العنوان صفحات من دفتر الذكريات «37»: زيارة لبورقيبة عام 1954م
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-فبراير-1995
مشاهدات 84
نشر في العدد 1139
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 21-فبراير-1995
بعد أن فشلت مفاوضاتهم مع الفرنسيين أوائل عام
1952م على النحو الذي أشرت إليه سابقا، لجأ صالح بن يوسف وحمادي بدرة إلى مصر -
وأنا ما زلت في باريس - كما لجأ قبلهم الحبيب بورقيبة، واتصلت علاقاتي معهما بعد
عودتي من باريس في عام 1951م، وكنت أستريح للحوار معهما، ولذلك تكررت لقاءاتنا، في
حين أنني لا أذكر أنني جلست مع بورقيبة جلسة خاصة طوال فترة إقامته في مصر، ولم
يتيسر لي ذلك إلا في فرنسا نفسها، عندما كان في الإقامة الجبرية هناك في عام
1954م، ولهذا اللقاء قصة لها ما بعدها.
لقد قررت السفر إلى فرنسا في صيف 1954م في
مهمة من أجل القضية الجزائرية - كما ذكرت في موضع آخر - واخترت السفر إلى جنيف أولا،
وبناء على طلب أصدقائنا في القاهرة، اتصلت بالسيد صالح بن يوسف في فندق «متروبول»
على شاطئ البحيرة، وسُر بلقائي، وعندما عرفته أنني ذاهب إلى فرنسا في محاولة
للتوفيق بين التيارات المتنافسة في داخل «حزب الشعب»، قال لي: إذن فإنني أقترح أن
تقوم بمهمة مماثلة لنا، ولما أبدیت دهشتي لأنني لم أكن على علم بوجود أي شقاق داخل
حزبهم، قال: إن الأمر قد لا يختلف كثيرًا عما يحدث داخل الحزب الجزائري؛ لأن
بورقيبه يتجه إلى أن يسلك مسلك «مصالي» في «الاستنثار» بالقرارات، وقد بدأ فعلا
اتصالاته مع الفرنسيين وهو في الإقامة الجبرية، وقد جئت هنا لأكون على اتصال به تلفونيا،
وكذلك بالمسؤولين عن الحزب في تونس، ولكن كما تعلم هناك أشياء لا أستطيع أن أحدثه
فيها تلفونيا، لأنني متأكد أن هناك رقابة من جانب الفرنسيين، لذلك أرجو أن تذهب
إليه بنفسك، وتنقل له رسالتي شفويا، وتحاول إقناعه بوجهة نظري، وهي كما يلى:
انفراد بورقيبة باتخاذ القرار
«نحن نعلم أن وجود الرئيس في الإقامة الجبرية
يجعله تحت رحمة خصومنا، ويحول دون أن يتمسك بمواقف خشية أن ينتقموا منه في شخصه أو
حريته على الأقل، لذلك فإنني أريد أن تقترح عليه أن يحيل موضوع التفاوض مع
الفرنسيين إلينا نحن الذين في الخارج «أنا وحمادي بدرة» خاصة أننا كنا بدأنا
المفاوضات معهم في عام 1951م، وسنكون ممثلين له، ومقيدين بتوجيهاته، وإضافة إلى
ذلك فإنه يستطيع أن يتخلى عن أية مسؤولية عما نقوله أو نفعله إذا كان يترتب على
ذلك ضررٌ بشخصه أو القضية».
إن الفرنسيين لا يسمحون لأحد بزيارته إلا
بموافقته هو، وأعتقد أنك - باعتبارك مصريا وصديقا شخصيا - يمكنهم أن يسمحوا لك
بالزيارة إذا وافق هو على أنها مجرد مجاملة شخصية، والآن سأطلبه تلفونيا، وأخبره
برغبتك في زيارته أثناء إقامتك في باريس للاطمئنان على صحته وتجديد صلة الصداقة
معه.
سمعت الحديث التلفوني بين صالح بن يوسف
والحبيب بورقيبة، وفهمت منه أن الرئيس يرحب بهذه الزيارة لتخفيف ما يعانيه من عزلة
في المكان النائي الذي فرضت عليه الإقامة الجبرية فيه.
وزرت الرئيس بورقيبة فعلا، وتغديت معه، وجلسنا
مدة طويلة نتجاذب أطراف الحديث، ولم يكن معنا إلا زوجته الفرنسية التي لا تعرف
العربية، ولذلك لم تشترك معنا في الحديث، بل آثرت ألا تشترك معنا في الغداء لكي
نستطيع أن نتحدث بالعربية التي لا تعرف منها شيئًا، وما زلت أذكر كيف كانت تخدمنا
أثناء الطعام وحدها، ولم ألاحظ وجود خادم أو أي شخص آخر، لذلك طال الحديث وتشعب.
بدأت حديثي بأنني بالأمس زرت «مصالي الحاج» في
المدينة التي يقيم فيها إقامة جبرية، وأنه كان معنا الدكتور عبدالكريم الخطيب - من
زعماء المغرب - وأنني اتصلت به تلفونيا من تلك المدينة التي زرت فيها مصالي، وجئت
لزيارته، ولم يستطع أن يحضر معي الدكتور عبدالكريم الخطيب لاضطراره للعودة لباريس،
وتمنيت أن تتغير الأحوال لوضع أساس لوحدة الحركات الوطنية المغربية.
قال: إنني سمعت كثيرًا عن مصالي الحاج، ولكني
لم ألتق به، ولا أعرف عنه كثيرًا، ثم إن حزبه منشق على نفسه بصورة خطيرة، وحزبنا
يختلف وضعه؛ لأنه ليس فيه أي خلافات؛ لأنني المسؤول عنه، وأنا الذي أنشأته، ولا
يمكن أن يتخذ أي قرار إلا برأيي، وأنا لست مثل مصالي الذي قضى كل الفترة الماضية بعيدًا
عن بلاده في «الليمان» محكومًا عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة، فكان بعيدا عن الحزب
وشؤونه، وعن البلاد وأحوالها.
هذا هو الفرق بيني وبين مصالي، ولا أعتقد أن
لقائي معه سيكون له أية فائدة، ولا أظن أنه سيتم في يوم من الأيام، وعلى العموم
فإن موضوع وحدة شمال إفريقيا يمكن التفكير فيه بعد تحرر بلادنا واستقلالها، أما
الآن فكل حركة وطنية في تلك البلاد لها ظروف خاصة بها، ويصعب ارتباطها بالحركات
الأخرى في الوقت الحاضر.
قلت له: إن تونس تمتاز بأن فيها حزبا وطنيا واحدا،
ولا يوجد أي شقاق داخله، ونحن نهنئكم على ذلك، ولا اختيار لفرنسا إلا أن تتفاهم
معكم، وقد سمعت من بعض أصدقائكم أن فرنسا قد بدأت فعلا في التفاوض معكم.
قال: إنها مجرد اتصالات، ولكن لا يمكن الكلام
عن مفاوضات الآن.
قلت: بلا شك إن أول شرط للتفاوض هو إطلاق
سراحكم، أما قبل ذلك فإن السيد صالح بن يوسف قد طلب مني أن أبلغك رجاءه في أن يكلف
هو والسيد حمادي بدرة بتمثيل الحزب في المفاوضات إذا اضطررتم للبدء فيها قبل إطلاق
سراحكم، ووجدتم أن وجودكم في الإقامة الجبرية لا يسمح لكم بمباشرة التفاوض مع
الفرنسيين، خاصة أنهما هما اللذان بدءا المفاوضات عام 1951م.
قال: إنني أعرف ظروفهما في الخارج، قل لهما
إنني المسؤول عن الحزب وعن القضية، والشعب التونسي يعرف ذلك، فالشعب له زعيم واحد،
وهو لا يعرف إلا بورقيبة، ولا يثق إلا فيَّ، والفرنسيون يعرفون ذلك أيضًا، وأحب أن
تبلغهما أنهما لا يمكن أن يقوما بأي دور سياسي إلا إذا عادا إلى تونس، وإذا فرض
أنني أحتاج للاستعانة ببعض زملائي في الحزب، ففي تونس منهم كثيرون، ولا أستطيع
الاعتماد على من يقيمون في مصر في التحدث باسم الحزب مع أية جهة كانت، أنت نفسك
تعرف الأوضاع في مصر، والأساليب التي يتبعها العسكريون هناك إزاء العاملين في مكتب
المغرب العربي، وغيرهم ممن تعرفهم، ولا أظن أنك تصدق أنهم يتمتعون بحرية التصرف
كما يظنون.
قلت له: إنني التقيت بالسيد صالح بن يوسف في
جنيف، وليس في القاهرة، ولا شك إنه هو و«وبدرة» لن يترددا في دخول تونس أو فرنسا
ذاتها إذا رغبت في ذلك.
قال: قل لهما من الأفضل أن يعودا إلى تونس أولا،
وعند ذلك يمكن البحث عن المسؤوليات التي يمكن أن توكل إليهما، وهذا هو رأيي
النهائي، ويمكن أن تبلغه لهما.
التعاون في رصد الحركات الوطنية
لقد أفاض بورقيبة في وصف الأحوال في مصر، ورسم
صورة الحكم العسكري فيها بصورة كريهة منفرة، مستشهدا بوقائع معينة حدثت هناك له أو
لغيره، بعضها لا أعرفه شخصيا، مما أدهشني لوفرة المعلومات التي تبلغه هنا في هذا
المعتقل، وأثناء جلوسي في السيارة عائدا إلى باريس كنت أتساءل كيف تبلغه هذ
الوقائع؟ ومن يتطوع بذلك؟ وكيف يطلع عليها وهو في هذا المعتقل؟ وتنبهت إلى أنه ليس
في معتقل، مثل «مصالي الحاج»، وإنما إقامة جبرية، أو بعبارة هي أدق «ضيافة
إجبارية».
واسترجعت بعض ما سمعته من «مصالي حاج»، مما
يدل على أنه توفرت لديه تفاصيل عدد من الأحداث في الخارج، وخاصة في مصر، تكلم هو أيضا
عما يحيط بالقادة الجزائريين في مصر من ظروف؛ حتى إنه قال لي: إنهم إن استطاعوا أن
يفجروا الثورة في الجزائر كما يقولون، فإنهم سيجعلونها موجهة من الخارج أو من بعد Tele
guide، ولم يخطر بباله أنه في موضعه وظروفه في هذه
الضيافة الجبرية في وضع أقسى من ذلك، وأنه ليس موجها عن بعد، بل موجها عن قرب أو
كما يقولون Conditionne أي إن
فكره موجه عن طريق المعلومات التي تلقى في سمعه، أو التي يسمح لها أن تصل إليه
بصورة مباشرة أو غير مباشرة من أشخاص يسمح لهم بالدخول إليه، أو يصلون إليه
متطوعين في نظره، والله وحده يعلم حقيقتهم.
لقد تساءلت في نفسي: هل كان حواري - مع مصالي
ومع بورقيبة - حرا أو سريا كما تصورت، أم أنه كان تحت رقابة غير منظورة؟ وهل من
الممكن أن يضعهما الفرنسيون في الإقامة الجبرية، ويسمحون لكل منهما أن يقول ما
يشاء أو يسمع ما يشاء دون أن يطلعوا عليه بطريقة أو بأخرى؟ لقد تكون عندي يقين بأن
كل ما سمعته وكل ما قلته قد عرفه الفرنسيون، وأنني في الواقع كنت متتبعا، وتحت
رقابة كاملة، وقد تأكد لي بعد فترة من تحليل بعض الظروف والأحداث التي وقعت بعد
ذلك، وأخص منها الآن موضوع زميلي الأستاذ محمود حافظ غانم، وقلمي الذي نسيته معه،
وقد ذكرته في موضع آخر، ولا بأس من أن أشير هنا إلى بعض ما له علاقة بهذا الموضع..
كان في نيتي أن أذهب من باريس إلى فيينا
بالطائرة، ولكن عندما عدت لباريس آثرت أن أذهب بالقطار عبر ألمانيا بدلا من
الطائرة، وقد اتخذت هذا القرار بعد أن وصلتني برقية من أصدقائي في ألمانيا بذلك،
وكان هذا القرار مفاجئًا اتخذته ونفذته في نفس اليوم.
في اليوم السابق على هذا القرار كنت أسير في
شارع الشانزليزيه، وكنت ما زلت على نية البقاء في باريس حتى يقرب موعد المؤتمر في
فيينا، وأثناء سيري التقيت بأحد زملائي، وهو الأستاذ محمود حافظ غانم المحامي
بمكتب الأستاذ الدكتور سيد صبري، وسرنا معا بعض الوقت، ولما أخبرته بعزمي على
السفر إلى فيينا بعد فترة، وأنني سوف ألتقي بالدكتور سيد صبري، قال إنه يريد أن
يرسل معي رسالة إليه، وأنه يريد أن نلتقي قبل سفري، ووعدته بذلك، وأعطيته الفندق
الذي أنزل به، وتلفونه للاتصال بي، كما أعطيته قلمي ليكتب به، ونسيته معه، ونسيت
الموضوع كله لانشغالي بالسفر المفاجئ.
الفصل من الجامعة
بعد فيينا سافرت مع الأستاذ الدكتور سيد صبري
إلى القاهرة بالطائرة، ويوم وصولنا فوجئنا بخطاب من مدير الجامعة الأستاذ الدكتور
محمد كامل مرسى «بك»، يخبرنا فيه بصدور قرار من مجلس قيادة الثورة بفصلنا من
الجامعة، وقد سلم خطاب مماثل في نفس اليوم لـ44 من أساتذة الجامعات في أول هجوم
عسكري على جمعيات هيئات التدريس بالجامعات، وثابت في نص الخطاب أن القرار صدر في
شهر يوليو، ولكنه لم يبلغ لأحد، ولم يعلن إلا بعد عودتنا، بل في يوم وصولنا
للقاهرة.
وفي اليوم التالي لإبلاغنا بقرار الفصل، ذهبت
مع زميلي الدكتور عبدالمنعم الشرقاوي، والدكتور أمين بدر إلى مكتب الأستاذ الدكتور
سید صبري- الذي فصل معنا- لزيارته والتشاور معه فيما سنفعل بعد هذا القرار، وهناك
التقيت بزميلي الأستاذ محمود حافظ غانم الذي فاجأني بأن قدم لي قلمي الذي نسيته
معه، وقال لي: لم أكن أعرف أنك خطير بهذا القدر، إذ إنه بعد يومين من لقائي معك
حضر إليَّ اثنان من المخابرات، استجوباني لمعرفة أين تسكن، ولما أعطيتهما العنوان
قالا: إنهما يعرفان ذلك، ولكنهما يريدان أن أعرفهما بالمكان الذي انتقلت إليه بعد
أن غادرت هذا العنوان، وقد اعتذرت لهما بأنه ليس لدي ما يفيدهما في هذا الموضوع،
سوى أنك أخبرتني بأنك ذاهب إلى فيينا لحضور مؤتمر أساتذة الجامعات، وأنك ستلتقي
هناك بالدكتور سيد صبري، وتعودان معا للقاهرة، ويظهر أن هذه المعلومة أراحتهما،
ولم يعودا إليَّ بعد ذلك، ولما أعدت قراءة خطاب الجامعة، تبين لي أن واقعة السؤال
عني التي أشار إليها زميلي الأستاذ محمود حافظ غانم قريبة جدا من تاريخ صدور قرار
مجلس قيادة الثورة في مصر، وسألت نفسى عن علاقة هذا السؤال بقرار الفصل، وهل رجال
المخابرات الذين ذهبوا إلى الأستاذ محمود حافظ غانم كانوا يراقبونني أم يراقبونه؟
وهل كانوا يعملون لحساب المخابرات المصرية أو الفرنسية أو الاثنين معًا؟ وهو الرأي
الذي رجحته، لقد خطرت لي فكرة تأكدت فيما بعد من وقائع أخرى، أنه يوجد قدر كبير من
«التعاون» بين الجهتين يصل في بعض الأحيان إلى حد التداخل وتبادل المعلومات
والخدمات.
بعد أن عدت إلى مصر شغلت بموضوع فصلي من
الجامعة، وكذلك بمشكلة حزب الشعب الجزائري، إلا إنني استطعت أن أوصل رد بورقيبة
إلى السيد صالح بن يوسف قبل أن أعتقل في شهر أكتوبر.
بورقيبة في خدمة فرنسا
بقيت في السجن الحربي سنتين، وعندما خرجت علمت
أن بورقيبة قد اتفق فعلا مع الفرنسيين على حكم ذاتي محلي، وتولى رئاسة الحكومة، ثم
رئاسة الجمهورية، وأن السيد صالح بن يوسف أعلن معارضته لهذا الاتفاق، ورفض العودة
إلى تونس، أما زميله السيد حمادي بدرة فقد آثر العودة إلى وطنه، وتعاون مع
بورقيبة، وانتهى الأمر بأن عين سفيرًا لبلاده في روما، وقد زرته هناك في عام 1960م
في طريقي لزيارة تونس لحضور مولد الزعيم، أما زميله وصديقه السيد صالح بن يوسف فقد
حكم عليه بورقيبة بالإعدام غيابيًا، ثم أرسل من اغتالوه في أحد الفنادق بمدينة
فرانكفورت بألمانيا.
وكان هذا مصير المهدي بن بركة الذي أحدث انشقاقًا
في حزب الاستقلال بالمغرب حيث اغتيل في باريس في عام 1966م، وكلاهما كان لاجئًا سياسيًا
في مصر، وفي ضيافة أجهزة المخابرات المصرية، ويحظى بتشجيعها ورعايتها، لكن
الاغتيال وقع في أوروبا، وليس من المؤكد أنه لم يكن لهذه الأجهزة دور فيه، إذ إن
كثيرين يعتقدون أنه كان هناك تنسيق بين عدة جهات في هذه الموضوعات.
أما من اغتيل من الجزائريين فعددهم كبير، وهذا
موضوع آخر يحتاج إلى تفصيلات أذكرها في موضع آخر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل