; سمر ليلة شتاء طويلة.. حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي.. القسم الثاني | مجلة المجتمع

العنوان سمر ليلة شتاء طويلة.. حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي.. القسم الثاني

الكاتب محمد أحمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يناير-1980

مشاهدات 71

نشر في العدد 467

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 29-يناير-1980

ويستكبر بعض المسلمين أن نصف الشيخ أبا زهرة رحمه الله بالخطأ، وأن نفضل رأي مستشرق على رأيه في محنة الإمام أحمد ولست بالمعتدي عليه، ولا أنا ممن يجهد مواقفه ولكن الحق أحق أن يقال ولا أستسيغ من أحد أن يتعصب لكاتب تعصبًا يتعدى ما يفرضه المنطق، وطبيعة التقديس مرفوضة والكل عرضة للخطأ.

وللتدليل على صحة ما ذكرته أحيل القارئ إلى ص ٦١ وما بعدها من كتاب أبي زهرة عن «أحمد بن حنبل» فهو ينتهي إلى أن الوزير المعتزلي أحمد بن أبي دواد هو الذي حمل المأمون على القول بخلق القرآن وأنه هو الذي أغراه بتعذيب الإمام أحمد وصحبه من المحدثين ثم يقول: 

«وإذا حملنا أحمد بن حنبل إلى كبر هذا الأمر فهل لنا أن نحكم أن مسلك ابن أبي دواد كان شرًا لاشيء من الخير فيه؟ وأن أحمد ابن حنبل كان موقفه من كل الوجوه صوابًا لا مجال للخطأ فيه؟».

إن هذه القضية قد تعددت فيها وجهات النظر ولكل وجهة حكم خاص بها فمن جهة التقوى والإيمان والعزيمة وقوة الصبر والاحتمال:

 ليس لنا إلا أن نقرر أن أحمد بن حنبل كان بطلًا من أبطال التاريخ الذين أبتلوا فأحسنوا البلاء وصبروا في سبيل ما يعتقدون الصبر الجميل ولم يقبلوا الدنية في دينهم ويؤثروا الفانية على الباقية في سبيل ما يعتقدون.

 ومن جهة الاحتياط للدين وصونه عن المقالات الفلسفية ومتاهات القول: ليس لنا إلا أن نحمد موقف أحمدلأنه كان لا يريد الخوض في القضية لاسلبًا ولا إيجابًا، بل كان متوقفًا لا يبت برأيه بل إنه يرى أن هذا من المسائل التي لا يجمل بالمسلم الخوض فيها والتعمق في دراستها لأنه لم يؤثر عن السلف كلام في هذا، وهوفي مسائل الدين كان رجلًا أثريًا لا يخوض إلا فيما خاض فيه السابقون ليهتدي بهديهم وليسلك مثل سبيلهم وسنبين رأيه أفضل بيان عند الكلام في آرائه.

 ولكن إن نظرنا من وجهة الحكم في القضية من حيث كون القرآن مخلوقًا أو غير مخلوق فإن الأدلة التي ساقها ابن أبي دواد في تلك الكتب والعقل والبداهة تحملنا على الحكم للمعتزلة بصحة نظرهم فإن القرآن وإن كان كلام الله مخلوق وهذا لا يمنع أن صفة الكلام قديمة بقدم الله سبحانه.

فهذا تصريح واضح جدًا باعتقاد أبي زهرة بدعة خلق القرآن وليس هذا مكان بيان الرد على هذه البدعة، ولكني أوردته لمن يفهم هذه المعاني كي يكون على بينة من دقة كلامي عنه وعن آخرين ولست أستطيع الإتيان بتفاصيل أخطاء المؤلفين خلال مثل هذا الاستطراد الصحفي ولذلك ملت إلى تفصيل القول في حال أبي زهرة لأجعل منه مثالًا يقنع القارئ ببعدي عن الجزاف إذا أخذت على غيره مأخذ أوجز القول فيها. ويلاحظ أن ما عزاه أبو زهرة إلى الإمام أحمد من أنه كان لا يريد الخوض في المسألة لاسلبًا ولا إيجابًا ليس على إطلاقه فقد أراد ذلك قبل أن تثار المسألة، وأما من بعد فكان يوجب التصريح بأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق وكان يسمى الذين لا يخوضون في المسألة برأي «الواقفة» ويرى أنهم مبتدعة أيضًا.

ثم يقول أبو زهرة:

«ولعل مما جال بخاطر أولئك المعتزلة أن ترويج فكرة قدم القرآن باعتباره كلام الله سبحانه وتعالى فكرة مسيحية دست بين الجماهير الإسلامية فيما كان يدس فيهم من أفكار وقد تلقاها الجمهور بالقبول لما فيه من تقديس للقرآن الكريم.

وإن الأخبار الصادقة تثبت أن النصارى الذين كانوا يعيشون بين المسلمين ويؤلمهم أن يدخل المسيحيون في دين الله أفواجًا كانوا يثيرون أفكارًا بين المسلمين، ويتخذون من هذه الأفكار حججًا لهم يجادلونهم بها عن دينهم.

فقد جاء في كتاب تراث الإسلام عن يوحنا الدمشقي الذي كان في خدمة الأمويين إلى عهد هشام بن عبد الملك أنه كان يلقن بعض المسيحيين ما يجادلون به المسلمين فيقول: إذا سألك العربي ما تقول في المسيح؟ فقل: إنه كلمة الله ثم ليسأل النصراني المسلم: بم سمي المسيح في القرآن؟ وليرفض أن يتكلم بشيء حتى يجيبه المسلم فإنه سيضطر إلى أن يقول إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فإذا أجاب بذلك فاسأله عن كلمة الله وروحه أمخلوقة أم غير مخلوقة؟ فإن قال: مخلوقة فليرد عليه بأن الله كان ولم تكن كلمة ولا روح فإن قلت ذلك فسيفحم العربي لأن من يرى هذا الرأي زنديق في نظر المسلمين.

يقول أبو زهرة مستطردًا: إن هذا لم يكن خافيًا عن أعين المعتزلة الذين كانوا يجادلون أهل الديانات الأخرى والزنادقة، فهم يعلمون أن من يقول القرآن قديم يمد النصارى بحجة يجادلون بها وإن من الواجب ألا يقال هذا القول لأنه يعطي للخصوم حجة على الإسلام ويفتح الثغرة لمن ينالون منه وليس هو الحق في ذاته ومن قاله فقد ضاهى قول النصارى في المسيح وحكم بتعدد القدماء وجعل القرآن الذي ينطق به الناس قديمًا كشأن الله سبحانه وتعالى. 

وإذا كان ذلك نظر المعتزلة فيما نظروا وهو نظر عميق سليم يحتاط للوحدانية ويحتاط للإسلام فهو موقف لا يخلو من النبل وهو إيمان سليم.

فإذا كان أحمد بن حنبل يحتاط لدينه فلا يخوض في شيء لم يخض فيه السلف الصالح فأولئك أيضًا يحتاطون لدينهم فيسدون الأبواب بالحق لكل من يريد بالإسلام كيدًا فلم يكونوا خارجين عن الدين أن دعوا بدعايتهم وقد كان الأولى ألا يخاض في هذه المسألة قط كما يروم أحمد ولكن الذين لا يريدون بالإسلام خيرًا أذاعوا هذا ونشروه فحق على المسلم أن يذكر الحقيقة كما هي ويحميها ويدعو إليها.

 إلى هنا قد أنصفنا أحمد بن أبي داود والمعتزلة من حيث الرأي ولكنا من حيث العمل نجدهم قد اشتطوا وغلوا غلوًا كبيرًا وحسبهم من الغلو أن ينزلوا سوط العذاب بالتقي النقي الطاهر أحمد بن حنبل... انتهى كلام أبي زهرة.

أقول: فهكذا بهذه الحجة الموهومة تكون البدعة حقًا وكأن القرآن ليس فيه إلا هذه الآية التي أعجبت يوحنا وكأن الآيات الأخرى لا تذكر عبودية المسيح ومما يؤسف له أننا لا نستطيع هنا إطالة القول في إثبات وجه الابتداع في ذلك ولكن من يقرأ الجزء الثاني عشر من مجموع فتاوی ابن تيمية يتضح له ذلك غير بحوث كثيرة مطبوعة. 

وتأمل جيدًا قوله: «إن القرآن وإن كان كلام الله مخلوق» «وهو نظر عميق سليم  للوحدانية ويحتاط  للإسلام فهو موقف لا يخلو من النبل وهو  إيمان سليم» ثم قوله: أن يذكر الحقيقة كما هي ويحميها ويدعو إليها فسمى البدعة حقيقة. 

إن ظاهر هذه الحروف يجعل من أبي زهرة صاحب بدعة عظيمة وقول خطير يسوغ اتهامه بإحياء هذا اللغو الاعتزالي بعد أن تظاهرت جهود ثقات المحدثين على أمانته، ولكننا نفضل حسن الظن بالمسلمين واعتبار ذلك مجرد هفوة منه وجهل لا سيما وأن مواقفه رحمه الله ضد محاولات تحليل الربا والتأمين وموقفه الجريء الأخير قبل موته بأيام إزاء مشروع قانون الأحوال الشخصية كل ذلك يرجح جانب الإخلاص والخير فيه والله أعلم، وقد شاركت كتبه الفقهية في نشر الوعي وتوجيه بقية الدراسات الشرعية وأنا ممن استفدت منها ولا أزال أرجع لها ولكني لا أقدس أحدًا ولعل من يظن أني أوزع الاتهامات يتأنى إذا علم سبب جرأتي. 

وللقارئ أن يقيس هذه الهزيمة التي كانت من الشيخ غفر الله له أمام لغو المعتزلة بثبات المستشرق ولتر باتون حين ينبهنا خلال كتابه عن «الإمام أحمد والمحنة» إلى أنه لم يتهيأ لأحد أن يرى في هذه المشكلة ما رأته شخصية فذة كشخصية أحمد بن حنبل التي أدركت الجانب النظري البحت لمسألة أصل القرآن من حيث العلاقات التي تربطها بأركان الإسلام وقد بدا لأحمد أن صيانة هذه الروابط هي مما يمس كيان الحياة الدينية ذاتها ويتعلق بجوهر العقيدة وصار التنازل عما أرتآه أمرًا له خطره وجسامته ولم يكن لدى الفقهاء الآخرين مثل هذا التصور الخطير للمشكلة كما كان يراها أحمد فقد ظنوا أنها لا تعدو أن تكون نقطة من النقاط المتنازع عليها في المجادلات التي كانت تدور حولهم فالتنازل عنهـا قد يكون فوزًا في المناقشة لخصم من الخصوم ولكنه يصير عظيم القيمة حين يقدم عليه المرء إنقاذًا لحياته من السيف.» ص ۱۸۰

«إنه لا بقاء للإسلام إلا ببقاء السنة ففي سلامتها سلامته وفي صونها صونه ولو أنه أتيح للحركة العقلية التي نهض بها المعتزلة أن تحمل المسلمين قسرًا على نبذ السنة فمن الراجح أن يكون لمبدأ حرية الفكر الذي يدين بالعقل دون النقل ولا ينزل على حكم سلطة ما، أثر انحلالي يوهن من قوة الإسلام وتماسكه كما أنه يجعل الإسلام أكثر قابلية للتأثير بما يطرأ عليه من خارجه من عوامل التعديل.» ص ٣٤

حتى يقول باتون: «ويمكن أن نتجاوز ذلك إلى القول بأن الإسلام إذا كان يبغي المحافظة على جوهره وطابعه ليظل إسلامًا فما من سبيل يبلغ به هذه الغاية أفضل من سبيل المحافظة على السنة والاستمساك بعراها.» ص ٣٥

وقد ادخرت أقوالًا أخرى لهذا المستشرق النبه إلى بحث تفصيلي في المستقبل، وفيما أوردت كفاية لوضوح امتياز نظرته على نظرة أبي زهرة، وفي هذا دليل على ما قلته من ضرورة العلم الشرعي والوضوح العقائدي لكل كاتب في التاريخ الإسلامي حتى يتمكن من تحليل أحداثه تحليلًا صائبًا يتفق مع حقائق الإسلام ولا يقولن أحد إن الشيخ أبا زهرة له علم شرعي إذن فهو كذلك ونعم العالم هو لكن التأويلات الأشعرية غلبت على بعض الأزهريين وكانت للجيل القديم منهم احتياطات عصمتهم أن يتعدوها إلى بدعة فلما واجه جيلهم الحديث عنف الهجمة على «الأثرية» و«السلفية» الواقفة عند النصوص والرافضة للتأويل والتعطيل مال بعضهم إلى اللين ومجاراة شيء من الأقوال الاعتزالية التي يصفها المهاجمون بالتحرر، ويبدو أن مثل هذا السبب يكمن خلف فلتة لسان أبي زهرة هذه غفرها الله له وجزاه خيرًا عن صالح عمله. 

غير أن ولتر باتون بدعة في المستشرقين وما أكثرهم فممن يضرب أخماسًا بأسداس.

 وقد مرت سنوات طويلة خلال النصف الأول من هذا القرن سادت فيها المدرسة الاستشراقية في دراسة تاريخنا وراجت فيها مفاهيم وتحليلات وتأثر بهم جيل من الباحثين من أبناء المسلمين كرروا أقوالهم وأستأسروا لهم خلافًا لما حدث في ميدان الدراسات الأدبية مثلًا، فأن هذا القرن شهد نهضة أدبية رائعة ارتقت بالأساليب الإنشائية واستثمرت تراث السلف الأدبي استثمارًا جيدًا وما كانت الأصوات النشاز  في المجال الأدبي إلا قليلة ومفضوحة، أصوات طه حسين وزمرته وقلة أيضًا هم أصحاب الأغراض الأدبية الهابطة غير التربوية. ولعل القول يصح إذا قلنا إن النهضة الأدبية الحديثة بدأت جادة متينة الأسلوب واللغة وهي الآن تتميع ويضعف أسلوبها بينما بدأت الدراسات التاريخية الحديثة مهزوزة مخلطة وهي الآن تركد وتصفو.

وسبب ذلك أن المجال الأدبي شارك فيه وفي نهضته فحول احتضنتهم البيئة الإسلامية وكان القرآن والغرض الأدبي الراقي المتواتر عند الأدباء الأقدمين من المصادر الأساسية التي بنوا عليها ثقافتهم، فكان أحمد تيمور ومحمد كرد علي ومصطفى صادق الرافعي وأضرابهم من الباحثين والناثرين وكان أحمد شوقي وحافظ إبراهيم ومعروف الرصافي وأضرابهم من الشعراء، ثم من جاء من بعدهم من أبناء الجيل الذي استوى على القمة كعبد الوهاب عزام وأحمد أمين وزكي مبارك مع تخليطهما والعقاد مع تساهله وعلي محمود طه من الشعراء ثم جيل آخر بعضهم امتد به العمر ومازال حيًّا مثل عبد الله كنون بالمغرب ومحمود محمد شاكر بمصر وبعضهم قضى نحبه مثل القاضي الزبيري باليمن والبشير الإبراهيمي بالجزائر ومحمود حسن إسماعيل بمصر وهو آخرهم موتًا وغيرهم، بينما لم يكن الجيل الحديث من المعنيين بالتاريخ نتاج بيئة إسلامية ودراسة فقهية وقرآنية وإنما رحلوا إلى الغرب مباشرة وهم فارغون أو تتلمذوا على كتب المستشرقين منذ أول أمرهم.

  • ولهذا فإن شكيب أرسلان ظهر في مشاركته التاريخية رائعًا سليمًا لخلفيته الإسلامية أولًا ولمشاركته الأدبية الجمة تلميذًا للجيل الأول الصافي من الناهضين وقرينًا للمتوغلين فكتب في فصول التاريخ الإسلامي العام كتابات جيدة نقية وفي التاريخ الأندلسي والتاريخ العثماني وجاءت بحوثه طريقًا ما هدأ يرمل فيه كل ملتزم الالتزام الإسلامي من المؤلفين فيجانب من التاريخ الإسلامي.

وطرأت من بعده فترة فراغ في التحليل المنطلق من الموازين الإيمانية لتاريخنا الإسلامي حتى انبرى للأمر في الهند الأستاذ أبو الحسن الندوي فكان كتابه «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين»، محاولة من نوع جديد لفهم تاريخنا، ولكنها ذات صفة نقدية وصفية وليس في كتابه استعراض جزئي وأهميته في الحقيقة تكمن في هذه الصفة النقدية ذاتها،أن ركز خلالها على الأسلوب الإسلامي في التطور الحضاري وأسباب التأخر والتقدم فغدت معانيه منطلقات واضحة ينطلق منها أي باحث مسلم لعصر من العصور أو لتاريخ بلد معين أو لدور شخصية من الشخصيات، وهو أول كتب الأستاذ الندوي ألفه يوم كان شابًا لكنه جاء تامًا وصدق عمر رضي الله عنه حين كان يستشير الشباب ويقول: أبتغي حدة عقولهم.

وصدر بعده كتاب تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند للأستاذ مسعود الندوي المتوفى عام ١٩٥٤ بالمدينة المنورة وهو من دعاة الإسلام النشطين في الهند ومن قدماء أصحاب المودودي رحمه الله وكان قد تولى ترجمة طائفة من كتاب الأستاذ المودودي إلى العربية بعد إتقانه الإنشاء فيها وتخرجه بأستاذنا الدكتور تقي الدين الهلالي المغربي لما أقام بالهند.

وفي كتاب الأستاذ مسعود إحاطة أمينة موجزة بتاريخ الإسلام في الهند ولكن أهميته في نظري تتمثل في كونه نموذجًا حسنًا لما يجب أن تكون عليه الدراسة الإسلامية للتاريخ فقد حلل الأحداث وفقا لمفاهيم القرآن والسنة عن الحياة وشخّص الأعراض المرضية التي ألمت بمسلمي الهند ووصف محاولات الاستدراك عليها منطلقًا من خلفية شرعية واضحة النقاء. 

  • وكان صدور هذين الكتابين هو  جزء من ظاهرة تصاعد للمعنويات الإسلامية في كتابة التاريخ شارك فيها سيد قطب رحمه الله داعيًا مناديًا محفزًا وكان من نتيجة هذا التصاعد صدور الكتابين الآخرين المهمين للشيخ محمد الصادق عرجون عن«عثمان بن عفان» و«خالد بن الوليد».
  • و أعقبت ذلك فترة ركود؛ لعل محنة الحركة الإسلامية بمصر من أسبابها، ولم تر خلال ذلك غير كتاب متوسط الحجم بعنوان «أضواء على التاريخ الإسلامي» وأظنه لفتحي عثمان وفيه التفاتات جيدة وأعجبني حين قرأته وقراءتي له قديمة.

 وفي أواخر الستينيات صدر كتاب «تفسير التاريخ» لعبد الحميد صدقي من الهند وترجم إلى العربية ولم أقرأه ولكن سمعت بأنه سليم في نظراته مع هنات بسيطة. 

  • وتصفحت كتاب الأستاذ أنور الجندي عن التاريخ الإسلامي وهو الجزء الثاني من كتابه «مقدمات العلوم والمناهج» وأرجو أنه مفيد إذ إن أفكار الأستاذ الجندي صحيحة نظيفة وإن كانت كتاباته تأتي على نمط صحفي عام وتحتاج إلى عمق والتزام بطرق البحث وإلى روح سلفية أشد تجاه المعتزلة والأشاعرة.
  •  وفي هذا السياق أتى كتابي «دفاع عن أبي هريرة» في السبعينات وهو ثالث كتابيْ الشيخ عرجون لكني التزمت فيه دقة منهجية أمتن وأجعله نموذجًا للدراسات التي يمكن أن يقوم بها الشباب المسلم عن شخصيات أخرى تسد الثغرات المتبقية في دراسة شخصيات صدر الإسلام.
  •  كما ونبغ في الموصل الدكتور عماد الدين خليل في هذه الفترة ويعتبر كتابه عن «ملامح الانقلاب الإسلامي في حكم عمر بن عبد العزيز» خاصة من الإضافات الجيدة في هذا المجال.
  •   وتحتل كتابات الأستاذ اللواء محمود شيت خطّاب عن قادة الفتوح الإسلامية مكانة عالية وفي كلماتها حيوية دافقة وهي تنم عن خبرة عسكرية أصيلة وروح إيمانية وسبب ذلك أنه ربيب مجالس الفقهاء في الموصل وبغداد وله بطولة مذكورة شهدتها أرض فلسطين سنة ١٩٤٨ إذ كان الرجل الثاني في قطعات الجيش العراقي الذي انتصر في معركة جنين نصرًا مؤزرًا بقيادة البطل الشهم عمر علي رحمه الله وقد انسحب اليهود من واديها عن ألفين وستمائة قتيل خلال سويعات قليلة أو ساعة، ولعارف العارف فصل في كتابه «النكبة» استوفى فيه خبر المعركة ولولا تأول سياسي أفتى الأستاذ خطاب به نفسه لكملت أوصافه فإنه ثقة.
  •  وتماثل كتابات الأستاذ أحمد عادل كمال عن «القادسية» «والطريق إلى المدائن» ما كتبه الأستاذ خطاب إذ يمتاز بعرض دقيق وتحليل عسكري ناجح.
  •  ويكاد الدكتور عبد الجبار الجومرد رحمه الله أن يبلغ في كتاباته عن هارون الرشيد والأصمعي ويزيد بن مزيد طبيعة الكتابات الإسلامية مع ضعف الجانب التحليلي فيها وقلةتفنيده لروايات الشعوبيين، والأستاذ الجومرد من ثقات الموصليين وكانت ثورة تموز قد عهدت إليه بوزارة الخارجية العراقية بعد سقوط النظام الملكي مباشرة وله تدين وأُثر عنه في سنواته الأخيرة حسن ظن بالحركة الإسلامية ويلاحظ المرء أنه واضح التركيز على الانتصار للشخصيات العربية التي عاداها الشعوبيون في العصر العباسي.

زمرة على الدرب: 

ومع هذا الإنتاج الطيب فإن حاجة ملحة مازالت تطلب من أصحاب الأفكار الإسلامية الصافية تقاسم الأدوار لإنتاج كتب يشمل كل منها دراسة حقبة تاريخية مميزة أو دولة من الدول الإسلامية أو حال الإسلام في ديار معينة والديار القاصية على الأخص وأن يكون ذلك من خلال منهج علمي واضح وتدقيق في الروايات ونقدها واستيعاب للمراجع المطبوع منها والمخطوط وإذا جاء هذا التعاون من خلال المركز الذي اقترحناه لإعادة تدوين التاريخ كان ذلك أفضل. 

  • من هنا تنتصب أهمية خاصة لدراسة الدكتور عبد الرحمن الحجي عن التاريخ الأندلسي باعتبارها أول دراسة منهجية إسلامية الهوية شاملة لتاريخ جزء مهم من بلاد الإسلام على تعاقب الدول التي حكمته.
  •  وإذا صدرت الترجمة العربية لكتاب الأستاذ المودودي رحمه الله عن سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- فيرجى أنها ستكون الدراسة المنهجية الثانية في هذا المجال.

ومع أن مجموعة كتب الأستاذ خطاب تعتبر تغطية لفترة اندفاع الفتوح وتفرض نفسها  كدراسة منهجية ثالثة أو أولى إلا أن الحاجة قائمة لدراسة عن عصر الراشدين كاملة وأخرى عن الدولة الأموية وأخرى عن الدولة العباسية ورابعة عن الحروب الصليبية وأبطال الإسلام فيها وخامسة عن الهند أوفى من دراسة الأستاذ مسعود الندوي وسادسة عن ديار العرب بعد سقوط الدولة العباسية وأخرى عن الدولة العثمانية مع دراسات عديدة عن كل رجل من صالحي المسلمين أثيرت حوله الشبهات الباطلة.

وبعض أملنا في إنجاز هذه الدراسات يتجه إلى نخبة من حملة الفكر الإسلامي الباحثين في التاريخ عن مقدرة. 

  • منهم الدكتور أكرم ضياء العمري الأستاذ المساعد للتاريخ بجامعة بغداد ورئيس قسم الدراسات العليا بجامعة المدينة المنورة اليوم، فقد كشف تحقيقه لتاريخ خليفة بن خياط وطبقات خليفة وكتاب يعقوب بن سفيان الفسوي عن جزالة وتمكن، وفي بحثيه عن موارد تاريخ الخطيب البغدادي وتاريخ علوم السنة المشرفة عمق واستقصاء، وله الكثير من المقالات النافعة في المجالات الجامعية وأظن أن جهوده التدريسية تعطل بعض مسيرته ولو اعتكف وضاعف الجهد لأتى بدراسة على النمط الذي نتمناه تسد إحدى الثغرات المذكورة آنفًا.
  • وينبغ في هذه الأيام أيضًا في مجال الدراسة التاريخية الإسلامية شاب همام من شباب مصر اسمه محمد حرب عبد الحميد، مترجم مذكرات السلطان عبد الحميد، وقد قابلته في صيف ۱۹۷۹ وهو يوشك أن ينال درجة الدكتوراه من جامعة إستانبول في دراسة له عن السلطان سليم العثماني فاتح سورية ومصر، وقد أخبرني أنه عاكف أيضًا على وضع دراسة شاملة للحكم العثماني وأنا أرجو أنها إذا اكتملت أن تكون الدراسة المنهجية الرابعة وخطوة مهمة على طريق تكميل ووصل الدراسات التاريخية الإسلامية العامة.

وحتى الآن لا أعرف أجود من دراسة الأمير شكيب أرسلان عن الدولة العثمانية لكنها لم تشتهر لأنها جاءت خفية ضمن کتاب سماه «تعليقات على تاريخ ابن خلدون» وكلامه فيه منصف لكنه كان ميالًا لبعض شخصيات الاتحاديين وكان طلعت باشا وأنور باشا من أصدقائه وله بهما حسن ظن فأعطاهما أكثر مما يستحقان. 

وقد قرأت كتابًا للدكتور سالم الرشيدي عن محمد الفاتح من مطبوعات دار العلم للملايين وكان رسالة نال بها الدكتوراه من القاهرة سنة ١٩٥٠ وأفكاره فيه سليمة ويعتبر من الكتب المفيدة التي اعتنت بفترة مهمة وضاءة من التاريخ العثماني وفي آخر الكتاب حروف يسيرة يميل فيها إلى التساهل في بعض الأمور الشرعية ولا أدري إن كان هناك للمؤلف إنتاج آخر.

  • وأتوقع نجاحًا جيدًا إن شاء الله للدكتور سعدي مهدي الهاشمي المدرس حاليًا بجامعة المدينة المنورة وهو شاب صاعد يمتلئ حيوية وعلمه أكبر من شهادته ومدى همته يسبق سنوات عمره وهو وإن كان مختصًا بعلوم الحديث ونال درجته بدراسة قدمها عن أبي زرعة الرازي إلا أن إطلاعاته التاريخية واسعة وشغفه بالمخطوطات عظيم، وسيعينه علمه بتاريخ رواة الحديث النبوي الشريف على بلوغ الإتقان المنهجي كاملًا.
  •  ومنهم أيضا أخي شكر الله نعمة الله قوجاني وهو شاب إيراني الجنسية ولكنه ولد ونشأ في بيئة عربية في بلد عربي ويحمل عقيدة سلفية وفكرًا إسلاميًا صافيًا ويعد نفسه من تلاميذي ولكني كنت أستفيد منه أكثر مما يستفيد مني وأرجو أن ينال الدكتوراه خلال السنتين القادمتين وله انكباب على كتب التاريخ وتتبع للمخطوطات وحصيلته جيدة وكان قد حقق تاريخ أبي زرعة الدمشقي ونال به الماجستير من بغداد ويختص الآن بتاريخ دمشق لابن عساكر.
  •  و يشاركهم في المسيرة الدكتور عبد الحليم عويس وهو من أكثر شباب الجيل المصري الجديد حيوية ويختص بتاريخ المغرب أو بعضه وقد ارتقى مستواه الفكري خلال السنوات الأخيرة بشكل واضح وأظنه يحتاج إلى تعمق أكثر في العلوم الشرعية ليستكمل استثمار علومه التاريخية في نظرات تحليلية شاملة وله الآن مشاركات صحفية واسعة هي نافعة دون شك لكنها تهدد تجرده للدراسة التاريخية ولو تجرد للبحث المستقصى المتأني وترك الكلام الفكري جانبًا لكان انتفاع الأمة به أکبر والله أعلم.

فهؤلاء العشرة مثل دائرة مفرغة لا تعرف لها طرفًا، خطاب والجندي والحجي وعماد وعادل وأكرم وسعدي وشكر الله وعويس وحرب وهم جمهرة خير وكل منهم ضارب في الفضل بسهم ونحوهم يتجه الرجاء لرفع قواعد المدرسة التاريخية الإسلامية التحليلية الملتزمة الجديدة ولست بالذي ينكر فضل الآخرين فإن الفضل واسع الأرجاء ولكن هذا مبلغ علمي في الرجال وهذا حد تمييزي.

كما أني لست بالذي ينسى فضل من يمهد لغيره بتحقيق المخطوطات التاريخية،فإن عملهم عمل جليل لا غنى عنه أبدًا وإذا كنا قد شكرنا المستشرقين على مثل ذلك فأولى أن نشكر هؤلاء النفر القدوات في هذا الفن مثل محمد أبي الفضل إبراهيم وأضرابه.

ثم إلى العدد القادم إن شاء الله حيث نواصل بقية الحديث.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

1679

الثلاثاء 24-مارس-1970

حَديث صَريح للشيخ محمد أبو زهرة

نشر في العدد 5

158

الثلاثاء 14-أبريل-1970

أقوال خالدة