العنوان صفحات من دفتر الذكريات (٣٦) مهمة جزائرية في فرنسا في صيف عام ١٩٥٤م
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-فبراير-1995
مشاهدات 67
نشر في العدد 1138
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 14-فبراير-1995
· حكومة
العسكر في مصر عملت على توسيع الهوة بين المختلفين في أحزاب المغرب ليكون لها نفوذ
فيها
عندما زرت فرنسا للمرة الثانية في نهاية عام 1951م، وبداية 1952م،
كانت بوادر الانقسام في حزب الشعب الجزائري تزعجني، خصوصًا وأن الأنباء كانت تؤكد
تفاقم الخلاف وزيادة حدته، ومع ذلك بقي عندي الأمل في إصلاح ذات البين، وشجعني على
ذلك أن المجموعة التي تقيم في مصر كلها كانت تسعى بجد وإخلاص لكي تسوي الصف،
وخصوصًا أن الشقاق بدأ من الجزائر نفسها بين اللجنة المركزية وبين الزعيم مصالي.
أما إخواننا الذين كانوا في مصر، فكانوا طرفًا ثالثًا، وكانوا يبكون
ويتألمون لهذا الصراع الداخلي بين الزعيم وبين اللجنة المركزية، وقالوا لي مرارًا
إنهم يسعون للتوفيق بين الطرفين، وأنهم يلتقون مع بعض المجاهدين في أوروبا، وفي
أحد هذه اللقاءات في شهر أبريل 1954م اتفقوا على أن أحسن وسيلة لإخراج الحزب من
حالة التمزق والشقاق هي أن يبدؤوا عمليات فدائية، لأن الجميع سيتحدون في ميدان
الفداء والاستشهاد.
انطلاقة الجهاد
وأذكر أنه في أوائل الصيف في شهر مايو 1954م، حضر إلى منزلي أحمد بن
بيلا وأسر إلي أنه كان في سويسرا، وأنهم اجتمعوا هناك مع قيادات الداخل واتفقوا
على أن تحدد موعدًا لبدء العمل الفدائي في الجزائر بعد ستة أشهر في شهر نوفمبر
1954م، وأنهم يرون أن من المصلحة أن يبذلوا محاولة أخيرة للمصالحة بين قادة الحزب،
واقترح علي أن أسافر إلى فرنسا لمقابلة "مصالي" ومحاولة إقناعه بالتعاون
معهم لإزالة الخلاف، وأنهم سيتولون هم التفاهم مع اللجنة المركزية أو أغلبيتها
بواسطة إخوانهم في الداخل لتلتزم بالتعاون، لأن الحزب يجب أن يواصل نضاله ضد
الاستعمار موحدًا، وجبهة منتظمة، وأسر إلي أنهم يريدون أن يبدأ العمل الفدائي قبل
نهاية هذا العام 1954م، وإن كان قد طلب مني وأكد علي أن يبقى هذا سرًا، ولا يعرفه
"مصالي" ولا غيره الآن، ولما أبديت له أنني أشك في أن توافق الحكومة
المصرية على سفري قال:
لا بد أن تحاول، وقلت له إن هناك مؤتمرًا لهيئات التدريس في الجامعات
في فيينا وأرغب في حضوره، فشجعني على أن أبدأ الإجراءات للحصول على جواز السفر
والإذن بالخروج، رغم أنه يعرف أنني كنت قد اعتقلت في شهر مارس وأفرج عني في 25
مارس، وكانت الحكومة في خصام شديد مع جماعة الإخوان المسلمين، وهي تعلم أنني عضو
مؤسس ملتزم بنظامها، وفي الحقيقة كانت هذه محاولة وتجربة لا بد أن أذكر تفاصيلها.
تكليف التلاميذ بالتجسس على الأساتذة
كان أحد تلاميذي في معهد العلوم الجنائية بكلية الحقوق، وهو "طه
ربيع"، وكان هو المشرف على مكتب الأمن بوزارة التربية والتعليم، ومكتب الأمن
هذا هو الذي يمثل المباحث والاستخبارات في كل وزارة وفي كل مصلحة أو شركة حسب
أسلوب الازدواجية الموجود في النظم العسكرية والشمولية، وكنت على علاقة طيبة مع كل
تلاميذي، وكثير منهم كان من ضباط الشرطة والأمن، ولم أكن أخفي عليهم علاقتي
بالإخوان، وهم كانوا لا يخفون أنهم يعرفون مشاكلي مع الحكومة، لأن اعتقالي كان
معروفًا، ولكن صلتي بتلاميذي شيء، والاتجاهات السياسية شيء آخر. هذا من جانبي، أما
من جانبهم فإن بعضهم بلا شك كان يواصل تقديم التقارير عني، وفيها وقائع صحيحة،
ولكن فيها كذلك وقائع محرفة أو مختلفة.
لقد أعطيت طه ربيع طلبي للتصريح بالخروج لحضور مؤتمر هيئات التدريس،
فقال لي إنني سأسعى لذلك، وعاد بعد أسبوع ليخبرني بأنهم سيصرحون لي بالسفر، ودهشت
لذلك، ولكني سررت، وأخذ مني الجواز، وقال لي إن عنده أملًا كبيرًا في الموافقة على
هذا، وإن الوزير، وهو كمال الدين حسين، وعده بهذا، وطلب مني أن أزور الوزير في
منزله لأفهمه إنني ذاهب إلى مؤتمر علمي، وكان بعض زملائنا، وهو الدكتور سيد صبري
-أستاذ القانون الدستوري- وكذلك الدكتور إبراهيم الدمرداش -عميد كلية الهندسة في
ذلك الوقت- قد قرروا حضور هذا المؤتمر الذي يضم مندوبين عن جمعيات الأساتذة وهيئات
التدريس في الجامعات المختلفة.
وفعلًا تقابلت مع الوزير كمال الدين حسين في منزله، وكان قريبًا من
منزلي بالدقي، وقابلته وأحسن استقبالي، وقلت له: أنت تعرف اتجاهي، وأنا أعرف أنه
لا يعجبكم، وأنكم غير مرتاحين لجمعية هيئة التدريس التي نمثلها، ونحن الأساتذة نحب
دائمًا أن يكون لنا رأينا المستقل، ولا يفرض علينا أي رأي من جهة أخرى، وأنا ذاهب
إلى اجتماع لهيئات التدريس، وأنا كما تعرف عضو مجلس إدارة الجمعية التي تضم أعضاء
هيئة التدريس بجامعة القاهرة، وسبق لنا الالتقاء معكم ومع الرئيس جمال عبد الناصر،
وسبق لنا الاتفاق في أشياء والاختلاف في أشياء أخرى، وسوف أكون مسرورًا بالسفر إن
لم يكن عندكم مانع في سفري رغم أنك تعرف علاقتي بالإخوان المسلمين، فقال: نحن
نعرفك شخصيًا، ونعرف أنك صاحب رأي وصاحب فكر، وإن شاء الله سنسمح لك بالسفر في
الوقت المناسب، وفعلًا حصلت على الإذن بالخروج رغم أني كنت يائسًا من ذلك، وعلاوة
على هذا فإن "طه ربيع" لازمني في كل خطواتي حتى ركبت الطائرة. وكان هذا
في ظاهره مجاملة لي بصفتي أستاذه وباعتباره تلميذي، ولكني لم أكن واثقًا من أن
الدافع كان هو مجرد حب التلميذ لأستاذه وحسن معاملته معه، وقد اعترف لي فيما بعد،
وبعد أن اعتقلت وأفرج عني، والتقيت به عدة مرات بعد خروجي من المعتقل عام 1956م،
بل وبعد أن ترك المباحث "في الظاهر على الأقل" وحصل على الدكتوراه
وأخبرني أنه عين أستاذًا في الخرطوم في فرع جامعة القاهرة، لقد اعترف لي بأنه كان
في ذلك الوقت يصر على مرافقتي بصفة رسمية إلى جانب صفته كتلميذ، وأنه كان مكلفًا
بأن يتتبع كل خطواتي ويقدم تقريرًا عن كل الجهات التي أتصل بها، والأشخاص الذين
يتصلون بي، ومعرفة الهدف الحقيقي من سفري، ولم أذكر له مسألة الجزائريين أو غيرهم،
وصاحبني في خان الخليلي لشراء هدايا بحجة أن له أصدقاء هناك يجاملونه في الأسعار،
وسافرت فعلًا بالطائرة إلى جنيف أولًا، وفي الحقيقة كان ذهابي إلى جنيف لكي أمر
على سعيد رمضان الذي كان يقيم هناك، وأعرف منه بعض المعلومات عن الأوساط الأجنبية
التي تتابع نشاط الإخوان المسلمين، وكل ما يدور حوله هناك.
مهمة باريس
وهناك التقيت مع "صالح بن يوسف" بناء على طلب أحد أصدقائه
في القاهرة، وجلست معه فعلًا مرتين، وطلب مني أن أحمل رسالة منه إلى "الحبيب
بورقيبة" في المكان الذي يقيم فيه تحت الإقامة الجبرية في فرنسا، وكان على
اتصال تليفوني به، وكلمه فعلًا بالتليفون أمامي، ورتب لي طريقة الاتصال به
ومقابلته هناك والتحدث معه بشأن الطريقة التي يختارها للتعاون بينهما في المفاوضات
مع الفرنسيين، وقال له إن فلانًا هو صديقنا جميعًا سيجتهد في زيارتك، وقال لي: نحن
مستعدون لكي نبقى هنا في أي مكان يختاره لكي نكون قريبين منه ومن الفرنسيين لهذا الغرض،
وقال لي: إن بورقيبة أبلغه ترحيبه ووعد باستقبالي، وأعطاني "صالح بن
يوسف" رقم تليفون "بورقيبة" وعنوانه لكي أتصل به عندما أصل إلى
باريس، وسأتحدث عن هذه المقابلة تفصيلًا فيما بعد.
ذهبت إلى باريس ونزلت في أحد الفنادق قرب الشانزليزيه، واتصلت أولًا
بممثل حزب الشعب في باريس، وهو كان معروفًا لي ولجميع الإخوان الجزائريين في
القاهرة، وكان اسمه الحركي السيد عابد، وأظن أن اسمه الحقيقي "فيلالي"،
وقد حضر إلي وطلبت منه أن يتصل بمصالي، وأن يسهل لي مهمة المقابلة، وفعلًا عاد إلي
وأعطاني موعدًا للسفر وموعدًا للقاء هناك، وقال لي: إنه سيخصص لي سيارة وأحد
الإخوة الجزائريين هو الذي سيقودها، وسيصحبني في الذهاب والعودة، وبعد ذلك اتصلت
أنا شخصيًا ومباشرة بالحبيب بورقيبة في منزله في الرقم الذي أعطي لي، ووعدته بأنني
سأتصل به خلال أسبوع عندما أصل إلى هذه المنطقة، وأبدى ترحيبه، وكان المكان الذي
يقيم فيه ليس بعيدًا عن المكان الذي كان يقيم فيه مصالي، ولا أذكر أسماء الأماكن،
ولكنها كلها كانت وسط فرنسا قريبة من "فيشي"، ولكن لم أرد أن أذهب وحدي،
وتشاورت مع "فيلالي" فيمن يذهب معي، وكان لي معرفة في ذلك الوقت
بالمغاربة المقيمين في باريس والممثلين لحزب الاستقلال، وجريًا على المبدأ الذي
التزمت به دائمًا أنني لا بد أن أتصل بمندوبي الأحزاب الثلاثة، اتصلت مع مندوب
الاستقلال المغربي وطلبت منه ترشيح أحد زملائه لمرافقتي في هذه الجولة، فاقترح علي
اسم الدكتور عبد الكريم الخطيب الذي أتم دراسة الطب في فرنسا، لأنه في ذلك الوقت
يستعد للعودة للبلاد، وهو يستطيع أن يذهب ويعود معي، لأنه سيعود للبلاد قريبًا
ويعمل بها فعلًا، فلا يستطيع الفرنسيون أن يضايقوه كثيرًا، وفعلًا اتصلت بعبد
الكريم الخطيب ووافق على أن يحضر معي، بل اقترح أن يحضر معه زوجته على اعتبار أنها
في نفس الوقت ستأخذ صورة رحلة سياحية ونزهة لنا جميعًا، وغرضنا الأساسي ظاهريًا هو
السياحة، وسنمر على "مصالي" كزيارة شخصية، وقلت له إنني سأذهب بعد ذلك
لزيارة بورقيبة، ولم يكن حريصًا على أن يشترك في هذا اللقاء، لأنه ليس له معرفة
سابقة به وليس بينهما أي اتصال، مثل العلاقات التي توجد بينهم وبين الجزائريين،
وفعلًا ركبنا السيارة، وكان السائق من الإخوة المناضلين الجزائريين، وكان أحد
أعضاء الحركة المخلصين الطيبين، وله خبرة في السفر في طرق فرنسا، كما أن عابد قال
لي إنه من ذوي الفكر والعاطفة الإسلامية، وفعلًا كان ذلك، وسعدنا بمصاحبته طوال
المدة، وعندما وصلنا إلى المدينة التي يوجد بها "مصالي حاج"، وكان يقيم
إقامة جبرية في أحد الفنادق المتواضعة في وسط المدينة، توقفنا عند هذا الفندق
ونزلنا فيه كأي سائح عادي، نزل كل واحد منا في غرفته، أما دليلنا الجزائري فقد ذهب
إلى "مصالي" واتفق معه على أن ننزل له في غرفته في ساعة معينة، ونزلت
أنا والدكتور عبد الكريم حتى يكون شاهدًا وحاضرًا هذا اللقاء.
مع مصالي الحاج
وقابلنا "مصالي" وحيانا بترحاب كبير وثقة كاملة، وبدأ
بالشكوى من اللجنة المركزية لحزبه في الجزائر، وكان يسميهم "باشوات
الحزب" الذين يريدون إبعاده عن القيادة، ويريدون أن يتصرفوا على هواهم،
ويستقلوا بالحزب دون الرجوع إليه، فقلت له إن هذا الموضوع هو ما جئنا من أجله، لأن
الإخوة في مصر -وهو يعرفهم جميعًا- منزعجون جدًا من الحرب الداخلية بين أعوانك
وأعوان اللجنة المركزية، وهذا الانقسام يسيء إلى الحزب كثيرًا، وإلى الحركة
الوطنية، وهم مستعدون أن يقوموا بدور الوسطاء لتوحيد الصف، لأن ذلك ضروري في هذه
الظروف، فقال لي على الفور: كيف حالهم؟ وماذا يفعلون الآن؟ ثم تساءل: هل حقيقة
ينوون القيام بشيء قريبًا كما علمت؟ قلت له: هذا ليس من شأني، ولا أسأل عنه، فقال
لي: أرجوك أن تبلغهم بأن أي عمل من هذا القبيل يجب أن يكون من الداخل، وألا تكون
قيادته في القاهرة حتى لا تكون -على حد تعبيره- Teleguide أي موجهة من القاهرة بواسطة اللاسلكي، قلت له:
على كل حال أنا مستعد أن أبلغهم رسالتك، ولكن المهمة التي جئت من أجلها تحتاج إلى
مساعدتك، وأنت زعيم الحزب، والكل يعترف بزعامتك، لكن الشقاق بين أنصارك وبين
اللجنة المركزية يمكن حله بتغيير بعض الأشخاص أو إيجاد هيئة أخرى تكون محل ثقة
جمهور الحزب، قال: أنا على أتم الاستعداد بشرط ألا تفرض علينا قيادة أو توجيهات من
الخارج، قلت له: هذا أمر يحتاج إلى لقاء وتفاهم، وأنت الآن مستعد وهم مستعدون، فهل
نستطيع أن نجمعكم؟ هم لا يستطيعون الحضور إلى هنا، وأنت تعرف هذا، وأنت لا تستطيع
الخروج من هنا، فاقترحت إذن أن تفوض واحدًا من عندك أو اثنين يحضران إلى القاهرة،
وأنت تعرف أن القاهرة مفتوحة لكم دائمًا وآمنة، وعندما يحضران يلتقيان مع الإخوة
الذين في القاهرة ويتفقون معهم، وأعتقد أن ما يتفقون عليه سوف يرضيك، وسيكون لرأيك
قيمة كبيرة، فوافق على ذلك، وقال لي: متى تريد أن يأتي المندوب إلى القاهرة؟ قلت
له: أنا عندي رحلة تحتاج لشهر، وبعد شهر أكون في القاهرة، وأكون بانتظارهما،
ومندوبكم في القاهرة "الشاذلي مكي" يستطيع أن يوصلهما لي، وقد نفذ
"مصالي" وعده، وأرسل مندوبين إلى القاهرة، ولكن تبين أنهما وقعا في كمين
واعتقلا، كما اعتقلت أنا كذلك قبلهما، ولا أدري للآن من أعد هذا الكمين لهما ولي.
ويظهر أنني وقعت ضحية معهما في هذا الكمين، وتبين أنني كنت مخطئًا عندما قلت
"لمصالي" إن القاهرة ستكون مكانًا آمنًا لمندوبك، وظهر لي أن الجهات
المسئولة عن الأمن كانت غير راغبة في إتمام هذه المصالحة، وقرروا اعتقال كل من
يساهم فيها، وبدأوا بي شخصيًا، ثم اعتقلوا مندوبي "مصالي" بعد ذلك، ولم
أعرف حتى الآن مسئولية "بن بيلا" في هذه المؤامرة، وأخشى أنه كان ضالعًا
فيها، أو على الأقل عالمًا بها.
لقد بدأت هذه الفكرة لدي يوم اعتقالي الذي تم في اليوم التالي لاتصال
الشاذلي مكي بي وإبلاغي بوصول مندوبين من باريس حسب اتفاقي مع مصالي، واتفقنا على
أن يحضر لمنزلي في الصباح، لكن هذا اللقاء لم يتم لأنني اعتقلت في تلك الليلة،
وكنت في الصباح الباكر في السجن الحربي، وبعد أسابيع قضيتها في التعذيب أبلغني أحد
المعتقلين بأن اثنين من الجزائريين موجودان في السجن، وأنهما سألاه عني، وأن
أحدهما ذراعه مقطوعة، فعرفت أنه الشاذلي مكي.
دور القوى الخارجية في إحداث الفرقة داخل الأحزاب
قبل أن أسترسل في تطورات هذه الأحداث يجب علي أن أوضح نقطة تغيب عن
ذهن الكثيرين، وهي أن مثل هذه الظواهر تبدأ في صورة خلاف في الرأي، ثم تتحول إلى
صراع سلطة داخل الحزب بين مجموعتين، وعادة توجد قوة خارج الحزب تدفع كلا الطرفين
نحو توسيع شقة الخلاف وزيادة حدة الخصام، وأول هذه القوى هم أعداء الحركة أي
الاستعمار، ومن يعملون معه أو لحسابه.
وكثيرون يصرون على تجاهل هذه الجهات الخارجية، ويحاولون إعطاء المشكلة
صورة نزاع داخل الحزب، ويبتكرون لذلك أسبابًا داخلية، فإنني أذكر بأن هذه الظاهرة
تكررت في الأحزاب الوطنية في شمال أفريقيا، وكان من أهم العوامل في حدتها وتفاقمها
هو أن الدولة الاستعمارية تتخذ إجراءات تبعد أحد الطرفين عن ميدان العمل، وتحيطه
بحاشية تدفعه إلى التشبث بالسلطة ناسيًا أنه لا يمكنه ممارستها جديًا طالما أن
العدو يفرض عليه الإقامة الجبرية، أو النفي والإبعاد، فلا يستطيع تقييم الموقف في
بلاده أو في حزبه إلا من خلال من يتصلون به أو يزورونه من المقربين إليه، وغالبًا
يمر هؤلاء بعملية تصفية تمارسها الأجهزة التي "تحرسه"، ولا تسمح
بالاتصال به إلا لمن تختاره، ومن تعدهم لذلك، ويكونون من المنافقين أو الجواسيس
الذين يخترقون الصفوف، وبواسطة هؤلاء تعرف الجهات الأجنبية كيف تستفيد منه بعلمه
أو بدون علمه.
إن مصالي قضى في السجن في الصحراء أكثر من عشر سنوات، وبعدها فرضت
عليه الإقامة الجبرية في فرنسا طول حياته، ولم يستعد حريته ولم يتمكن من العودة
إلى بلاده طول هذه الفترة، ولذلك فإن ما كان يصدر عنه من توجيهات أو آراء كانت في
الحقيقة متأثرة بمن يحيطون به أو يذهبون إليه، وهم الذين يلجأون إليه عادة للشكوى
من المسئولين في الحزب أو من الأقلية المعارضة داخل الحزب نفسه، وكان يجب عليه أن
يجعل تصرفاته في حدود إمكانياته كمعتقل أو سجين لا يستطيع أن يقدر جميع الظروف
المحيطة بميدان العمل الحزبي والوطني التي تؤثر على تصرفات المسئولين وقراراتهم.
بورقيبة واقتلاع الفكر الإسلامي
ومثل ذلك وقع لبورقيبة، فقد التقيت به لنفس الغرض، وحاولت إقناعه
باقتراح "صالح بن يوسف" كما سأبين فيما بعد، ولكنه أصر على أنه هو وحده
الذي يجب أن يقرر كل شيء باعتباره رئيس الحزب، وحاولت إقناعه بأن ظروف الإقامة
الجبرية المفروضة عليه تحول دون تمكينه من الوصول إلى الحلول المناسبة للمشاكل
التي يواجهها الحزب أو تواجهها البلاد، وكان يعتبر هذا القول مني إنقاصًا من حقه
الشرعي كرئيس للحزب، وقد قال لي: دعك من كل هؤلاء، أنا وحدي الذي أعرف كل شيء،
وأنا المسئول، والشعب لا يعرف إلا بورقيبة، وإنني أنا الذي أمثل الحزب، أما الآخرون
فعليهم أن يلتزموا بما أقرر وما أفعل، ولذلك رفض هذا الاقتراح، واستمر في التفاوض
مع الفرنسيين حتى اتفق معهم على نوع من الاستقلال الداخلي بشروطهم المعلنة وغير
المعلنة، وأعتقد أن أولها اقتلاع جذور الفكر الإسلامي والاتجاه العربي الإسلامي في
تونس، وما زال هذا هو الأساس الذي يقوم عليه نظام الحكم في تونس حتى بعد خروج
بورقيبة، ولعل هذا هو السبب في تشبثه باحتكار الاتصالات بالفرنسيين، لأن مثل هذه
الشروط كانت التزامات شخصية لا يحسن عرضها على قادة الحزب، ثم إنها توافق هواه
شخصيًا بسبب حقده القديم على مؤسسي حزب الدستور القديم من العلماء الذين هم أكبر
منه سنًا وأكثر نفوذًا، ولكنه استطاع أن يخرج عليهم ويكون لنفسه زعامة شعبية بفضل
تواطؤ عناصر داخلية وخارجية أعتقد أنها من الماسونية.
والوحيد الذي وجدت أنه يدرك ذلك الموقف ويعمل بمقتضاه هو السيد
"علال الفاسي"، فقد بقي مبعدًا عن بلاده حتى عاد الملك وأعلن الاستقلال،
وكان المسئولون عن الحزب في الداخل يتخذون جميع القرارات وهو في الخارج، ولم أشعر
أنه كان متضررًا من ذلك رغم أنه يعرفه، بل كان يقال له من حين لآخر تصريحًا أو
تلميحًا إنهم ليسوا حريصين على عودته إلى البلاد، ولا على أن يمارس سلطته فعلًا
كرئيس للحزب، وقبوله لهذا الوضع هو الذي حال دون انشقاق اللجنة العليا للحزب التي
كان يرأسها فعلًا الحاج أحمد بلافريج، صحيح أنه وقع انشقاق آخر من المهدي بن بركة
وزملائه بعد عودته للمغرب، لكنه في الحقيقة كان موجهًا للحزب كله، وكل ما أخذوه
على السيد علال هو أنه ترك "بلافريج" وجماعته "البورجوازيين"
يتصرفون دون أن يتحمل مسئولياته، فهم انشقوا على الحزب، لا على رئيسه، ولم يكن
الرئيس إلا تابعًا للجنة الموجودة بالداخل في حين أنه بقي في الخارج، فما حدث من
جماعة بن بركة كان نتيجة لسياسة "بلافريج" ومن معه من كبار
"البورجوازيين" الذين سيروا الحزب في غياب علال الذي ترك لهم التصرف
الكامل في الحزب، وقنع بزعامة حزبه.
(*) أستاذ القانون
الدولي السابق بجامعة القاهرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل