة في العالم اعترفت بهذا الاستقلال بعد
فرنسا، وهذا كان فضلا كبيرا من المغرب وإشارة ودية إلى بداية عهد من العلاقات بين
الدولتين اللتين تعتبران في حكم الجارتين؛ إذ لا يفصل بينهما إلا المحيط الأطلسي.
وكان هذا الخطاب مكتوبا باللغة الإنجليزية، ولكنه صيغ بعبارات فيها كثير من الود
والتلطف والمجاملة التي يبديها رئيس دولة ناشئة مكونة من عدة مستعمرات بدأت
استقلالها، وتسعى لاعتراف دول العالم بها، تشكر دولة عظيمة عريقة في الاستقلال، بل
هي إمبراطورية المغرب في ذلك الوقت، لذلك كان يرجوه فيها أن يتوسط لدى أصدقائه
الذين يحكمون في شواطئ الجزائر وليبيا؛ لكي يمنعوا القراصنة من مهاجمة «السفن
الأمريكية» التي تجتاز البحر المتوسط والمحيط الأطلسي!
الجامعة العربية تعرض قضية المغرب
وقد قدمنا هذا الخطاب للسيد أحمد الشقيري - الأمين
المساعد للجامعة - في ذلك الوقت، والذي تولى إلقاء خطاب حماسي قوي في الجمعية
العامة باسم الجامعة العربية؛ دفاعا عن ملك المغرب ودولة المغرب والحركة الوطنية
المغربية، وكان خطابا مؤثرا تحمس له كثير من الحاضرين؛ لأنه وجه كلامه إلى
الأمريكان، الذين كانوا يحضرون في الجمعية العامة، ويقول لهم: لماذا تنسون صداقتكم
لملك المغرب الآن من أجل مساعدة فرنسا، التي غدرت به وبشعبه، وتسعى لمقاومة التيار
الوطني الذي دفعكم أنتم من قبل أن تثوروا ضد الإنجليز، الذين كانوا يستعمرون بلادكم،
وتحاربونهم للحصول على استقلالكم، ولماذا طلبتم الاستقلال لأنفسكم، وتساعدون إحدى
الدول الاستعمارية الآن لحرمان الدول الأخرى من استقلالها، وهذه فرصة لكم لتصححوا
موقفكم. وهكذا توالت الخطابات المؤيدة لقضية المغرب، ولكنها كانت طبعا محصورة في
دائرة الدول العربية، وبعض الدول الآسيوية ودول أمريكا اللاتينية.
وكان الفرنسيون يقومون بحملة شديدة جدا في الصحافة
ضد الجامعة العربية وضد الحركات الوطنية لشمال إفريقيا وضد مصر والدول العربية،
التي رفعت الشكوى، وقالت: إنها تريد إهانة فرنسا في بلادها وإذلالها أمام المجتمع
الدولي، وإن ذلك نتيجة نجاحهم في سوريا ولبنان، ويريدون تكراره في المغرب، وهذا
أمر خطير.
وكانوا يوجهون التهديدات والتحذيرات للدول الغربية،
وخصوصا بريطانيا في أنها سوف تشرب من نفس الكأس إذا استمرت في تشجيع الحركات
الوطنية في شمال أفريقيا أو الدول العربية طبعا.
وكان اليهود يقومون بدور التنسيق بين الدول
الاستعمارية، وكان لهم تأثير في شراء الأصوات المؤيدة لفرنسا، وانتهت المناقشة
برفض الشكوى؛ لأن الدول العربية لم تكن تحظى بالأغلبية، ولم يؤيد الشكوى إلا سبعة
عشر عضوا فقط منهم ستة من الدول العربية، والدول الشيوعية أيضا كانت مؤيدة للشكوى،
ولكن المهم أنه في هذه الفترة كانت هناك علاقات دائمة بيننا وبين ممثلي الحركات
الوطنية الأفريقية والوطنيين من أبناء شمال أفريقيا الموجودين في باريس.
حفل للوفود العربية
منذ أول لحظة أرسل إليّ «مصالي حاج» أحد النواب
الجزائريين بطلب إقامة حفل للاجتماع مع وفود الدول العربية في الضواحي خارج باريس؛
لأنه ممنوع من دخولها، وقمت بإقناع «عزام»، وبعض رؤساء الوفود العربية الذين
وافقوا على حضور حفل شاي يقيمه لهم في أحد الفنادق في الضاحية التي فرضت عليه
الإقامة الجبرية فيها خارج باريس الكبرى، وتبعد عنها بمائة كيلو متر. وفعلا ذهب
عدد كبير من أعضاء الوفود، ولكن رؤساء الوفود العربية لم يذهبوا كلهم، وبعضهم أبدى
أعذارا متعددة؛ خوفا على علاقات بلادهم مع فرنسا.
وفي الحقيقة كان أول الحاضرين رئيس وفد باكستان وهو
«ظفر الإسلام خان»، الذي ألقى خطابا عن الوحدة الإسلامية والإسلام والتضامن
الإسلامي والأمة الإسلامية، إلى جانب الخطابات التي ألقاها «مصالي حاج» و«عبدالرحمن
عزام» وغيرهما من رؤساء وأعضاء الوفود العربية، وطبعا كان من بينهم الدكتور محمد
صلاح الدين - وزير خارجية مصر - في ذلك الوقت باعتباره رئيس وفد مصر الذي رفع
الشكوى ضد فرنسا من أجل ملك المغرب متحديا بذلك، والتي كانت نتيجتها أنها تآمرت مع
بريطانيا وبعض عملاء الاستعمار في مصر لإحداث حريق القاهرة الذي اتخذه «الملك
فاروق» مبررا لطرد الحكومة الوفدية، في الوقت الذي كنا في باريس بجوار الدكتور
محمد صلاح الدين، واضطر صلاح الدين أن يأخذ حقائبه ويعود إلى مصر بعد أن زالت عنه
صفة الوزارة، وكانت هذه فرصة لكثير من الشامتين من طائفة «العقلاء»! الذين كانوا
يعتبرون أن سياسته المعادية لبريطانيا سواء في ليبيا أو في المغرب أو في القضية
المصرية نفسها كانت تهورا يستحق أن يلقى جزاء الذي حصل فعلا، وقد رأس الوفد في ذلك
الوقت بعده الدكتور «محمود فوزي» الذي أعتقد أنه عين وزيرا للخارجية في الوزارة،
التي جاءت بعد حكومة الوفد.
إلى جانب هذا اللقاء مع «مصالي حاج» حدثت لقاءات
كثيرة مع مندوبي الاستقلال بالمغرب، ونواب الحزب الجزائري في باريس، أما التونسيون
فكانوا بعيدين عنا، مشغولين بالتفاوض مع الفرنسيين؛ لأنهم كانوا يطمعون في أن
يستثمروا مسلك الاعتدال؛ ليحققوا بعض المكاسب من فرنسا.
أعوان الاستعمار
إن منطق الاعتدال كان دائما في صالح الذين يبدون
استعدادهم؛ لكي يتعاونوا مع القوى الأجنبية ضد الأحزاب الوطنية، وهو الآن حجة جميع
الوطنيين القُطريين سواء رؤساء الأحزاب أو ممثلي بعض الحكومات الذين يضطهدون
التيار الإسلامي الذي يدعو إلى اعتبار الوطن شاملا للعالم الإسلامي كله على أساس
وحدة الأمة الإسلامية التي تفرضها الشريعة، تجاوبا مع الضغوط الأجنبية، ويحتجون
بأنهم معتدلون وضد «التطرف».
إن شعار الاعتدال يرفعه دائما الذين يظنون أنهم
يقدمون للقوى الأجنبية ما يرضيها، وعليهم أن يعترفوا بأن المنطق الوطني سوف يجعلهم
يقفون في منتصف الطريق إن كانوا صادقين، وأن هذا المنطق نفسه يؤدي إلى أن يطردهم
الاستعمار وأعوانه الذين هم أكثر اعتدالا منهم، كما كانوا هم أكثر اعتدالا منهم،
كما كانوا هم أكثر اعتدالا من الإسلاميين، وهكذا فإن منطق الاعتدال ينتهي بتسليم السلطة
للخونة؛ لأنهم أكثر اعتدالا في نظر القوى الأجنبية.
لقد سمعت أقوال الشامتين من أعضاء الوفود العربية،
التي كانت تسير وراء مصر في شكواها ضد فرنسا مضطرة ومكرهة أو من باب المجاملة،
والآن ينتقدون تطرفها وتهورها في نظرهم، وها هم أولاء الآن يتباهون بأنهم كانوا
أبعد نظرا، وأكثر اعتدالا من الدكتور «محمد صلاح الدين»، وقد سمعت أحد أعضاء الوفد
المصري يتكلم مع زملائه عن وزير الخارجية، ويقول: إنه كذا وكذا، فقال أحدهم: تقصد
«محمد صلاح الدين»، قال: إني أتكلم عن الأحياء ولا أتكلم عن الموتى! هذا كان سفيرا
لمصر وعضوا في الوفد المصري الذي كان مكلفا للدفاع عن «استقلال» المغرب ووحدة
ليبيا وسياسة مصر وحكومتها، هذا هو شعوره في أن الوفد وحكومته ووزير خارجيته كان
خاطئا؛ لأنه وقف موقفا متطرفا في القضايا الوطنية، وقضايا شمال إفريقيا.
الاستعمار يبعد حكومة الوفد التي وقفت مع المغرب
نجح أعوان الاستعمار في مصر في إخراج حكومة الوفد
من الحكم، عقابا لها على موقفها ضد الاستعمار في القضايا المصرية والليبية
والمغربية، وحل محلها «وطنيون» أيضا، ولكنهم أكثر اعتدالا من الوفد، وتمنيت أن
يذكر الوفد أنه عندما رفض عودة «الإخوان» قد استعمل حجة الاعتدال، والآن يرى أن
الاعتدال هو حجة الملك وأعوانه الذين طردوهم وحلوا محلهم، ولم يعد الوفد للحكم منذ
ذلك التاريخ، وحل محله في الحكم الوطني من كان يعتبرهم من الخونة، ومن تخلوا عن
الوحدة مع السودان؛ لأنهم أكثر اعتدالا من الوفد الذي قال زعيمه من قبل: «تقطع يدي
ولا تقطع السودان».
وأخشى ما أخشاه أن يختار بعض الوفديين الدخول في
منافسة مع هؤلاء الذين تخلوا عن السودان، وأن يغروهم بطريق المزايدة في الاعتدال
والعداء للسودان والقطيعة معه، وتسليمه لدعاة «الإفريقية» المعادية للعروبة
والإسلام، وأتمنى أن يوضع في صحيفة «الوفد الجديد» شعار تقطع به ألسنة الذين
يثيرون الفتنة بين مصر والسودان.
لقد عدت إلى مصر وأنا متشائم لأننا تقريبا فشلنا في كل الجبهات.. قضية مصر انتكست كما رأينا بعد حريق القاهرة، وقضية ليبيا فشلنا فيها بفعل الإنجليز والسنوسي والوطنيين الذين تعاونوا معهم، وقضية الجزائر تسير من سيئ إلى أسوأ؛ بسبب الخلاف بين «مصالي» واللجنة المركزية، وقد شاهدت بعض فصول هذا الخلاف أمامي عندما كنت في باريس، فكان يتردد عليّ الإخوان الجزائريون، ويشكون من هذا التصدع والانشقاق في داخل الحزب، وحاولت إقناع أحد الطرفين بتجاوز هذه المسألة الصغيرة، لكني فشلت، وقضية تونس يحتكرها الزعيم «بورقيبة»؛ ليقدم لفرنسا ما تطلب مقابل حصوله على حكم داخلي يمكنه من تنفيذ خطط الاستعمار في إعدام المقاومة المسلحة؛ لأنهم «فلاجة»، والقضاء على جامعة الزيتونة، وعلمائها لأنهم عقبة في سبيل «الفرانكفونية» التي يتزعمها مع صديقه السنغالي «ليوبولد سنجور» (الكاثوليكي).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل