العنوان مذكرات: صفحات من دفتر الذكريات (13)
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-سبتمبر-1994
مشاهدات 149
نشر في العدد 1115
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 06-سبتمبر-1994
أمير البيان
"شكيب أرسلان":
· مفجر
الحركة الوطنية المغربية لمقاومة السياسة البربرية الفرنسية.
في أحد لقاءاتي
مع مصالي حاج 1946م بادرني بقوله إنه يريد مني خدمة عاجلة هي أن أكتب على لسانه
خطابًا بالعربية إلى الأمير شكيب أرسلان في سويسرا يبلغه فيه تحياته وتمنياته
ورغبته في أن يزوره في أقرب فرصة ممكنة متى استرد حريته في الحركة؛ إذ إنه ما زال
تحت الإقامة الجبرية، وقص عليّ قصة أول لقاء له معه، حيث توجه إليه مع بعض رفاقه
وزاروه في منزله بعد أن علموا باتصاله مع بعض رجال المغرب الأقصى، وما نشره من
مقالات ضد الظهير البربري الذي أصدرته الإدارة الفرنسية بالمغرب بقصد حرمان البربر
من تطبيق الشريعة ومن تعلم اللغة العربية، وخطتهم لإحياء اللغات واللهجات البربرية
وتحويلها إلى "لغة قومية" تمهيدًا لإيجاد ما يسمونه "قومية
بربرية" منفصلة عن الإسلام ذاته ومناقضة لقومية أخرى يسمونها القومية
العربية، يحاولون أن يجعلوها كذلك منفصلة عن الإسلام مثل ما فعله الكماليون في
تركيا عندما تخلوا عن الإسلام كدين للدولة وأنشأوا لأنفسهم قومية تركية لا دينية
ودولة علمانية.
العقيدة مصدر
القوة ومنبع الطاقة
قال لي إنه سعد
كثيرًا بالحديث مع هذا الأمير الشرقي الذي يعيش في منفاه بأوروبا وأن لقاءه معه
كان نقطة تحول في حياته، لأنها وجهته للتحول من العمل النقابي إلى الكفاح الوطني،
على أساس أولوية الواجب الديني للدفاع عن الإسلام على العمل النقابي، لأن
الاستعمار إنما يهدد الإسلام في بلاده، وليس فقط حقوق الأفراد، قال إنه كشف له أن
العقيدة الإسلامية هي مصدر القوة ومنبع الطاقة الهائلة التي تمكن شعبنا من النصر
على الاستعمار وأنها هي الضمان الوحيد لصمودنا وثباتنا واستعدادنا للبذل وصبرنا
على المحن حتى يمن الله علينا بالنصر أو الشهادة.
ولقد قال لي:
إنه منذ ذلك التاريخ بدأ بإنشاء جمعية نجم أفريقيا للدفاع عن الإسلام فيها جميعًا،
وكان يبعث للأمير بتحياته من حين لآخر مع بعض المسافرين إلى سويسرا، وأكثرهم كانوا
من أبناء المغرب الأقصى الذين أيقظت كتاباته فيهم روح المقاومة للسياسة
الاستعمارية الفرنسية، بعد أن كشف لهم بكتاباته ورسائله أن فرنسا تخطط للهجوم على
الإسلام واقتلاع عقيدته وشريعته من شمال أفريقيا لتكون أرضًا جرداء تغرقها فرنسا
بلغتها وثقافتها بعد أن سيطرت عليها بجيوشها وإدارتها.
لقد كتبت
الرسالة للأمير، ووقّعها مصالي حاج، وأضاف لها عبارات فرنسية بخطه، وحصلت على
عنوان الأمير شكيب من إحدى السفارات العربية بباريس، وأرسلتها إليه، وبها خطاب آخر
عرفته فيه بنفسي وبأنني من الإخوان المسلمين بمصر، وأنني متشوق لزيارته والتعرف
به، وفوجئت بعد أسبوعين برسالة منه باللغة العربية مكونة من ثلاث صفحات يفيدني
بتسلم رسالتي ورسالة مصالي، وبما علمه من عودة مصالي حاج، واحتمال زيارته له،
ويوصيني فيها بمتابعة الاتصال به وإبلاغ تحياته إلى جميع المجاهدين من أبناء
الجزائر والمغرب الأقصى الذين يتابعون الاتصال به والكتابة إليه، وكان معها رده
على رسالة مصالي أوصلته إليه.
ولقد قال لي
مصالي حاج، إنه مقتنع بأن ما بدأه الفرنسيون في المغرب باسم السياسة البربرية التي
وضعوا قواعدها في هذا الظهير المشؤوم الذي أصدره عام 1930م، ليس إلا نتيجة تجاربهم
التي بدأوها في الجزائر التي تعمل الإدارة الاستعمارية فيها على تشويه صورة
الإسلام، وتعطيل أحكامه وعزل المجتمع كله عن شريعته وقرآنه ولغته العربية، وما
زالوا يسيرون على هذا المنهج، وإن كانوا يتفادون ذكر كلمة القومية البربرية أو
العربية الآن لأنهم يخططون لإدماج الجميع في القومية الفرنسية باعتبار الجزائر
امتدادًا لفرنسا وراء البحار.
الدور الفرنسي
في إحياء اللهجات المحلية والعرقية
ومنذ ذلك
التاريخ تابعت تطور السياسة البربرية التي تسير عليها فرنسا، وتأكد لي أنها ما
زالت تسير عليها حتى بعد استقلال تلك البلاد، بل إنها زادت ورصدت لها أموالًا
باهظة تغري بها بعض ضعاف النفوس من المثقفين بالثقافة الفرنسية الذين لا يعرفون
كثيرًا عن الإسلام، ولا عن اللغة العربية، وأصبحت اللغة والثقافة الفرنسية هي أداة
السياسة البربرية وطريقًا لها، لأن التعليم الفرنسي قد أنشأ أجيالًا ممن لا يعرفون
اللغة العربية ولا يحصلون على قدر كاف من ثقافة الإسلام وعقيدته، وعندما تصبح
اللغة الفرنسية لغة ثقافتهم وتفكيرهم يعتزون بها ويبدؤون بالتحيز لها ضد الثقافة
العربية، ولذلك فإن عملاء فرنسا عندما يدعون البربر للتشبث بلغتهم ولهجاتهم،
يدعونهم لكتابتها بالحروف اللاتينية، ويدعون للثقافة الفرنسية، وقد استعدت فرنسا
لذلك بتخصيص عدد من مفكريها وعلمائها لدراسة تلك اللهجات وإعداد قواميس لها وكتب
لتعلمها بالحروف اللاتينية.
وأذكر أنني
أثناء سيري على شاطئ نهر السين في باريس أتسلى بالوقوف أمام الأكشاك المنتشرة على
سوره لبيع الكتب المستعملة والمستحدثة، فوجئت بكتاب ضخم مطبوع طباعة جيدة وعنوانه
قاموس "اللغة الشاوية"، وكان معي صديقي، سألني ما إذا كنت من الناطقين
بهذه "اللغة الشاوية" وعن انتمائي لهذه القبائل الشاوية، وما زال كثيرون
يوجهون لي هذا السؤال في الجزائر نفسها، وفي المغرب كذلك، حيث يوجد إقليم كبير
يسمى "إقليم الشاوية" جنوب الدار البيضاء.
وطوال مدة
إقامتي في فرنسا، وفي المغرب أو الجزائر بعد ذلك، كان كثيرون ممن أتعرف عليهم
يعاملونني في أول الأمر على أنني من المنتمين إلى قبائل الشاوية وإقليمها في
الجزائر أو المغرب، وتكرر ذلك حتى كدت أن أقتنع شخصيًا بهذا الانتماء، وزاد في هذا
الشعور أن الدكتور المهدي بن عبود كان من أعز أصدقائي المغاربة، وكان دائمًا
يناديني يا خالي، ويقول لي: أنا مصر على مناداتك بهذه الصفة، لأن أمي "شاوية".
وحدث أثناء
إقامتي بالمغرب إنني كنت متجهًا مع أحد الأصدقاء بالسيارة من الدار البيضاء إلى
مراكش خلال إقليم الشاوية، وبعد اجتياز هذا الإقليم فوجئت بلافتة تشير إلى
"الرحامنة"، فسألت عنها، فقال لي إنها إحدى قبائل البربر، فأبديت دهشتي،
لأن القرية المجاورة لنا في ريف دمياط وفارسكور بمصر تسمى قرية الرحامنة، وما زالت
تحمل هذا الاسم حتى الآن، ومنذ ذلك التاريخ لم أعد أستبعد وجود علاقة بين أسرتي في
مصر وقبائل الشاوية في شمال أفريقيا.
مما يؤسف له
أنني لم يتح لي زيارة الأمير "شكيب" قبل وفاته، ولم أتمتع بالحديث معه،
وأن "مصالي" نفسه لم يتمكن من زيارته بعد ذلك، لأنه بقي طول حياته تحت
الإقامة الجبرية منذ خرج من سجن لامبيز إلى حين وفاته في فرنسا دون أن يسمح له
بالعودة للجزائر.
وفي عام 1947م
قررت سوريا إعادة جثمان الأمير شكيب أرسلان من المقبرة التي دفن فيها في سويسرا
ليودع في مقبرة تليق به في وطنه تكريمًا له، وأخبرني أحد الجزائريين الذين سافروا
من مرسيليا إلى بيروت بإحدى السفن الفرنسية أنه علم من ركاب السفينة أنها تحمل
رفات الأمير شكيب أرسلان.
شكيب أرسلان
والحركة الوطنية في المغرب
إن دور الأمير
شكيب أرسلان في إنشاء الحركة الوطنية بالمغرب الأقصى والجزائر هو نموذج للدور الذي
قام به الإسلاميون، وذوو الثقافة العربية والإسلامية الذين تعاون معهم الإخوان في
بعث روح الجهاد ضد الاستعمار في جميع الأقطار العربية والإسلامية، وإذا كانت بعض
الحركات الوطنية قد أخذت صورة أحزاب عصرية في هذين القطرين فإن الجماهير التي
أيدتها لم تكن تعتبر الوطنية إلا أنها فريضة توجبها العقيدة والشريعة الإسلامية،
وكان ذلك دليلًا على أن هذا الفكر قادر على التلاؤم مع الظروف التاريخية التي فرضت
التجزئة على أقطار العالم العربي والإسلامي وشعوبه، وإذا كان هناك انتهازيون قد
رفعوا شعارات وطنية أو قومية منفصلة أو معارضة للإسلام، بل إن بعضهم اتخذوها
شعارًا لمقاومة التيار الإسلامي في بلادهم بعد الاستقلال كما حدث في تونس، فإن ذلك
لم يخدع الشعوب عن أصالتها وهويتها الإسلامية، والصحوة الإسلامية الحالية في جميع
أقطارنا أكبر دليل على ذلك.
لقد قمت بزيارة
إلى تونس في صيف عام 1948م، وهي البلد الوحيد في شمال أفريقيا التي استطعت دخولها
بدون تأشيرة، وكانت مجازفة ومخاطرة كبيرة سأذكر قصتها فيما بعد، لكن يكفي هنا أنني
خرجت بيقين واضح هو أن بورقيبة وبعض قادة حزبه يسيرون في اتجاه بعيد عن الفكر
الإسلامي، وأن التيار الإسلامي يجب أن يبدأ في تونس خارج ذلك الحزب، وسوف يحظى
بتأييد كامل من جماهير الشعب التونسي عندما يكتشف حقيقة الاتجاه اللاديني
والعلماني لبورقيبة وحزبه.
صحيح أن بورقيبة وحزبه نجحوا في القضاء على حزب
الدستور القديم، وقيادته التي كانت تضم علماء من جامعة الزيتونة ذوي الثقافة
العربية والإسلامية، لكن جيلًا جديدًا من شباب التيار الإسلامي الذين تتلمذوا على
الحركة الإسلامية في مصر وسوريا، وهم الذين أنشأوا تنظيمًا جديدًا على نمط الإخوان
المسلمين يحمل اسم الاتجاه الإسلامي، وحركة النهضة التي تحظى بتأييد كامل من
جماهير الشعب التونسي، ومعنى ذلك أن منظمات الإخوان المسلمين في مصر وسوريا أتمت
ما بدأه الأمير "شكيب أرسلان" في توجيه الحركة الوطنية في شمال أفريقيا
نحو الجهاد الإسلامي.
والمشكلة التي
تواجهها شعوبنا الآن هي الانفصال الذي أبعد الحكومات والأحزاب الوطنية القطرية عن
التيار الإسلامي إلى حد أن بعض أقطارنا المستقلة أصبحت ميدانًا لمعركة عنيفة بين
حكام يرفعون شعارات وطنية وبين جيل من الإسلاميين يصرون على مواصلة الجهاد
الإسلامي ويطلبون الشهادة في سبيل الله.
بعض الوطنيين
الذين وصلوا إلى السلطة في بلادنا (بطريق مشروع أو غير مشروع) يعتبرون أن الكفاح
الوطني والجهاد الإسلامي قد انتهى عهدهما بإعلان الاستقلال، ولكن الشباب الذين
يرفعون شعارات الجهاد الإسلامي يرون أن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، وأن من
يعملون للإسلام ويموتون في سبيله عليهم أن يواصلوا تضحياتهم في مقاومة كل من يقفون
في وجه التيار الإسلامي.
والمأساة التي
نشكو منها في بعض أقطارنا أن فريقًا من الحكام يعلنون أن هدفهم هو اقتلاع الفكر
الإسلامي وإبادة من يرفعون شعارات إسلامية أو يطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية،
وهم بهذا يفرضون على جيل من الشباب أن يتصدى لهم ويعتبر مقاومتهم أول أهداف الجهاد
الذي يؤمنون به، وهذه هي الفتنة الداخلية التي لا بد من اقتلاع جذورها.
فهل هناك طريق
لذلك؟ وهل تستطيع شعوبنا أن تستعيد وحدتها وتوجه كل قواها ضد العدو الأجنبي
وتتجاوز مرحلة الفتن الداخلية التي تستنزف طاقاتها وتعطل مسيرتها نحو الوحدة
والنهضة الشاملة.
(*) أستاذ القانون الدولي السابق بجامعة القاهرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل