; صفحات من دفتر الذكريات (2) البداية كانت فلسطين | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات (2) البداية كانت فلسطين

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يونيو-1994

مشاهدات 68

نشر في العدد 1104

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 21-يونيو-1994

أثناء الحرب العالمية الثانية كانت فترة نشاط كبير للإخوان المسلمين بالنسبة لقضية فلسطين، وكان لدينا آمال كبيرة على أن هذه الحرب ستكشف لدول العالم خطر الحركة الصهيونية- وخططها للسيطرة على العالم- وكانت ألمانيا قد أعلنت سياستها لمقاومة الصهيونية، وكان كثيرون من العرب يظنون أنها سوف تساعد العرب في كفاحهم ضد الحركة الصهيونية في فلسطين التي كانت تئن تحت حماية بريطانيا في ذلك الوقت، وكان أغلب نشاطنا في الحقل السياسي خاصًا بقضية فلسطين وخصوصًا لأن المفتي الحاج أمين الحسيني كانت له علاقة بالإخوان المسلمين عن طريق الهيئات الإسلامية في فلسطين.

انضممت إلى الإخوان المسلمين في عام 1937م، وعملت في قسم الاتصال بالعالم الإسلامي، وكان العمل فيه يعني متابعة جميع قضايا العالم الإسلامي على أساس أن العالم الإسلامي أمة واحدة، فالوحدة الإسلامية عندنا هي المنطلق والقاعدة، وهي حقيقة واقعة ملموسة نراها متجسدة في الأخوة الوثيقة التي تربط بين جميع العاملين في هذا القسم على الرغم من اختلاف مواطنهم أو جنسياتهم، والتي تربطنا أيضًا بجميع المجاهدين في سبيل تلك القضايا سواء من يعملون في بلادهم أو من يهاجرون في سبيلها ويضحون من أجلها.

وكان العاملون في القسم يدرسون معًا قضايا العالم الإسلامي، ويتولى واحد منهم حفظ ملفات قضية أو أكثر من تلك القضايا ومتابعتها، كان عددنا يتزايد ويتناقص حسب الظروف، لأن أغلب العاملين به كانوا من الطلاب الذين يعودون إلى بلادهم عند انتهاء دراستهم، وعندما يغيب أحدنا كان ينوب عنه أحد زملائه من العاملين في القسم أو غيرهم من المتطوعين من الإخوان سواء كانوا من أبناء وطنه أو من غيرهم، وكانت قضية فلسطين هي الأولى، وكنا جميعًا نُسهم فيها كل منا بنصيب.

وكانت مهمتي الأساسية في مصر، وعندما كنت أستعد للسفر إلى باريس في البعثة سنة 1945م، أفهمني الشهيد حسن البنا أن قضية فلسطين ستبقى هي مهمتي الأولى حيث إن المفتي الأكبر الحاج أمين الحسيني معتقل هناك تحت الإقامة الجبرية، وهدفنا هو مساعدته ليقوم بدوره في قيادة الجهاد الفلسطيني الذي كان هو محور نشاط الإخوان في تلك الفترة، وفعلًا كان أهم ما قمت به في باريس في العام الأول في دراستي 1946م هو ملازمة المفتي الأكبر وتوثيق الصلة بينه وبين الإخوان حتى تمكن من الهرب إلى مصر بفضل تعاون عدة أشخاص -ليس هنا مجال لذكرهم.

وعندما عدت إلى القاهرة في عطلة الصيف 1947م كان أول ما فعلته هو مقابلة الحاج أمين الحسيني واستئناف العمل معه فترة عطلتي في مصر، وقد كانت القضية الفلسطينية محور مناقشات مهمة في هيئة الأمم، وكان لدينا أمل كبير في هذه الهيئة العالمية، ولكن صُدمنا بصدور قرار بتقسيم فلسطين الذي كان أساسًا لقيام دولة “إسرائيل” وبالنسبة لي كانت الصدمة مفاجئة، وعدت إلى فرنسا وأنا في غاية الألم واليأس، وأذكر أنني أمسكت القلم بمجرد وصولي إلى باريس وأعددت مقالًا أرسلته بالبريد إلى مجلة الرسالة التي نشرته بتاريخ (8 من ديسمبر 1947م) وأنا في فرنسا، ولم يكن لدي فرصة للاطلاع عليه بعد نشره، ولذلك عندما بدأت في كتابة هذه الذكريات وجدت أنه من الأفضل أن أعيد نشره بنصه كما نشرته مجلة الرسالة في حينه، والحق أنه كان المقال الثاني عن فلسطين، فقد نشرت لي مجلة الرسالة مقالًا قبل سفري في البعثة ما زلت أبحث عنه، لأنني نسيت تاريخ نشره.

«وطن الأحرار في سوق العبيد»- مجلة الرسالة- العدد 735- بتاريخ 8 من ديسمبر 1947 م:

وقعت الواقعة، وحدث المستحيل: اتفقت روسيا مع أمريكا، لا على صيانة سلم العالم وأمنه من خطر المنافسة بينهما وتوسيع كل منهما لنفوذه على حساب استقلال الأمم الصغيرة، ولكن على تقسيم «فلسطين».

وكان كل من هذين العملاقين قد شعر بأن فلسطين الصغيرة العربية الأبية لن تخضع له منفردًا، فآثرا أن يتفقا معًا، تجاوزا عن خصومتهما التي ملأت أسبابها كل بقعة على ظهر الأرض، بدلًا من الاعتراف بالعجز والتراجع أمام الإباء العربي والمقاومة الإسلامية، فإن كان في ذلك معجزة فليس بغريب أن تأتي فلسطين بالمعجزات، وإذا كانت فلسطين الصغيرة قد حققت تلك المعجزة بفضل تضامن العروبة معها، وهي بعدُ لم تبدأ المقاومة العملية والتجربة الدموية التي تتأهب لها، فإن العالم سيشهد قريبًا لبطولتها وجهادها بالمعجزة الأخرى؛ هي أن تنتصر إرادة هذا الشعب العربي الصغير على خطط الصهيونية وحليفيها العملاقين مجتمعين. وإذا كتبت فلسطين صحائف بدماء أبطالها، وسجلت العروبة تضامنها بنجدة شبابها، فإن قوى الأرض مجتمعة لن تنال من وجودها واستقلالها، ولو اتفق على ذلك الروس والأمريكان.

إيه يا فلسطين: لا تيأسي ولا ترددي، ولا يقولن دعاة الذلة والاستكانة: ماذا نفعل أمام جحافل الشرق الروسي والغرب الأمريكي؟ وأين لنا بالقوة التي تحيط بها إرادة "الأمم المتحدة"؟ فما تلك إلا حجة الجبان يبخل بدمه على مواطن الشهادة، وبراحته على متاعب الجهاد. أما سليل البطولة ومن تجري في دمه عزة العروبة؛ فإنه يعلم أن هذا الاتفاق بين أنصار الباطل إنما هو وهم وتضليل يقصد به إرهابك وإضعاف عزيمتك، أملًا في أن ينصرف شعبك عن المقاومة ويرغب في الاستكانة، فإذا أنت تشبثت بعروبتك وصممت على الجهاد في سبيل استقلالك فستنهار كل هذه "الاتفاقات" وتتحطم هذه المؤامرات في ميدان العمل.

ولعمري إنه ليس بغريب أن يتفق الروس والأمريكان هذه المرة، فمن ذا الذي لا يتفق على اقتسام شعب لا يقاوم؟ ومن ذا الذي لا يتفق حتى مع عدوه على اقتسام غنيمة باردة ما دام يظن أنها لن تكلفه شيئًا؟ ولكن مثل هذه الاتفاقات الرخيصة ستذوب وتتلاشى، وسترين أن دماء أبنائك كفيلة بمحوها متى أيقن العالم أن إرادتك قوية وأنك عازمة على الدفاع عن حقك بالدماء.

إيه يا فلسطين أيتها العربية الأبية! إن هذا الاتفاق الذي يعلنه الصهيونيون نصرًا لهم سيعمل دعاتهم ما استطاعوا ليوقعوا في روح شعبك الباسل أن الأمر قد قُضي ولا سبيل إلى المقاومة، والحقيقة قد ارتفعت بهذا الأمر وشرفت به. وإن كل أمريكي من المائة مليون الذين يسكنون الولايات المتحدة ليعلم اليوم أن بلاده قد أقدمت على تضحية كبرى باتفاقها مع الروس هذا الاتفاق. ومن يعرف لماذا أقدمت بلاده على هذه التضحية، إنه يوقن أنها فعلت ذلك اعتقادًا منها أن ذلك سيجنبها عبء الاصطدام بالمقاومة العربية التي لا تريد مواجهتها، وقد أوهمها سماسرة الصهيونية أن هناك شيئًا واحدًا يجنبها هذا الصدام، وهو أن يصدر قرار قانوني من الأمم المتحدة، ولابد لذلك من رضاء روسيا، فلتحصل عليه بأي ثمن.

فانظري يا فلسطين الصغيرة أي ثمن تدفع أمريكا لتتفادى مواجهة مقاومتك وحدها، وهل تظنين أن أمريكا كانت تقبل موافقة روسيا لتفعل شيئًا لو كانت استطاعت أن تفعله وحدها؟ فما بالك إذا أصبحت مقاومتك حقيقة واقعة، وأرادت روسيا أن تطالب بنصيبها في العمل، مستعينة في ذلك بسلاحها التقليدي «الفيتو»؛ قسمًا إن أمريكا تفضل حينذاك أن تهدم «الأمم المتحدة»، بدلًا من قبول ذلك.

إيه يا فلسطين العزيزة، إنك ستحققين هذه المعجزة، وإن أبناء العروبة ليتحفزون للتضحية رهن إشارتك، ويدفعهم إيمانهم بالمثل العليا والمبادئ السامية التي سيكافحون من أجلها غير عابئين بدعاة الذلة واليأس الذين يتخذون من الواقع حجة لبذر أسباب الجزع والاستكانة، وإن لهم شياطين تعلمهم وتغذيهم بمنطق خادع مضلل. إنهم ليقولون: كيف تطلبون الإنصاف من عالم لا يعرف الإنصاف، وتنتظرون العدل من دول لم تؤسس إلا على الظلم؟ وبماذا تتسلحون؛ بقوة الروح وعزة النفس في ميدان لا يعرف إلا عدة الحرب وقوة السلاح؟ والواقع شهيد بذلك، فالأمم الصغيرة تباع اليوم في أسواق السياسة بيع الرقيق، وتعرض في مؤتمرات الاستعمار ظاهرها يخفيها عرض السلع.

لقد قام مقام الرق الفردي رق جماعي هو الاستعمار بكل صوره من حماية أو وصاية أو انتداب؛ هو الرق الأوروبي الذي ابتدعه شياطين السياسة ليتحكموا به في رقاب الأمم والشعوب. ألا ترون أوطانكم التي بيعت في هذه الأسواق السياسية واحدًا بعد الآخر؟! وما "الأمم المتحدة" إلا سوق جديد من أسواق الرقيق، فإذا استطاع الذهب الصهيوني والنفوذ الأمريكي أن يتما الصفقة، وأن يملك اليهود فلسطين كلها أو بعضها فقد ضاع الحق ولا سبيل إلى استرداده، وتأييد الظلم، وما هو بجديد، هذا هو منطق الانهزاميين.

ألا وإننا نرى الواقع ولكن بغير عين الجبناء الأذلاء، ونعلم منه ما هو أشد إيلامًا وأبلغ بيانًا؛ نذكر أن الذين باعوا فلسطين والذين يساومون على برقة وطرابلس لم يدخلوها فاتحين، وإنما دخلوها حلفاء لأهلها، أصدقاء لشعوبها، بذلوا لهم الوعود وقدموا لهم العهود والمواثيق فاطمأنوا إليهم وأمنوا لهم، حتى إذا انتهت الأزمة وزالت عنهم الحرب، نقضوا العهود وتناسوا الميثاق، وباعوا إخوانهم في السلاح وأعوانهم في الكفاح؛ لا بيع غالب لمغلوب، ولا قاهر لمقهور، ولكنه بيع الصديق للصديق، وغدر الرفيق بالرفيق، ووضع القيد في يد الحليف دون العدو.. تلك والله الكبيرة التي لا يأتيها الوحش في الغابة ولا يجيزها حتى قانون الذئاب المفترسة، ولكن يأتيها الأوروبي المتمدين ويعاملنا بها الإنجليز الحلفاء.

فما هي القوة إذن؟ ولكنها الخيانة والغدر. وإذا باع الحليف حليفه واسترق الرفيق رفيقه فإنما يبيع أولًا شرفه وكرامته، ويخلع عن نفسه آدميته. فإذا وجد في القرن العشرين دول تقوم على هذه الخطة وتثري من هذه التجارة، فهو انحطاط جديد في الإنسانية قد أصيب به الأقوياء الذين يرضون أن ينزلوا بنفوسهم إلى أحط درجات الإنسانية، وأصبحوا هم أنفسهم عبيدًا لأطماعهم وشهواتهم، ولا يغير من هذه الخطة وتلك الذلة التي يمارسونها إن كانوا في يوم من الأيام أقوياء أن تمكنوا بسبب هذه القوة من احتراف ذلك النوع الجديد من "النخاسة" والاتجار بالأحرار.

وإذا كان الرق قد ألغي إلى غير رجعة وعلت إرادة الإنسان أن تخضع لسيد مهما يكن، فإن أشد البلاء أن تصيب النكسة قومًا كانوا أول من دعا لإلغائه، ولابد لهم أن يفسروا لنا قيام هذه الأسواق الاستعمارية التي يمارسونها، وأن يقروا معنا أن العبودية وقد انتفت عن الأمم جميعًا متى أرادت ذلك وصممت عليه، فإن وصمتها يمكن أن تُلقى على عصابة النخاسين الذين يمارسون حرفة قد أبطلتها الإنسانية ومبادئها السامية.

أيها الأحرار: لم يعد بينكم وبين الحرية إلا عزيمتكم وإرادتكم، وما العزيمة إلا البذل والتضحية والاستشهاد.. لن يضيركم تلك الصكوك الزائفة الباطلة التي يعدها سماسرة الأمم المتحدة، متى أعلنتم إرادتكم وقوتكم، وستحول بدمائكم هذه الصكوك إلى قصاصات حقيرة، وتضعون حدًا لهذه المهزلة التي تمثل على مسرح «ليك سكسس» والتي يراد بها بيع وطنكم فلسطين بيع الرقيق، فإن العالم لم يعد يقر بعد اليوم أن يباع وطن الأحرار في سوق العبيد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل