العنوان صراع الحلفاء في القمة الصناعية
الكاتب عبيد الامين الفكي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-مايو-1985
مشاهدات 108
نشر في العدد 717
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 14-مايو-1985
- أوروبا تفضل مصالحها على الحليف الأمريكي
- میتران يشرع السيف الأوروبي في وجه ريغان
اختتم في بون عاصمة ألمانيا الغربية في مطلع الشهر الجاري مؤتمر القمة الصناعية للدول الغربية السبع الكبرى وخلافًا لما سبقه من مؤتمرات القمة الصناعية فقد اتسم ببيانه الختامي بتعارض وجهات النظر بين المؤتمرين خاصة فيما يتعلق بالقضايا الاقتصادية الرئيسية والتي تعتبر ليس فقط في مقدمة جدول الأعمال وإنما كذلك هي المبرر الأساسي للقمة مما حدا بالمراقبين لوصف المؤتمر بالفشل، ولكن مما يلفت النظر حقًا هو أن الاعتراضات انصبت بدرجة أساسية على المقترحات الأمريكية لحل الأزمة الاقتصادية. فقد جاء الرئيس ريغان يحمل عددًا من القرارات والمقترحات وهو يأمل في القضاء على ضغوط الحماية في بلاده ومصممًا على كسب تأييد مبدئي لجولة قادمة تعدل بموجبها اتفاقية الـ «جات» وقد حدد عام ١٩٨٦م بالذات لمؤتمر يعمل على كسر الحواجز المقامة في وجه التجارة الدولية كما تهدف مقترحات ريغان الاقتصادية إلى حلفائها من المجموعة الأوروبية إلى اتخاذ سياسة اقتصادية توسعية في مقابل السياسة المالية للولايات المتحدة والتي تتسم بالانكماش وبرر ذلك بأن رأس المال الأوروبي سوف يستمر في الانجذاب نحو الدولار ما لم تتوفر الفرص المجزية للاستثمار في الداخل، غير أن الرئيس ميتران تصدى وبعنف لما تدعو إليه إدارة ريغان وأبدى تخوفه من آثار السياسة التوسعية والتي تأتي في المقام الأول لمصلحة الدولار وجدد دعوة فرنسا لإقامة مؤتمر دولي على غرار «بريتون - وودز» لإصلاح نظام النقد.
أهداف ومصالح
علقت «الهيرالد تربيون» على الفقرة الأولى في البيان الختامي لمؤتمر القمة الصناعية عام ۱۹۸۳م والتي جاءت كما يلي: «إن بلداننا تلتقي مع بعضها البعض عند التمسك بالديمقراطية والحرية الفردية والإبداع والقيم الأخلاقية وتنمية الكفاءات من أجل الحفاظ على هذه القيم ونشرها في العالم». بأن هذا الكلام الجميل يشبه كلام الفلاسفة الذين يبشرون بالفضائل ويدعون لها ليل نهار دون أن يلتزموا بها في حياتهم الخاصة.
وبالطبع لو أن السبع الكبار التزموا بهذه القيم لما وجد اليوم على ظهر هذا الكوكب المليء بالمآسي والأزمات غير الرفاهية والسلام، وكأنما جاء مؤتمر بون ليعري تلك العبارات المنمقة والشعارات الفضفاضة فقد برزت النوايا الاحتكارية لكل دولة على الرغم من أن المجموعة الأوروبية سعت جاهدة لكبح جماح الدولار بالدعوة لسياسة أقل انكماشًا من قبل الولايات المتحدة إلا إن إدارة ريغان لم تعر التوجهات الأوروبية اهتمامًا بل تسعى هي الأخرى لتفتح أوروبا أبوابها أمام الحركة التجارية.
أما في نطاق الأزمة الاقتصادية، فالولايات المتحدة تعاني هي الأخرى من آثار ارتفاع الدولار فقد شهدت تغييرات واسعة في نظام توزيع العمل فيها وتضخم قطاع الخدمات والذي يشهد رواجًا منذ عامين، فقد ارتفع مستوى العمالة فيه بنسبة 9% وفي المقابل انخفضت نسبة العمالة في القطاع الصناعي بنسبة 2% عن مستواها في العام الماضي وتتعرض المشاريع الصناعية بصفة خاصة لمشكلات صعبة بسبب المناقشة من السلع المستوردة وقد ارتفعت خسائر شركات المعدات الثقيلة والملابس وصناعة الجلود.
وعلى الرغم من كل تلك الخسائر إلا أن إدارة ريغان ما زالت تصر على استمرار السياسة الانكماشية ليس فقط لدعم وضع الدولار، ولكن لمكافحة التضخم دون التفات لما ينتج عن تلك السياسة من امتصاص للسيولة العالمية وتقليص الاستثمارات وانتشار البطالة وإضعاف القدرة التنافسية للمنتجات الأمريكية في الداخل وخارج الولايات المتحدة.
لقد عولت إدارة ريغان على تبني أوروبا الغربية لسياسة اقتصادية توسعية من أجل إيجاد التوازن للسياسة الانكماشية التي تتبناها وبذلك تنفتح أمام المنتجات الأمريكية الأسواق المغلقة بفعل الحماية الجمركية كما تستطيع الاستثمارات الأمريكية أن تغزو المجموعة الأوروبية بفضل الدولار القوي مما يعمل تلقائيًا على إعادة توازن الميزان التجاري، ومن ثم سد العجز في الموازنة التي تشهد عجزًا بلغ ۲۰۰ مليار دولار. بيد أن أسباب الاستحالة تقف ضد كل محاولة لتقويم العجلة الاقتصادية الأمريكية وذلك لشدة تناقضها مع مصالح الحلفاء.
فاليابان التي حققت معدلات نمو مرتفعة نسبيًا فقد ارتفعت صافي أصولها المالية من «۳۷» بليونًا عام ۱۹۸۳ إلى ما يقارب ۸۰ بليون دولار في العام الماضي، وبناء على ذلك فإن عوائدها أكبر بكثير من العجز في ميزان المدفوعات وهذا يجعل الفائض مستمرًا في ميزانها التجاري ويرجع تحقيق هذه القدرة الاقتصادية إلى سياسة اليابان في حماية منتجاتها من جانب وتحرك استثماراتها في أسواق الأوراق النقدية في الخارج من الجانب الآخر، ويتضارب هذا الرقم تمامًا ومصالح الولايات المتحدة. أما بقية السبع الكبار «بريطانيا، ألمانيا الغربية إيطاليا كندا» فإنها -إذا استثنينا ألمانيا- فهي غارقة في هموم الأزمة الاقتصادية بكل أبعادها، وهناك عامل سياسي ألقى بظلاله فوق توجه المؤتمر حيث إن أغلب الزعماء قد انقضت أكثر من نصف مدة الرئاسة مما يجعل فرص الحلول الوسطية غير ملائمة زمنيًا حيث إن جماهير الانتخابات تريد مواقف توحي بالمقدرة على تسيير النظام الاقتصادي. لذا برزت المواقف المتشددة للمجموعة الأوروبية تجاه بنود إنقاذ الاقتصاد الأمريكي التي أراد بها ريغان تحقيق نصر جديد لإدارته.
فرنسا والولايات المتحدة
هناك مقالة مشهورة للمستشار الألماني السابق هلموت شميدت تقول: «لم يحدث من عهد الرومان وأيام السيد المسيح أن كان العالم يعتمد اقتصاديًا على قوة واحدة، ولكن إدارة ريغان لا تريد أن تعي هذه الحقيقة أن الإدارة الأمريكية لا تدرك أن العجز الأمريكي الهائل يعمل على خنق عملية إعادة توظيف الأصول الثابتة على امتداد العالم وأن البطالة قد حلت بكل مكان من العالم الصناعي».
هذا القول يشير إلى موقف أوروبا الرافض لهيمنة الولايات المتحدة على إدارة العجلة الاقتصادية في أوروبا وكأنما جندت فرنسا نفسها خصيصًا لتذكير الإدارة الأمريكية بهذه الحقيقة ولقد تصدت فرنسا في هذا المؤتمر للتوجهات الأمريكية وكشأنها دومًا تجاه المحاولات الأمريكية الرامية لمزيد من السيطرة على الأوضاع في أوروبا الغربية، ولكن هذه المرة كأنما استلهم الرئيس ميتران مواقف ديجول ودعواه الجادة نحو استقلالية القرار الأوروبي وعلى الرغم من أن دعوة فرنسا لم تجد تجاوبًا فعالًا من قبل المجموعة الأوروبية في العهود السابقة إلا أنها في المؤتمر الأخير استطاعت أن تحطم قيود الاستغلال التي تكبل بها الولايات المتحدة المجموعة الأوروبية، وتعاني فرنسا داخليًا من انخفاض في معدلات النمو كما أن آثار التجربة الاشتراكية التي منيت بفشل ذريع حيث بلغت خسائر المؤسسات المؤممة ١٥ مليار فرنك خلال سنتين ويعاني الميزان التجاري من الاختلال كما أن البطالة قد تجاوزت نسبة 11% التي تعاني منها دول السوق الأوروبية بصفة عامة، وفرنسا وهي تعايش هذا الكم من المشاكل ترى أن أي خطوة للإصلاح الاقتصادي لا بد أن تضع في حسبانها إصلاح النظام النقدي والمالي قبل التفاوض حول الإصلاح الاقتصادي كما أنها ترى ضرورة التوجه داخليًا لحل الأزمة الاقتصادية ضمن الإطار الأوروبي بعيدًا عن استراتيجية الإدارة الأمريكية ورغمًا من أن دعوة الرئيس ميتران ما زالت مجرد مشروع أمنية إلا أنها كسبت بعض الاحترام في قمة بون مما تصبح معه إمكانية التطبيق أكثر ورودًا من ذي قبل.
كلمة أخيرة
تصادف انعقاد مؤتمر القمة الصناعية مع ذكرى مرور ٤٠ عامًا على انتهاء الحرب العالمية الثانية مما جاءت معه الإشارة في البيان السياسي الذي أصدره المؤتمر وقد اعتبره المراقبون السياسيون بأنه مكسب كبير لألمانيا الغربية وفي أجواء الدعوة للسلام رفض المؤتمر دعوة الرئيس ريغان بشأن إعلان الخطر التجاري الشامل على نيكاراجوا كما أن ذات الموقف منيت به خطة ريغان الاستراتيجية المسماة بحرب النجوم، وكان لرفض فرنسا أكبر الأثر في عدم إحراز ريغان للتأييد في خطته الاستراتيجية.
ولقد وافق زعماء الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا واليابان وإيطاليا وكندا بالإجماع على محاربة المخدرات وتأييد خطة الرئيس ميتران في مكافحة المجاعة في أفريقيا ومما يلفت النظر هو أن المؤتمر خلا هذه المرة من بعض الصور من القرارات التي تتصل بقضايا العالم الثالث كما أنه خلا تمامًا من أي ذكر لمشاريع السلام في الشرق الأوسط وأزمة الخليج على الرغم من الصلة الوثيقة لحرب الخليج بقضايا الطاقة وتأمين الإمداد النفطي للغرب الصناعي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل