العنوان في نطاق الغضبة الإسلامية العالمية ضدّ التهجّم على القرآن
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يوليو-1974
مشاهدات 79
نشر في العدد 211
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 30-يوليو-1974
• الشیخ ابن باز.. يسقط مفتريات بورقيبة ويدحضها
• العقاب المعجل.. سقوط السمعة.. وبراءة الأمة من الجاحدين
لا يظن أحد أن النيل من الإسلام أو التهجم على القرآن والرسول - صلى الله عليه وسلم- أمر سهل يمر دون أن يلحق بفاعله ما يستحق من قبح السمعة وتدهور المركز الأدبي والسياسي.
إن للمتطاولين على الإسلام عقابًا معجلًا في هذه الحياة الدنيا وهو إسقاطهم أدبيًا في العالم الإسلامي وبين أيدينا قضية واقعية هي أكبر دليل على هذه الحقيقة.
قضية تهجم بورقيبة على القرآن والرسول عليه الصلاة والسلام فما كاد هذا الشخص ينطق بكلمة الكفر حتى كر عليه المسلمون ومالوا عليه ميلة واحدة وردوا کلامه عليه بقوة ووضوح واعتبروه من الذين يحادون الله ورسوله فلا يقيمون له وزنًا ولا يكنون له ودًا﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ (المجادلة: 22)
لقد نشرت «المجتمع» أكثر من فتوى وأكثر من مقال ضد تصريحات بورقيبة ومفترياته.
وها هو الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة يرد على افتراءات بورقيبة ببحث مفصل ومكثف ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة.
وابتداء من هذا العدد تنشر «المجتمع» رد الشيخ بن باز في حلقات متتابعة بإذن الله.
حكم الإسلام فيمن زعم أن القرآن متناقض، أو مشتمل على بعض الخرافات، أو وصف الرسول- صلى الله عليه وسلم- بما يتضمن تنقصه، أو الطعن في رسالته، والرد على الرئيس إلى رقيبة فيما نسب إليه من ذلك:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فقد نشرت صحيفة «الشهاب» اللبنانية في عددها الصادر في ٢٣ - ربيع الأول ١٣٩٤هـ، الموافق ١ نیسان ١٩٧٤ م فقرات خطيرة من خطاب الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، الذي ألقاه في مؤتمر المدرسين والمربين، لمناسبة الملتقى الدولي ، حول الثقافة الذاتية والوعي القومي، يتضمن الطعن في القرآن الكريم بأنه متناقض، ومشتمل على بعض الخـرافات ووصف الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - بأنه إنسـان بسيط يسافر كثيرًا في الصحراء، ويستمع إلى الخرافات البسيطة السائدة في ذلك الوقت، وقد نقل تلك الخرافات إلى القرآن، وهذا نص ما نشرته الصحيفة المذكورة:
بورقيبة في خطاب بالملتقى الدولي حول الثقافة.
القرآن متناقض حوى خرافات، مثل قصة أهل الكهف، وعصا موسى!
عقد في تونس، أواخر الشهر الماضي، مؤتمر للمدرسين والمربين، لمناسبة الملتقى الدولي حول الثقافة الذاتية، والوعي القوم ، وقد ألقى الرئيس بورقيبة - رئيس الجمهورية التونسية الحالي، والرئيس المرتقب للجمهورية العربية الإسلامية، التي أعلن عن قيامها، على أساس الإسلام بين ليبيا وتونس - خطابًا طويلًا بالمدرسين نشرته الصحف التونسية على فقرات، وقد تعرض - الرئيس بورقيبة - لقضايا فكرية هامة، وأجرى عملية نقد جريئة وعلنية لنصوص قرآنية ثابتة، خلص إلى أنها متناقضة، حينا وخرافية، حينا آخر وقد نشرت نص الخطاب جريدة «الصباح» التونسية على جزأين في عددين صدرا بتاريخ ۲۰ و ۲۱ من شهر آذار، مارس الماضي، وقد عملت وسائل الإعلام الرسمية على حذف النقاط النافرة في الخطاب، وسنورد النقاط المحذوفة التي سمعت حية من الرئيس التونسي، ثم نورد ما نشرته جريدة «الصباح» حرفيًا:
1 - إن في القرآن تناقضًا لم يعد يقبله العقل بين ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا (التوبة: 51) و ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).
٢ - الرسول محمد كان إنسانًا بسيطًا يسافر كثيرًا عبر الصحراء العربية، ويستمع إلى الخرافات البسيطة السائدة في ذلك الوقت، وقد نقل تلك الخرافات إلى القرآن، مثال ذلك: عصا موسى، وهذا شيء لا يقبله العقل، بعد اكتشاف باستور، وقصة أهل الكهف.
3 - إن المسلمين وصلوا إلى تأليه الرسول محمد، فهم دائمًا يكررون محمد - صلى الله عليـه وسلم - الله يصلي على محمد-، وهذا تأليه لمحمد، وقد دعا، في ختام خطابه، المربين وأهل التعليم إلى تلقين ما قاله حول الإسلام إلى تلاميذهم. انتهى المقصود مما ذكرته صحيفة «الشهاب» عن خطاب الرئيس أبي رقيبة، وقد أفزع هذا المقال كل مسلم قرأه أو سمعه لما اشتمل عليه من الكفر الصـريح، والجرأة على الله سبحانه وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - من رئيس دولة تنتسب إلى الإسلام كان المفروض عليه أن يدافع عن دينه وعن كتاب ربه، وعن رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم- لو سمع مثل هذا المقال، أو ما هو أخف منه من أى أحد، ولكن الأمر كما قال الله سبحانه: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: 46) ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ (آل عمران : 8).
ولما قرأت هذا المقال في صحيفة «الشهاب» بادرت بإرسال برقية للرئيس المذكور بتاريخ ٧-٤-١٣٩٤ هـ، هذا نصها:
فخامة الرئيس الحبيب بورقيبة
نشرت صحيفة «الشهاب» بعدد ۲۳ ربیع الأول ١٣٩٤ هـ حديثًا نسب إليكم غاية في الخطورة، يتضمن الطعن في القرآن الكريم بالتناقض، والاشتمال على الخرافات والطعن في مقام الرسالة المحمدية العظيم.
وقد أزعج ذلك المسلمين واستنكروه غاية الاستنكار، فإن كان ذلك قد صدر منكم فالواجب- شرعًا- المبادرة إلى التوبة النصوح منه وإعلانها بطرق الإعلان الرسمية، والأوجب إعلان بيان رسمي صريح بتكذيبه واعتقاد خلافه كي يطمئن المسلمون، وتهدأ ثائرتهم من هذه التصريحات الخطيرة.
ونسأل الله تعالى أن يوفق الجميع لما فيه الخير والصلاح في الدنيا والآخرة، وللتوبة من جميع الآثام، سرها وجهرها، وأن يعز الإسلام، وأهله وأوطانه انه سميع مجيب.
رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة- عبد العزيز بن عبد الله بن باز
ثم أرسلت له برقية أخرى مني ومن المشايخ: حسنين محمد مخلوف، وأبي الحسن علي الحسيني الندوي، وأبي بكر محمود جومي، والدكتور محمد أمين المصري، وذلك بتاريخ ١٦-٤-١٣٩٤ هـ، هذا نصها:
السيد الحبيب بورقيبة، رئيس الجمهورية التونسية. تونس
نسبت إليكم صحيفة «الشهاب» بعددها الصادر بتاريخ ۲۳ ربیع الأول تصريحات مكفرة لما فيها من الطعن في القرآن الكريم، والمصطفى- صلى الله عليه وسلم- ودعوتكم لرجال التعليم لنشرها بين الطلاب.
فإن کنتم قد اقترفتموها، فالواجب عليكم المبادرة إلى التوبة والعودة إلى الإسلام، والأوجب عليكم المبادرة إلى التكذيب الصريح، ونشره في العالم بجميع وسائل النشر، وإعلان عقيدتكم الإسلامية، الصحيحة في الله تعالى وكتابه ورسوله، تبرأه من الكفر، وتسكينا للفتن، وتطمينا للمسلمين في سائر الدول، وتقريرًا لصلاحيتكم لحكم أمة إسلامية عريقة في الإسلام، وأن عدم التكذيب دليل على الإصرار على الردة، ومثار فتن لا يعلم عواقبها إلا رب العالمين، تحمل وزرها ووزر من يرتكس فيها إلى يوم الدين﴿وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النور: 11).
أبو الحسن علي الحسني الندوي
أمين عام ندوة العلماء لكنوا الهند وعضو رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة
عبد العزيز بن عبدالله بن باز
رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
أبو بكر محمود جومي–
قاضي قضاة ولايات شمال نيجيريا الدكتور محمد أمين المصري
جامعة الملك عبدالعزيز بمكة
حسنين محمد مخلوف
مفتي الديار المصرية– سابقًا-
ثم اطلعت على صحيفة «الصباح» التونسية فألفيتها قد ذكرت، في عددها الصادر في ٢١ مارس ١٩٧٤ م طبق ما نقلته عنها صحيفة «الشهاب» فيما يتعلق بعصا موسى، وقصة أهل الكهف، كما ألفيتها قد نصت على منكر شنيع، في عددها الصادر في ٢٠ مارس ١٩٧٤ م، وقع في خطاب الرئيس المذكور، لم تشر إليه صحيفة «الشهاب» وهذا نصه:
على أني أريد أن ألفت نظركم إلى نقص سأبذل كل ما في وسعي لتداركه، قبل أن تصل مهمتي إلى نهايتها، وأريد أن أشير بهذا إلى موضوع المساواة بين الرجل والمرأة، وهي مساواة متوفرة في المدرسة، وفي المعمل، وفي النشاط الفلاحي، وحتى في الشرطة، لكنها لم تتوفر في الإرث، حيث بقي للذكر حظ الأنثيين، أن مثل هذا المبدأ يجد ما يبرره، عندما يكون الرجل قوامًا على المرأة، وقد كانت المرأة، بالفعل، في مستوى اجتماعي لا يسمح بإقرار مساواة بينها وبين الرجل، فقد كانت البنت تدفن حية، وتعامل باحتقار، وها هي اليوم تقتحم ميدان العمل، وقد تضطلع بشؤون أشقائها الأصغر منها سنًا، فزوجتي– مثلًا- هي التي تولت السهر على شؤون شقيقها المنذر، وتكبدت- من أجل ذلك- كل متاعب العمل الفلاحي، ووفرت له سبل التعلم، وحرصت على تحقيق أمنية والدها الذي كان يرغب في توجيه ابنه نحو المحاماة، فهل يكون، من المنطق، في شيء أن ترث الشقيقة نصف ما يرثه شقيقها في هذه الحالة، فعلينا أن نتوخى طريق الاجتهاد في تحليلنا لهذه المسألة وأن نبادر بتطوير الأحكام التشريعية، بحسب ما يقتضيه تطور المجتمع، وقد سبق أن حجرنا تعدد الزوجات بالاجتهاد في مفهوم الأية الكريمة، ومن حق الحكام- بوصفهم أمراء المؤمنين- أن يطوروا الأحكام بحسب تطور الشعب، وتطور مفهوم العدل، ونمط الحياة.
هكذا في الصحيفة المذكورة، وهذا– إن صح صدوره منه- فهو نوع آخر من الكفر الصريح، لأنه زعم أن إعطاء المرأة نصف ما يعطاه الذكر نقص، وليس من المنطق البقاء عليه، بعد مشاركة المرأة في ميدان العمل- كما ذكر- أنه حجر تعدد النساء بالاجتهاد، وأنه يجب تطوير الأحكام الشرعية بالاجتهاد حسب تطور المجتمع، وذكر أن هذا من حق الحكام لكونهم أمراء المؤمنين، وهذا من أبطل الباطل، وهو بتضمن شرًا كثيرًا، وفسادًا عظيمًا سيأتي التنبيه عليه - إن شاء الله -.
ثم في يوم الأربعاء الموافق 1 – 5 - ١٣٩٤ هـ زارني، في مقر الجامعة الإسلامية بالمدينة، سعادة السفير التونسي لدى المملكة، وسلم لي رسالة من الوزير مدير الديوان الرئاسي، الشاذلي القليبي، برقم ٤٠٦ وتاريخ ١١ ماى – ١٩٧٤ م، وهذا نصها:
فضيلة الشيخ السيد عبد العزيز عبدالله بن باز، رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. المملكة العربية السعودية.
أما بعد: فأتشرف بإعلامكم أن فخامة الرئيس الجليل قد اطلع على برقيتكم المؤرخة ٢٣ ربيع الأول ١٣٩٤ هـ، وهو إذ يشكر لكم حسن عنايتكم وقيامكم بالنصيحة لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم. يرجو أن لا يغيب عن أذهان سائر إخواننا المسلمين أن الحبيب بورقيبة إنما جاهد فرنسا لإعلاء كلمة الله والوطن وإرجاع تونس دولة مستقلة، دينها الإسلام، ولغتها العربية، وهو أول بند من بنود دستورها، وما كان ليدور بخلد فخامته الطعن في كتاب الله، ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (فصلت: 42)، ولا في مقام الرسول الأكرم - عليه أفضل الصلاة والتسليم - وهو الذي نصر الحق بالحق، وهدى إلى الصراط المستقيم، وإني أرسل إليكم، صحبة هذا، نص خطاب فخامة الرئيس، بمناسبة المولد النبوي الشريف، حتى تكونوا على بينة من الأمر.
نسأل الله تعالى أن يعين الجميع على ما فيه خير الدين والدنيا، وأن يهدينا إلى ما فيه خير أمتنا الإسلامية وصلاحها.
وتفضلوا بقبول أزكى تحياتي.
الشاذلي القليبي
الوزير مدير الديوان الرئاسي
في نطاق القضية الإسلامية العالمية
وقد أجبت معاليه بما نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة المكرم معالي الوزير مدير الديوان الرئاسي، الشاذلي القليبي وفقه الله لما فيه رضاه
أما بعد: فيسرني أن أذكر لمعاليكم أن رسالتكم رقم ٤٠٦ وتاريخ ١١ مای – ١٩٧٤ م قد وصلتي بيد سعادة السفير التونسي لدى المملكة العربية السعودية، وعلمت ما تضمنته من الإفادة عن اطلاع فخامة الرئيس على برقيتي المتضمنة نصيحته بإنكار ما نسب إليه من الطعن في كتاب الله العزيز، وفي مقام الرسول الأمين - صلى الله عليه وسلم - إن كان لم يقع منه ذلك - أو إعلان التوبة، إن كان وقع منه ذلك، كما علمت منها ما ذكرتم عن فخامته من شكري على ما قمت به من واجب النصيحة، ورغبة فخامته في أن لا يغيب عن أذهان سائر المسلمين أن الحبيب بورقيبة إنما جاهد فرنسا لإعلاء كلمة الله والوطن وإرجاع تونس دولة مستقلة، دينها الإسلام، ولغتها العربية، وهو أول بند من بنود دستورها، إلى آخر ما ذكره معاليكم.
وإني لأرجو من معاليكم تبليغ فخامته شكري له على ما أبداه من الشكر والمحبة للنصيحة، وما قام به من الجهود الطيبة لصالح تونس وشعبها، وسؤالي المولى – عز وجل - أن يجزيه، عن الجهود التي بذلها في صالح البلاد التونسية وشعبها، خيرًا، مع إعلام فخامته بأن ما ذكر لا يكفي في إنكار ما نسب إليه - إن كان لم يقع -، كما أنه لا يكفي عن إعلان التوبة بطرق الإعلام الرسمية، إن كان قد وقع، لأن ذلك هو الواجب عليه، ولأن في عدم إعلان ذلك دلالة على وقوعه والإصرار عليه، مع ما في ذلك من الدعاية إلى الكفر والضلال، والتنقص لكتاب الله وللرسول - عليه الصلاة والسلام- وقد علم بالأدلة الشرعية أن المنكر إذا أعلن وجب إنكاره علنًا، أو إعلان التوبة منه، إن كان واقعًا كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 159 – 160)، وليس في إعلان ذلك نقص على فخامته ولا غظاظة، بل ذلك شرف له، ودليل على إنصافه وعلو همته، وعلى رغبته في إيثار الحق، ولا يخفى أن التمادي في الباطل نقص ورذيلة، وأن الرجوع إلى الحق وإعلانه شرف وفضيلة، بل فريضة من أهم الفرائض، ولا سيما مثل هذا المقام الذي يترتب عليه كفر وإسلام، وقد يقتدى به في ذلك الكفر غيره فيكون عليه مثل آثامه كما قال النبي - عليه الصلاة والسلام - :«من دعى إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ظلاله كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من أثامهم شيئًا، ولأن في عدم إعلان التكذيب أو التوبة تأييدًا للطاعنين في الإسلام، وسيرًا في ركابهم، ومشاركة لهم في الجريمة، وأني أربأ بفخامته أن يصر على أمر يغضب الله ورسوله، ويخرجه من دائرة الإسلام، إن كان قد وقع منه، ويجرؤ أعداء الإسلام على النيل من حماه، والطعن في دستوره.
وقد اطلعت أخيرًا، على صحيفة «الصباح» التونسية فوجدتها تنص، في عددها الصادر في ٢٠ مارس ١٩٧٤، على تصريح خطير للرئيس، لم تشر إليه صحيفة «الشهاب»، مضمونه اعتبار إعطاء المرأة نصف حظ الذكر، في الميراث، نقصًا ليس من المنطق البقاء عليه، بعد مشاركة المرأة في ميدان العمل، كما يتضمن التصريح بأنه قد حجر تعدد النساء، بالاجتهاد، وأنه يجوز للحكام تطوير الأحكام بالاجتهاد، حسب تطور المجتمع، لكونهم أمراء المؤمنين، وهذا منكر شنيع، وكفر صريح لما فيه من الطعن في القرآن ، واتهامه بأن بعض أحكامه لا تناسب تطور المجتمع، وهو مخالف لإجماع أهل العلم، لكونهم قد اجمعوا على أن الاجتهاد إنما يكون في المسائل الفرعية التي لا نص فيها، أما الأحكام الشرعية التي نص عليها القرآن الكريم، أو السنة الصحيحة كإعطاء الزوجة والأنثى، من الأولاد والأخوة لأبوين أو لأب في الميراث، نصف الذكر وكتعدد النساء، فإنه لا مجال للاجتهاد في ذلك، لأن الله– سبحانه- هو الذي شرع الأحكام وفصلها، وهو العالم بأحوال عباده، وبما تتطور إليه مجتمعاتهم، والحكام ليس لهم تغيير الأحكام، وإنما الذي اليهم تنفيذها وإلزام الرعايا بمقتضاها، لقول الله سبحانه يخاطب نبيه- صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ﴾ (المائدة: 48) إلى أن قال سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: 49– 50).
فأرجو تبليغ الرئيس ما ذكرته، وأن عليه تكذيب هذا الخبر- إن كان لم يصدر منه- أو إعلان التوبة، إن كان قد صدر منه، كالمطاعن الأخرى التي سبق أن أبرقت أنا وبعض العلماء لفخامته في شأنها، وقد كتبت في هذه المسائل مقالًا مفصلًا إليكم نسخة منه لاطلاع الرئيس عليه.
والله المسؤول أن يهدينا جميعًا صراطه المستقيم، وأن لا يزيغ قلوبنا عن الهدى، كما أسأله- عز وجل- أن يهدى فخامته للحق، وأن يعينه على تنفيذه، وأن يرزقنا وإياه وسائر المسلمين يثار الآخرة والعمل لها على الحظ الأدنى، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وتفضلوا بقبول تحياتي.
رئيس الجامعة الإسلامية
الرابط المختصر :