العنوان صفحات من دفتر الذكريات (33): الحركة الإسلامية والاستقلال الوطني
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يناير-1995
مشاهدات 59
نشر في العدد 1135
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 24-يناير-1995
· الإخوان يقيمون بالجامعة معسكرات
لتدريب المتطوعين على العمل الفدائي ضد الإنجليز في القناة.
· الدول الأجنبية تطلب من الحكومة
المصرية حل جماعة الإخوان وإخراج متطوعيهم من فلسطين بعد دورهم الناجح في التصدي
لليهود.
في فبراير عام 1949م كنت على فراشي في مستشفى "سان جان" في
باريس إثر عملية جراحية أجريت لي، عندما فتحت جهاز الراديو لأسمع نبأ استشهاد أعز
رجل علي في ذلك الوقت وهو "حسن البنا"، وترتب على ذلك أن أخرت عودتي
لمصر عامًا كاملًا، صحيح أنني عندما عدت إلى مصر 1950م وجدت حكومة الوفد قد أفرجت
عن المعتقلين، لكنها استمرت تعارض في رد أموال الجماعة ومقرها لها، وتمنعها من
ممارسة نشاطها بحجة أن هناك قرارًا بحلها، وكنا نهاجم هذا القرار، ولجأنا للقضاء،
فصدر حكم بإنصافنا وحق الجماعة في ممارسة نشاطها، والتزمت الحكومة بقرار القضاء،
مما أكد لنا أن موقفها السابق كان مفروضًا عليها من جهة أجنبية أو جهة عليا، أو
كان شرطًا من شروط بقائها في الحكم.
إن أوضاع الإخوان التي فقدت زعيمها ومرشدها كانت توجب علينا اختيار
مرشد يتولى أمرها في ظل نظام يحرمنا من حق الاجتماع ومن كل نشاط بعد أن اغتال
عملاء الملك فاروق مؤسسها وزعيمها.
دور الإخوان في الحركة الوطنية
عندما وصلت إلى مصر وجدت أخوي اللذين خرجا من معتقل الطور مع غيرهما
من الإخوان ليستأنفوا دراستهم الجامعية، قد انضما إلى المعسكرات التي نظمها
الإخوان بالجامعة لتدريب المتطوعين على العمل الفدائي الذي بدأه الإخوان في القناة
ضد القوات الإنجليزية، وقد حظيت حركة التطوع والمقاومة بتشجيع من حكومة الوفد بعد
أن ألغت معاهدة 1936م، التي كانت الأساس القانوني الذي استند إليه الإنجليز
للاحتفاظ بالقواعد العسكرية في مصر، وبذلك أصبح وجودهم غير شرعي والهجوم عليهم
عملًا وطنيًا، وكان زعيم الوفد النحاس باشا هو الذي أعلن بنفسه هذا القرار، كما
أعلن الوحدة بين مصر والسودان تحت التاج المصري بالاتفاق مع الوطنيين السودانيين،
الذين كانوا قد أنشأوا الحزب الوطني الاتحادي، وكانوا يحظون بتأييد أغلبية الشعب
السوداني الذي يؤمن بوحدة النيل، هذه الوحدة التي تخلى عنها الحكم العسكري الناصري
في عام 1954م، حتى أصبحت الآن في طي النسيان عند حكامنا وأحزابنا
"الوطنية"، مما يؤكد مرة أخرى أن هذا الانقلاب العسكري حظي بتأييد قوى
أجنبية استعمارية، وأنه نجح في تحويل الوطنية عن طريق الوحدة.
جهاد الإخوان في فلسطين وتآمر القوى الأجنبية
عليه
كان الإخوان منذ عام 1947م، قد أعدوا فرقًا من المتطوعين للمشاركة في
الثورة الفلسطينية، ومهاجمة العصابات الصهيونية التي ترتكب الفظائع ضد الفلسطينيين
لطردهم من بلادهم وإكراههم على مغادرة فلسطين لإخلائها للمهاجرين اليهود الذين
أنشأوا لهم دولة "إسرائيل" لتكون رأس جسر يصلون إليه من أوروبا وغيرها
من مناطق العالم، ولتكون في الوقت نفسه رأس جسر للنفوذ الأوروبي والمؤامرات
الاستعمارية في العالم العربي لتعطيل مسيرة شعوبنا نحو الحرية والوحدة والنهضة
الصناعية والاقتصادية.
وكان المفتي "الحاج أمين الحسيني" منذ وصوله لمصر في عام
1946م، يحث الإخوان على الدعوة للجهاد في فلسطين، وعلى إعداد المتطوعين للجهاد
وتدريبهم وتسليحهم وذهبت أعداد كبيرة فعلًا من الإسلاميين المتطوعين إلى ميادين
متعددة في فلسطين وخاصة القدس والنقب، واستعانت بها الجيوش المصرية والعربية التي
دخلت فلسطين بعد إعلان الإنجليز جلاءهم عنها وتركتها فريسة للمنظمات الصهيونية
التي أعلنت إنشاء "إسرائيل" بناءً على قرار التقسيم الذي أصدرته الأمم
المتحدة بتحريض من الدول الأوروبية والأمريكية.
وهذه الدول الأجنبية ذاتها هي التي طلبت من الحكومة المصرية في عام
1948م "أي بعد صدور قرار التقسيم من الأمم المتحدة" حل جماعة الإخوان
المسلمين ومطاردتها حتى يخرج متطوعوها من فلسطين ويتركوها فريسة للعصابات
الصهيونية، فسارعت تلك الحكومة إلى إعداد تقرير من وكيل وزارة الداخلية يتضمن أن
الجماعة تجري تدريبات وتجمع أسلحة لعمل انقلاب، في حين أن الحكومة كانت تعلم أن
ذلك كله كان موجهًا للدفاع عن الشعب العربي المجاهد في فلسطين، ولكن الدول
الأجنبية كانت تعارض في هذا الاتجاه وسخرت بعض الحكام ليقوموا نيابة عنها بقمع
التيار الإسلامي الذي يعبر عن التضامن بين الشعوب في كفاحها الوطني، وفعلًا فإن
الجيش المصري الذي ذهب لمقاومة الاحتلال اليهودي لفلسطين، عندما وقعت مصر الهدنة
مع "إسرائيل"، صدرت إليه الأوامر باعتقال الفدائيين الذين دربهم الإخوان
وأرسلوهم إلى ميادين الجهاد والاستشهاد والدفاع عن فلسطين العربية، وقام الجيش
الوطني المصري باعتقال الفدائيين وتجريدهم من سلاحهم، وأرسلوا إلى معسكرات
الاعتقال في مصر، واستمرت المجابهة بين الإخوان والحكومة القائمة في مصر حتى أدت
إلى اغتيال زعيم الإخوان ومؤسس الحركة الشهيد حسن البنا، ولم تهدأ الحال في مصر
إلا بعد أن استقالت الحكومة السعدية التي قامت بهذه المهمة، وأجريت انتخابات حرة
جاءت بحكومة وفدية أفرجت عن المعتقلين ونفذت حكم القضاء الذي أعاد للإخوان حقهم في
استئناف نشاطهم وشجعتهم حكومة الوفد بعد ذلك على توجيه نشاطهم الفدائي للقوات
الإنجليزية وقواعدها في القناة بعد إلغاء المعاهدة.
في هذا الوقت كان "الملك فاروق" يواصل حملته ضد الإخوان
التي بدأها أثناء حرب فلسطين، وكانت القوى الأجنبية تحيطه بفرقة من المنافقين
الذين يواصلون تحريضه على السير في طريق الفساد والضلال والطغيان، مما أثار عليه
عامة الناس وعقلاءهم، وأدى إلى تعاون الإخوان مع الضباط في القضاء على نظامه فيما
بعد.
الأحزاب تقصر اهتمامها على القضايا القطرية
رغم هذا التعاون بين الإخوان والوفد لمقاومة الاحتلال الإنجليزي، إلا
أنه كان كغيره من الأحزاب "الوطنية"، يقصر اهتمامه على القضية
"الوطنية"، في حين كان الإخوان يعتبرونها إحدى القضايا
"الإسلامية"، وأن من يكافح في سبيل حرية الشعب المصري، يلتزم بالدفاع عن
حرية شعب فلسطين وليبيا وشمال إفريقيا، وغيرها من الأقطار الإسلامية التي تجاهد
للتحرر من السيطرة الأجنبية، لأن هذا التحرر هدف إسلامي، ولأن الحرية الكاملة لهذه
الشعوب جميعها لا تضمن إلا من خلال وحدة جامعة وتضامن إسلامي شامل، ومع ذلك كانت
الأولوية في نظرنا للقضية المصرية، وهدفها جلاء الإنجليز عن مصر، ووحدة وادي النيل.
في ذلك الوقت كان عبد الرحمن عزام مشتغلًا بقضية ليبيا وقضية فلسطين،
وقضية ليبيا كانت دائمًا تحظى باهتمام خاص من عبد الرحمن عزام الذي استطاع أن يلفت
إليها نظر الحكومة المصرية، وبعض الحكومات العربية الأخرى، ويثير حماس كثير من
السياسيين للاهتمام على أساس أنها مكملة لقضية مصر وكفاحها ضد الإنجليز، بل إنه لم
يكن يخفي رأيه أن مصير ليبيا هو أن تنضم إلى مصر عندما تتمتع بحريتها الكاملة،
وكانت القضية الليبية تسير سيرًا حسنًا، لأن الرجل الذي عينته الأمم المتحدة
مندوبًا لها لبحث هذه القضية، وهو المستر "بلنت" كان نزيهًا ومنصفًا،
واستمع إلى آراء الوطنيين الليبيين في داخل ليبيا وخارجها، وتعاون مع جبهة تحرير
ليبيا التي كانت الجامعة العربية تدعمها وتوجهها بكل جد وإخلاص، وبدأ في إعداد
تقريره الذي سيعرض على الجمعية العمومية للأمم المتحدة في اجتماعها في باريس في
نهاية عام 1951م.
كان واضحًا أن تقرير المستر "بلنت" يؤكد على أن أغلبية
الشعب الليبي يريد إقامة دولة موحدة مستقلة، وأن مصلحة الشعب الليبي تستلزم ذلك،
وكان هذا هو ما يطلبه الوطنيون وتطلبه مصر والجامعة العربية في ذلك الوقت.
لكن الدول الاستعمارية كان لها هدف آخر هو تجزئة ليبيا إلى ثلاث مناطق
يسيطر على إحداها البريطانيون "وهي برقة المجاورة لمصر" والأخرى
الأمريكيون وهي "طرابلس حتى منابع البترول"، ولا مانع من أن يشاركهم
فيها الإيطاليون، والثالثة يسيطر عليها الفرنسيون "وهي فزان المجاورة لتونس
والجزائر"، واستخدموا لتحقيق هدفهم سلاحًا جديدًا هو "الاستقلال".
المستعمر يستخدم البعض في تنفيذ سياسته
إن كثيرين لا يتصورون أن الاستقلال الذي تطالب به الحركات الوطنية،
وتكافح من أجله الشعوب المطالبة بحريتها يمكن أن يتحول إلى سلاح تستخدمه القوى
الأجنبية وأعوانها وسيلة لمنع الوحدة، ويؤدي إلى عزل شعوبنا وإثارة العداء بينها،
تمهيدًا لزيادة نفوذها عليها، ولكن هذا الأسلوب هو أهم ظاهرة تميزت بها السياسة
الاستعمارية التي نجحت في اتخاذ الاستقلال وسيلة لإقرار التجزئة التي يفرضونها، بل
ولتثبيتها والمحافظة عليها باسم الدفاع عن السيادة "الوطنية"، أو
"الاستقلال".
في هذه الفترة شغلت عن متابعة قضايا إفريقيا الشمالية، لكن فوجئنا أن
الفرنسيين انتهزوا فرصة انشغال الشعوب العربية وحكوماتها بالقضية المصرية
والفلسطينية وأرسلوا جنرالًا من مخلفات الحرب هو الجنرال "جوان" لكي
ينفذ سياسة القمع والإرهاب ضد الوطنيين في المغرب الأقصى، وواصل تهديداته للملك
محمد الخامس ليكف عن تأييده لتلك الحركة، وجاء علال الفاسي وأسرته إلى مصر، يسعى
لكي تتدخل الجامعة العربية ومصر لدى فرنسا لوقف هذه السياسة الاستفزازية، وسارع
الفرنسيون فأصدروا قرارهم بعزل محمد الخامس واعتقاله هو وأسرته وإبعادهم، ووضعوا
على العرش أحد أفراد أسرته السلطان "محمد بن عرفة" الذي قيل إنه كان
عميلًا لهم.
ومن حسن حظ الحركة الوطنية المغربية أن حكومة الوفد في مصر في ذلك
الوقت كان وزير خارجيتها رجلًا وطنيًا شجاعًا هو الدكتور محمد صلاح الدين، وكان له
تأثير كبير على رئيس الحكومة ورئيس الوفد مصطفى النحاس باشا، وكان متعاونًا إلى
أقصى حد مع عبد الرحمن عزام، فقادت مصر حكومات الدول العربية وجامعتها إلى رفع
قضية العدوان الفرنسي على ملك المغرب بشكوى إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة في
دورتها العادية التي تعقد في باريس.
في ذلك العام وضعت القضية على جدول اجتماع الأمم المتحدة لدورتها التي
عقدت في خريف عام 1951م، كما أن قضية ليبيا كانت على جدول أعمال تلك الدورة التي
كان مقررًا لها أن تعقد في باريس بدعوة من الحكومة الفرنسية، ودعاني المرحوم عبد
الرحمن عزام لأكون مستشارًا لوفد الجامعة العربية الذي حضر هذه الدورة في شؤون
المغرب وشمال إفريقيا.
لقد أتاحت لي فرصة مشاركة مع وفد الجامعة العربية في دورة الأمم
المتحدة عام 1951م، أن أرى صورة مصغرة واضحة للتحول الذي يصيب بعض
"الوطنيين" عندما يتخلون عن قضية كبرى، بل والتنكر لها كلما لوح لهم
الأعداء بمنافع عاجلة في صورة "استقلال داخلي" أو "استقلال
وطني"، وقد رأيت بنفسي بعض "الوطنيين" الليبيين الذين كانوا يعملون
في الجامعة العربية ويشاركون في جبهة تحرير "ليبيا" يسارعون إلى بلادهم
ليشاركوا في حكومة يشكلها "السنوسي" الذي أعلن استقلالها كدولة اتحادية
تضم مناطق ثلاثًا لها استقلال داخلي، كما يريد الإنجليز والفرنسيون والأمريكان،
ومن أجل ذلك كانت هذه الحكومة تهاجم مصر والجامعة العربية والعرب عمومًا، لأنهم
يهددون هذا الاستقلال الذي أعلنه الملك إدريس السنوسي، ويتهمون العرب الذين
يدافعون عن وحدة ليبيا بأنهم يريدون "التدخل" في الشؤون الداخلية
لبلادهم، ويعرضون عليهم إقامة دولة موحدة وليست اتحادية.
لقد كانت باريس في ذلك الوقت مسرحًا رأى فيه الوطنيون صورًا متعددة
تؤكد لنا أن "الاستقلال" الكامل الذي يطالبون به غير الاستقلال الذي
يرضى به الانتهازيون العملاء، والذي أصبح سلاحًا في يد الاستعمار لفرض التجزئة
والفرقة بين شعوبنا، لم تكن الشعوب الناشئة في منطقتنا تتوقع أن يكون الاستقلال
وسيلة لتحويل بعض الوطنيين إلى حكام يتولون حراسة الحدود التي رسمها الاستعمار،
وينفذون سياسة Tلتجزئة حتى
استطاع كثير منهم أن يعمل لصالح السياسة الاستعمارية التي تفرضها عليهم القوى
الأجنبية مقابل الحصول على بعض مقاعد الحكم والسلطة أو منافع "الاستقلال
الوطني".
إن الإسلاميين عندما قاوموا الهجوم الاستعماري العسكري على بعض
أقطارنا، كانوا يعتبرون أنفسهم مدافعين عن وطن إسلامي كبير وأمة عظيمة عريقة جديرة
بهذا الوطن الكبير الذي نسميه دار الإسلام، إن الشعب الذي كان يحمل السلاح في أحد
أقطارنا لمقاومة العدوان على أرضه كان في نظرنا يدافع عن دار الإسلام وأمة القرآن
التي أقامت دولة إسلامية كبرى تمتد من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهندي والهادي،
لقد كان الوطن عظيمًا، وكان المدافعون عنه لذلك عظماء يمثلون روح المقاومة والنهضة
الإسلامية الشاملة العامة، هؤلاء هم الإسلاميون الذين لا يعرفون إقليمهم إلا جزءًا
من عالم إسلامي كبير متضامن عظيم، وهذا التضامن كان الأساس الذي دعا إليه
المتطوعون المصريون للدفاع عن ليبيا كما فعل عبد الرحمن عزام، وعن فلسطين كما فعل
متطوعو الإخوان، وعن كل شبر من أرض الإسلام يحتله الأجانب بما في ذلك المتطوعون من
الإخوان للدفاع عن مصر في منطقة القناة.
إن الجهاد في الإسلام واجب علينا ضد أعداء الأمة الكبيرة المعتدين
عليها، ولو كان العدوان على أحد أقاليمها أو قطر من أقطارها، لأن المسلمين كالجسد
الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له الجسم كله.
في نظرنا أن اعتراف الدول الاستعمارية بالاستقلال الوطني لبعض أقطارنا
لم يكن هدفه تحريرها من سيطرته ونفوذه، بل كانت تستخدمه وسيلة لاستقطاب العناصر
التي تغريها منافع الحكم وسلطاته، وتحويلها إلى عملاء ينفذون خطته لضرب الوحدة،
وبذلك تجعل وسيلة الفصل كل شعب عن الشعوب الشقيقة المجاورة، وتصبح الدعوة إلى
التقارب أو الاتحاد أو الوحدة خطرًا على "الاستقلال الوطني"، وتتقدم
الدول الأجنبية المستعمرة لكي تقوم بدور من يحمي هذا الاستقلال، وتعرض خدماتها
لمساعدة الحكام الوطنيين في المحافظة على استقلالهم الذي يعني استمرار التجزئة،
وتعميق الفرقة بين شعوبنا وأقطارنا ودولنا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل