; صديقي ياسر عرفات | مجلة المجتمع

العنوان صديقي ياسر عرفات

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر السبت 18-نوفمبر-2006

مشاهدات 80

نشر في العدد 1727

نشر في الصفحة 28

السبت 18-نوفمبر-2006

  • كان لقائي الأول معه في منزلي بمدينة الرباط حيث جاء طالبًا وساطتي المقابلة الملك الحسن الثاني.

  • جمال عرفات أبلغنا أن شقيقه ياسر التحق بأحد معسكرات الإخوان للنضال ضد الإنجليز أثناء دراسته بهندسة القاهرة.

  • أرسلت لعرفات رسائل متكررة أحذره من الاصطدام بحركات الجهاد وقد نفذ ما طلبت حتى وفاته يرحمه الله.

سمعت اسمه لأول مرة من شقيقه جمال عرفات الذي زرته بمنزله مع المرحوم محمد خيضر الأمين العام للمكتب السياسي المنظمة التحرير الجزائرية عندما كنت مرافقًا له في جولته بالشرق مع وفد جزائري لتقديم الشكر للدول العربية التي ساندت قضية الجزائر ودعمتها أثناء كفاحها من أجل استقلال الجزائر الذي حققته في عام ١٩٦٢م.

وفي نفس العام، قرر المكتب السياسي المنظمة التحرير الجزائرية إرسال وقد التقديم الشكر للدول العربية المشرقية، وكنت عضوًا بهذا الوفد ومرافقًا للأمين العام المنظمة التحرير الجزائرية ورئيس الوفد السيد محمد خيضر وعندما وصلنا إلى القاهرة، ونزلنا في دار الضيافة بروكسي قال لي محمد خيضر إن أول شيء أفعله في القاهرة هو أن نزور جمال عرفات صديقي الذي عشت معه فترة إقامتي بالقاهرة ومنزله هنا في منشية البكري قرب منزل الرئيس عبد الناصر، وقد اتصلت به واتفقت معه على موعد بأن أزوره ولا بد أن تكون معي في هذه الزيارة، وفعلًا توجهنا إلى الشقة التي يسكنها جمال عرفات مع زوجته المصرية، وكان الحديث كله في هذه الجلسة عن ياسر عرفات شقيقه الذين يقيم بالكويت، فعرفنا أنه عندما كان تلميذًا في كلية الهندسة في جامعة القاهرة التحق بأحد معسكرات التدريب التي أنشأها الإخوان المسلمون للعمل في النضال ضد الإنجليز في القتال، ولما ذهب إلى الكويت أنشأ مع إخوانه في الكويت والأردن حركة فتح التي أنشأت منظمة التحرير الفلسطينية فيما بعد على أن تسير في نفس الطريق الذي سلكته جبهة تحرير الجزائر. وحصلت به على الاستقلال وأن في بينهم عمل مقاومة مسلحة ضد إسرائيل إلى أن تستقل فلسطين، كما استقلت الجزائر، وقال لخيضر إنك عندما تصل العمان ستجد وفدًا من حركة فتح ليقابلوك هناك، وعندما تذهب إلى الكويت سوف تجد قيادة حركة فتح في استقبالك وعلى رأسها شقيقي ياسر عرفات.

وفعلًا عندما وصلنا إلى الأردن وأعلن نبأ وصول الوفد الجزائري كان في انتظارنا وقد من حركة فتح، وكان الفلسطينيون متحمسين لرؤية أبطال الجزائر، وكان كلامهم يدور حول جبهة التحرير الجزائرية وما قامت به من أجل استقلال الجزائر وأخرجت الفرنسيين من الجزائر كليًا، وأنهم يريدون من الجزائر المستقلة أن تكون رائدة ومرشدة لهم، وكان كلام القيادة في الكويت هو نفس المعنى الذي يجب فيه أن تكون الجزائر رائدة ومرشدة ومعاونة لهم في الكفاح، وأن المعاونة يجب أن تشمل تدريب الفلسطينيين الذين يريدون أن يعملوا ضد إسرائيل، وقال له خيضر: إنني أؤمن بأن استقلال الجزائر لا يتم إلا باستقلال فلسطين.

ولم نلتق بياسر عرفات سواء في الأردن أو الكويت لأنه كان مسافرًا.

وكان اللقاء الأول لي مع ياسر عرفات في منزلي بمدينة الرباط عاصمة المغرب فقد جاء إلى يحمل خطابًا من صديقي عز الدين إبراهيم يقدمه لي على أنه جاء للمغرب يرجو مقابلة الملك الحسن الثاني ملك المغرب والمسؤولين في الحكومة المغربية، يلتمس منهم دعم حركة فتح، وقد سبق أن كلمني عز الدين إبراهيم تليفونيًا في هذا الموضوع، وأنه أعطى ياسر عرفات عنواني ليحضر لي في منزلي، وكان معه ملف كامل عن منظمة فتح وملف عن منظمة العاصفة التي أنشأتها فتح تقوم بالعمل العسكري ضد إسرائيل، وأن المنظمة بدأت العمل في أول يناير في هذا العام، وكان معه أيضًا منشورات العاصفة التي تمجد فيها العرب الذين يؤيدونها وأنها بدأت في الكفاح المسلح ضد إسرائيل، وتكررت عملياتها داخل الأراضي المحتلة، وقد سررت بهذه الزيارة وقال: أريد منك أمرين:

الأول: أن توصلني بالسيد / محمد خيضر الذي غادر الجزائر، وأقام مؤقتًا في أوروبا.

والثاني أن توصلني بالملك الحسن الثاني أو أحد المسؤولين، فقلت له إن محمد خيضر في مدريد وسوف أتصل به لينفذ ما وعد به إخوانه بالكويت من تخصيص المساعدة المالية من أرصدة جبهة التحرير الجزائرية وإنشاء معسكر لتدريب الفلسطينيين على الأعمال العسكرية أتعهد بأن أحمل لك المساعدة المطلوبة وهذا أمر مؤكد وكن مطمئنًا، أما الملك الحسن الثاني، فإن العلاقة بيني وبينه عن طريق الدكتور عبد الكريم الخطيب وسأقدمك له، وفعلًا اتصلت بالدكتور عبد الكريم، وقدمت له ياسر عرفات، وبعد يومين فقط جاءني ياسر عرفات وقال لي: ن الملك الحسن وافق على كل طلباتنا، وكان من أهمها جواز سفر مغربي لي باسم محمد رؤوف، وكذلك عدة طلبات أخرى.

ثم غادر ياسر عرفات المغرب وتوجهت أنا لمحمد خيضر، فعرفني أن علاقته بحركة فتح هي جزء من عمله كأمين عام للمكتب السياسي لجبهة التحرير الجزائرية، وأنه قبل أن يغادر الجزائر قابل وفد حركة فتح وطلب مني أن أنفذ ما وعدت به، وقد سلمتهم للمختصين بجبهة التحرير الجزائرية ومنحوا معسكرًا للتدريب وأعطيتهم المال اللازم لنفقات هذا المعسكر لمدة سنتين، وقال: وإني على عهدي الذي عهدت به لقيادة فتح في الكويت، وإن شاء الله سوف أحضر لك مبلغًا تسلمه إلى ياسر عرفات في بيروت...

وكنت وقتها مستعدًا للسفر إلى السعودية للحج مرافقًا للدكتور عبد الكريم الخطيب فحملت معي المبلغ وسلمته لياسر عرفات شخصيًا في بيروت، وسلمني إيصالًا بالمبلغ لأسلمه لمحمد خيضر. ولما عرف أنني ذاهب إلى الحج قال لي إنني أتمنى أن احصل على تأشيرة للحج لألحق بكم هناك لأوثق علاقتي بالسعودية.

كان الشيخ أحمد زكي يماني مقربًا من الملك فيصل ومستشارًا له، إلى جانب عمله كوزير للبترول والثروة المعدنية، وكان يعمل مع الملك لتحديث القوانين السعودية، وبدأ فعلًا بالقوانين التجارية، وأعد له قانون البنوك الذي استعان فيه بصديقي الدكتور المغفور له بإذن الله أمين أحمد بدر الذي فصل معي من الجامعة سنة ١٩٥٤م، وظل يعمل في المحاماة في القاهرة، وأنا معه إلى أن استدعيت إلى المغرب سنة ١٩٥٩م، وكان على اتصال بي فكتب لي مرة بأن الشيخ أحمد زكي يماني سأله عن عنواني، وطلب منه أن يكتب إلى لكي أتعاقد مع وزارة البترول بالسعودية لأنه يرغب في الاستعانة بي في عمل قوانين جنائية في السعودية على الأسس التي يعمل بها في القوانين التجارية، ولما ذهبت إلى الحج مع الدكتور الخطيب اتصلت به ووصلني بالشيخ أحمد زكي يماني الذي عرفته طالبًا بكلية الحقوق عندي بالقاهرة، ولم أره بعد ذلك، وقد رحب بي الشيخ أحمد زكي يماني وقدمني للأمير فهد الذي كان وزيرًا للداخلية، ويقيم بمكة للإشراف على موسم الحج، وانتهزت فرصة مقابلتي معه أنا والدكتور الخطيب، وعرفته بياسر عرفات وبرغبته أن يأتي للحج وإرسال تأشيرة له في بيروت فأمر على الفور بإرسال التأشيرة عن طريق السفارة السعودية ببيروت، ولكن بكل أسف لم يحضر للحج كما توقعنا.

وفي طريق عودتنا للمغرب التقيت ياسر عرفات وأخبرته بأننا أرسلنا له التأشيرة ولم يحضر وبعرض الشيخ زكي يماني لي بأن أتعاقد مع السعودية، ولكنني ترددت لأنني مستشار بمجلس النواب المغربي الذي يرأسه الدكتور عبد الكريم الخطيب، ولا أستطيع أن أتركه فرجاني ياسر عرفات بإلحاح أن أنتقل إلى السعودية، لأنه في حاجة إلى توثيق علاقته بالملك فيصل والمسؤولين السعوديين، وكان الله استجاب له، فلما رجعت إلى المغرب حدثت مشكلة بين الحكومة المغربية ومجلس النواب، أدت إلى أن يحل الملك مجلس النواب، فأصبحت في حل منه، وكتبت للشيخ زكي يماني بموافقتي على التعاقد مع وزارة البترول.

وفعلًا توجهت إلى بيروت في طريقي للكويت، ومنها إلى الرياض والتقيت مرة  أخرى صديقي ياسر عرفات، وقلت له: إن الله استجاب لك وأنا ذاهب إلى الرياض للتعاقد مع الشيخ زكي يماني، فقال لي: إنه يرجو مني أن أسعى لترتيب مقابلة مع الملك فيصل إن أمكن أو مع أحد المسؤولين السعوديين المقربين إليه، فوعدته بأن أعمل كل جهدي لذلك، وفعلًا بمجرد أن وقعت العقد مع الشيخ زكي يماني، أخذني بيده إلى نقاء الملك فيصل، وقد عرفته رغبة ياسر عرفات بمقابلة جلالته، فوافق على الفور بعد أن قدمت له ياسر عرفات بأنه كان من الإخوان المسلمين، وما زال وثيق الصلة بهم. وأمر الشيخ أحمد زكي يماني بأن يرسل له تأشيرة على الفور، فأرسلت له التأشيرة على سفارة المملكة بالكويت وأبلغته تليفونيًا بذلك، فجاء مسرعًا وتوجهت معه إلى مقابلة الملك فيصل فرحب به وقال له: إنه علم بأنه كان من الإخوان المسلمين، وهذا يزكيك لدي، وقال له: إن مساعدتنا لفتح تقتصر على المساعدات المالية، وإنه سيعطيه مبلغًا، فسر بذلك ياسر عرفات وغادر المملكة مسرعًا وترك لي مهمة تسلم المبلغ الذي تبرع به الملك فيصل لفتح، وفعلًا توجهت في اليوم التالي وتسلمت مبلغ مئة ألف ريال، وبقيت معي إلى أن عدت إلى بيروت، وعرفته به فقال لي يحسن أن تحتفظ به لديك حاليًا وعندما فكر الإخوان المسلمين في فتح معسكر للفدائيين المصريين في الأردن أخطرت ياسر عرفات بأن الإخوان المسلمون بحاجة إلى المبلغ الذي معي لتمويل المعسكر فصرح لي بذلك وسلمت المبلغ للأخ المسؤول عن المعسكر.

وبعدها بقيت العلاقة مباشرة بين ياسر عرفات والملك فيصل، لا أعرف عنها شيئًا. وكنت كلما ذهبت إلى المغرب مررت ببيروت والتقي ياسر عرفات حتى اليوم الذي اعتقلت فيه ببيروت، ولهذا الاعتقال قصة ذكرتها في كتابي كمين في المطار، الذي نشرته دار النشر والتوزيع الإسلامية والخلاصة أنني اتصلت به في منزله بدمشق وكان معي الأستاذ عمر الأميري، وأخبرته بأنني أريد لقاءه لأن عندي هدية من أحد أصدقائه في السعودية، وكان ذلك يوم الخميس، فأخبرني بأنه سيأتي إلى بيروت لمقابلتي، ونزل في منزل الأستاذ عمر الأميري وتناولنا الغداء معه، ثم نزلت معه نتمشى في شاطئ الروشة، وأثناء مشينا جذبني بيده، وأشار إلى تاكسي واقف يمشي معنا، ويقف حين نقف فذهبت نحو سائق التاكسي وقلت له: ماذا تريد؟ ولماذا تتبعنا؟ فمشى، ولكنه استمر في متابعتنا حتى عدت مع ياسر عرفات إلى الفندق وأخذ سيارة أجرة وتوجه إلى المطار عائدًا إلى دمشق. وانتظرت بضع ساعات وكلمته في دمشق مع الأستاذ عمر الأميري واطمأننت على وصوله سالمًا.

وأذكر أنه بعد ذلك التقيت به للمرة الأخيرة في هذه الدنيا بجدة وقد جاء المقابلة المسؤولين السعوديين، وتحدثت معه وكان ذلك أثناء حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، فعاتبته على أنه يتظاهر أكثر من اللازم بتأييد العراق وصدام حسين الذي هو سيئ السمعة. وبعد ذلك لم أره لأن صدام هاجم الكويت وهدد السعودية، ومع ذلك بقي ياسر عرفات منحازًا له، وبقيت معارضًا له في انحيازه لصدام حسين، ولم يتيسر لي أن ألقاه.

وقد أرسلت لياسر عرفات رسائل متكررة مع أشخاص متصلين به أحذره من أن يصطدم مع حماس وحركات الجهاد لأنها وريثة العاصفة التي أنشأتها في سنة ١٩٦٣م، وكنت معتزًا بها، وفعلًا لم يصطدم بحماس وحركات الجهاد حتى وفاته - رحمه الله رحمة واسعة - ورغم إلحاح أمريكا عليه في ذلك، وفعلًا ظلت أمريكا تحاول معه بكل وسائل الإغراء والتهديد لكي يصطدم مع حماس وحركات الجهاد، لكنه رفض حتى وفاته التي كانت تعتبر أكبر انتصاراته بل هي قمة انتصاراته لأن أمريكا كانت تعتقد أنه أقدر رئيس فلسطيني على القضاء على حماس وحركات الجهاد، لأنه يملك شعبية واسعة تمكنه من ذلك وفوت عليهم هذه الفرصة بوفاته، وأصبح على كل من يرثه أن يسير على نهجه في عدم الاصطدام مع حماس وحركات الجهاد.

وبسبب أن أمريكا وأتباعها كانوا ساخطين عليه، فإن كثيرين يشكون في وفاته ويعتقدون أنه قتل، ولا يعرفون القاتل إلى الآن، ويؤكد ذلك أن من خلفه يتمتع بحظوة لدى أمريكا وإسرائيل، لأنهم يعتقدون أنهم يمكنهم إغراؤه بالمال لاستئصال حركتي حماس والجهاد، ولكنه إلى الآن لا يفكر في هذا لأن شعبية الحركتين تمنع ذلك، ولأن إسرائيل كل يوم تعتدي على شعب فلسطين مما يجعل الفلسطينيين يعتقدون أن سلاحهم الوحيد هو حماس والجهاد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل