; صفحات من دفتر الذكريات (٤٩): الهدف المشترك مقاومة التيار الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات (٤٩): الهدف المشترك مقاومة التيار الإسلامي

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-1995

مشاهدات 65

نشر في العدد 1151

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 30-مايو-1995

في مارس ١٩٥٦م خرجت من المعتقل في القاهرة بعد سنتين تقريبًا قضيتهما خلف الأسوار، كانت فيها حركة الإخوان المسلمين هدفًا لكل وسائل الاضطهاد من قتل وتعذيب وتشريد ولم يقتصر الاضطهاد على أعضائها، ولكنه امتد إلى كل من له نشاط إسلامي في كل بقعة من بقاع العالم الإسلامي، بحجة أنه مؤيد للإخوان المسلمين أو سوف يؤيدها في يوم من الأيام. 

خلال تلك الليالي المظلمة، والأيام العسيرة، بل وبعد خروجنا من السجن كان السؤال الذي يشغلنا دائمًا هو: كيف أن الاضطهاد والتعذيب والسجن والقتل الذي تعرضنا له تم على أيدي ضباط من حركة الجيش «المباركة» !! التي تحالفت مع الإخوان المسلمين، وأقسم قادتها على الولاء للإسلام وشريعته، وأعلنت في بدايتها عام ١٩٥٢م أن هدفها هو تحرير الشعب من الطغيان والفساد وفرض احترام الدستور والديمقراطية الصحيحة وضمان الحريات الكاملة للشعب والأفراد.

كيف تحول هؤلاء إلى حكام عسكريين مستبدين يضطهدون ويعذبون ويقتلون من يدافعون عن الدستور والحريات، ويطالبون بانتخابات حرة نظيفة؟! .. ولماذا يستخدمون أحط الأساليب للاستئثار بالسلطة واحتكارها والقضاء على كل من يخشون منه مشاركتهم في الحكم أو محاسبتهم على تصرفاتهم؟!..

 ليس هنا مجال للرد على هذه التساؤلات لكن من واجبي أن أؤكد أن هذا الأسلوب كان يحقق للقوى الأجنبية – وخاصة الصهيونية وإسرائيل – هدفًا أساسيًا في خططها التي تهدف إلى استبعاد جميع القيادات والأحزاب التي تصر على مواصلة المقاومة الشعبية لنفوذها، بل وجود إسرائيل ذاته، وهي تعرف أن الشعوب تكره هذا النفوذ وترفضه وتقاوم وجودها، ولذلك فإن من أهدافها حرمان شعوبنا من الاستقرار، وتعطيل حرية اختيارها، وتجفيف منابع العقيدة والأصول والمبادئ التي تستمد منها قدرتها على المقاومة وإرادتها في التحرر، والتي يعتقدون أن مصدرها العقيدي والتاريخي هو الإسلام.

الذي يحيرنا هو كيف استطاعوا أن يستعملوا لتنفيذ هذه الخطة حكومات متعددة وأنظمة مختلفة، بل متنازعة ومتنافسة حتى أن البعض أصبح يعتقد بأن الحكومات والقيادات التي ترفع شعارات الوطنية تقوم عن قصد أو عن غير قصد بتنفيذ الخطط التي رسمتها القوى الأجنبية لها وخاصة الصهيونية.

الأنظمة العلمانية تحارب الإسلام في بلاد المسلمين

أذكر أنني قرأت في مجلة «إمباكت impact » الباكستانية التي تصدر في «لندن» نص حديث صحفي سبق أن نشرته جريدة يومية باكستانية تصدر باللغة الإنجليزية في «كراتشي» باسم «الفجر Dawn » المراسل لها مع مستر بيفن – وزير خارجية بريطانيا (العمالي) – في أوائل عام ١٩٥٤م عندما كانت باكستان تواجه مشكلة وضع دستور تطالب الجماعة الإسلامية أن يكون أساسه إسلاميًا وتراوغ الحكومات المتعاقبة في ذلك وتماطل وتتهرب من هذا المطلب بسبب الضغوط البريطانية التي تريد أن تكون باكستان (مثل غيرها من الدول «العصرية»، في العالم الإسلامي) دولة علمانية – Secular، وأبدى الوزير البريطاني رأيه صريحًا بأن «الحركات

  • حكومات العسكر تضطهد الشعوب وتعتقل كل من يطالب بالدستور أو يدافع عن الحريات أو يسعى لانتخابات حرة نظيفة تفرز من يختارهم الشعب 

الإسلامية لا مستقبل لها، وسوف تزول لأنها تسبح ضد التيار العصري السائد في العالم وذكر مثالاً لهذه الحركات التي يهددها:

 الجماعة الإسلامية في باكستان، ودار الإسلام في إندونيسيا، وفدائيان إسلام في أقطار العالم إيران، والإخوان المسلمين في أقطار العالم لعربي».

عقب هذا التصريح لم ينته عام ١٩٥٤م، حتى كانت هذه الحركات جميعها قد هوجمت في بلادها رغم اختلاف أنظمتها وظروفها فحملة الاضطهاد التي قادها سوكارنو ضد دار الإسلام قد اشتدت حتى قضت عليها تقريبًا، وفي باكستان قبض على زعماء الجماعة الإسلامية الباكستانية، وحوكموا، وحكم على المودودي في ذلك العام بالإعدام، وإن لم ينفذ الحكم فسبب ذلك ظروف باكستان الخاصة وضغوط شديدة من الرأي العام، أما فدائيان إسلام، فقد حلت وقبض الشاه على نواب صفوي رئيسها بعد عودته من جولة في مصر وحكم عليه بالإعدام، ونفذ الحكم فيه.

وفي مصر صدر قرار الحكومة المصرية العسكرية الناصرية بحل جماعة الإخوان المسلمين، واعتقال جميع أعضائها، والمؤيدين لها، ومحاكمة قيادتها والمسئولين عنها، وصدر الحكم بالإعدام على ستة منهم، ونفذ الحكم فيهم، وقتل كثيرون تحت التعذيب في السجون والمعتقلات، وحكم على أعداد كبيرة بالسجن مددًا متفاوتة، كثير منها بالأشغال الشاقة المؤبدة.

في العالم العربي أعتقد أن العملية ضد الإخوان المسلمين والإسلاميين عمومًا استمرت وامتدت إلى الجزائر وشمال إفريقية، وما زالت كذلك للآن والسبب في ذلك هو إصرار الإسلاميين على مواصلة المقاومة للنفوذ والسيطرة الأجنبية، وأن قاعدة الإسلاميين هي التي تغذي شعلة النضال الفدائي في ميادين الكفاح في كثير من البلاد، كما هو واضح الآن في فلسطين وكشمير مثلًا، لقد كانت الحركات الوطنية تشاركهم في مراحل معينة في أغلب الأحيان، لكن التضحيات فيها كان أكثرها من نصيب صفوف الإسلاميين في حين أن مناصب الحكم ومنافعه استأثر بها من يدعون الوطنية بالحق أو بالباطل.

وكان هذا واضحًا في الثورة الجزائرية التي بدأت في أواخر عام ١٩٥٤م، وكذلك المقاومة المغربية والفلاجة في تونس، حيث كانت العناصر الإسلامية هي التي تتقدمها.

 وما إن فتح باب المفاوضات أمام بعض القادة الوطنيين العصريين في بعض البلاد حتى سارعوا لإطفاء نار الشعلة الفدائية في النفوس لأن ذلك كان في نظرهم شرطًا لوصولهم إلى مقاعد السلطة، وتم ذلك فعلاً في تونس بصورة علنية ورسمية، حيث قامت حكومة بورقيبة باعتقال الفلاجة الذين رفضوا إلقاء السلاح.

 فيما يخص المغرب أذكر أنه عقب خروجي من المعتقل جاءني أحد الأصدقاء من المغرب يخبرني بأن أحد قادة المقاومة قد قتل واسمه عباس، وأن الدكتور عبد الكريم الخطيب ( الذي كان معي في «باريس» عام ١٩٥٤م، وأصبح بعد ذلك رئيس المجلس الوطني للمقاومة المغربية بعد عودته لبلاده) قد اعتقل وأنه مقدم للمحاكمة،وطلب مني أن أذهب معه للمغرب للدفاع عنه بصفتي محاميًا وللتوسط بينه وبين الحكومة الموالية لحزب الاستقلال، وعرفت منه أن الحكومة المغربية رغم أن حزب الاستقلال يشارك فيها إلا أنها قررت دعوة المقاومة للتوقف ويظهر أنها تعهدت لفرنسا بذلك مقابل ما وعدتهم به من تنازلات، ولكي تضمن التزام المقاومين بذلك التوقف بدأت تبعد منها القيادات غير الموالية لها ومنهم عباس الذي قتل، وعبد الكريم الخطيب الذي اعتقل.

المخابرات المصرية تفرض وصايتها على الثورة الجزائرية

بالنسبة للجزائر كان الوضع مماثلاً – إلا أن المخابرات المصرية كانت هي التي تقوم بدور الحكومة المغربية من أنها لا تريد أن يوجد في قادة المقاومة الجزائرية إلا العناصر التي تلتزم بما تقره هي .. أما من يحتمل أن يكون لهم رأي مستقل مثل مصالي حاج وجماعته وجمعية العلماء فإن المخابرات المصرية قررت استبعادهم تمامًا من ساحة الكفاح المسلح في الجزائر ليبقى زمام الأمر بيدها حسبما يراه الزعيم الأوحد. 

وكما أشرت من قبل فبعد خروجي من المعتقل اتصلت بأحمد بن بيللا وخيضر وحسين آية أحمد، وزاروني وهنئوني على خروجي من المعتقل، وحكى لي محمد خيضر كيف أنه حضر لمنزلي في الموعد الذي كان محددًا للقائنا مع عابد ومزغنة في أكتوبر عام ١٩٥٤م وهو اليوم الذي اعتقلت فيه، وأن والدتي رفضت أن تفتح له الباب، وأنه عرف بعد ذلك من الصحف بأنني اعتقلت أنا وجميع الإخوان الذين عرفهم وقص على قصة اعتقال عابد ومزغنة كأنها أمر عادي وقضاء واقع، وفهمت أن السبب كان خلافًا بينهم وبين المخابرات الناصرية وأنه هو وين بيللا كانا مجرد شهود.. ومع ذلك فقد أفهمته أن هذا وضع شاذ يجب أن يسعوا لإزالته.

بعد خروجي من المعتقل عام ١٩٥٦ بفترة قصيرة اتصل بي بن بيللا تليفونيًا بمكتبي وقال لي إنني الآن في شارع عدلي قريبًا من مكتبك، وأريد أن أعرض عليك أمرًا عاجلاً وحضر إلي في المكتب فورًا، وفهمت منه أنه كان

  • وزير خارجية بريطانيا في عام ١٩٥٤م يصرح لصحيفة باكستانية: الحركات الإسلامية لا مستقبل لها في العالم الإسلامي، ويعطي الإشارة للحكام للانقضاض على تلك الحركات

 يتردد على مكتبة في شارع عدلي تبيع الكتب الفرنسية واليسارية على الخصوص، وأن الذي يعمل في هذه المكتبة هو أحد المصريين واسمه سليمان، وأنه كان يزوده بالكتب الفرنسية المتعلقة بالاشتراكية، وكان يسترسل معه في الأحاديث باللغة الفرنسية عن الاشتراكية والاشتراكيين، وأعجبه ذلك لأنه لا يجد كثيرين غيره يتكلم معهم بهذه اللغة ولا في هذا الموضوع، ولذلك فهو يتردد عليه عندما يكون لديه وقت فراغ، وهذا الشخص رأيته فيما بعد في الجزائر بعد استقلالها، حيث دعاه بن بيللا ليعمل هناك، وكان أحد الشيوعيين المصريين الذين ساهموا في تدعيم التيار اليساري في الجزائر.

زرع الفكر المعادي للإسلام

إن بن بيللا قال لي: أول أبشرك بأنني كنت بالأمس في زيارة الإخوة في السجن الحربي، وحملت إليهم بعض الحلوى والفاكهة والهدايا، وطلبوا مني أن أسعى للإفراج عنهم، فقلت لهم إن ذلك موعده بعد أن تستقل الجزائر، فلم يعجبني ذلك الرد، وإن كنت فهمت أنه يقصد أن الأمر ليس بيده، بل هو من اختصاص السلطات المصرية، واكتفيت بذلك لأنني لا أحب أن أتدخل في شئونهم الحزبية والداخلية، ولا في التعليق على سياسة الحكومة المصرية.

 بعد ذلك قال لي إنني وخضير وحسين آية أحمد ذاهبون إلى المغرب الأسبوع القادم، لأن الملك محمد الخامس دعانا لزيارته، ونعتقد أن هذه الزيارة سيكون من ورائها فائدة للقضية وقلت له: وماذا تريد مني؟ قال: أقترح أن تذهب معنا للمغرب، لأن لك صلة بكثير من المغاربة ويمكن أن تسهل لنا الاتصال بهم هناك، فقلت له على الفور: أنا لا شأن لي بزيارة المغرب وأنا مستعد لأن أذهب معك في اليوم الذي تقرر فيه أن تذهب للجزائر، وأن تكون قدمي مع قدمك على أرض الجزائر، قال هذا -إن شاء الله- سيكون بعد استقلال الجزائر، قلت له إذا كان دخولي بعد استقلال الجزائر فسيكون بشرط قال لي ما هذا الشرط قلت له إن الجزائر عندما تستقل لا بد لها من دستور، وأنا أريد أن أعد لكم هذا الدستور، بل سأبدأ فيه من الآن، قال لي مرحبا وأهلا وسهلا، ولا نجد غيرك، ولا أفضل منك لهذه المهمة، ونحن ندعو الله أن يكون ذلك قريبا.

 ودعني صاحبي وخرج، وبعد ذلك سافروا، وفوجئت بعد ليلة واحدة وأنا أسمع الإذاعة بأن الطائرة التي كانوا يركبونها كانت طائرة مغربية ذاهبة من الرباط إلى تونس، لكنها حولت إلى الجزائر وقبض عليهم جميعا في الجزائر العاصمة، وأن السلطات الفرنسية اعتبرت ذلك نصرا كبيرا لها، وأنه سيكون وسيلة على ثورة الجزائر، طبعا كان هذا أثناء الثورة بعد سنتين فقط من بدء الكفاح المسلح.

الرابط المختصر :