; صابرا وشاتيلا جديدة في بيت حانون | مجلة المجتمع

العنوان صابرا وشاتيلا جديدة في بيت حانون

الكاتب صباح محمد

تاريخ النشر السبت 18-نوفمبر-2006

مشاهدات 63

نشر في العدد 1727

نشر في الصفحة 24

السبت 18-نوفمبر-2006

ثكلى آل العثامنة: المجزرة مدبرة 

للتغطية على عجز الصهاينة

 أمام بطولة نساء «بيت حانون»

غزة: صباح محمد - زكريا المدهون

  • أم محمد العثامنة: أول قذيفة كانت في الحائط.. والثانية رمت ثمانية منا على الأرض... والأربعة الأخرى استهدفت الهاربين من القذائف.

  • الحاجة أم محمد أبو هربيد: لا تقولوا لي القذائف كانت خاطئة.. هذه عملية متعمدة.. بعدما اعتقدنا أنهم انسحبوا... فعلوا معنا مثلما فعلوا في مخيم صابرا وشاتيلا.

  • الحاجة أم إبراهيم شبات: أعطوا ابني مازن » تصريحًا بالمرور على حاجز إيرز بعد احتجازه لمدة أسبوع.. ثم قنصوه على أعتاب بيته في بيت حانون.

ودع الشهداء ذويهم أو ودع ذوو الشهداء شهداءهم، لا اختلاف في المعنى كما لا اختلاف في الألم عند كل فرد من عائلة العثامنة الذين فقدوا عشرين شهيدا في مجزرة صهيونية بشعة شهد العالم نهايتها فقط.

ففي الساعة الخامسة من فجر الأربعاء 8/11/2006٨م، كان أفراد عائلة العثامنة الذين يسكنون في عشر شقق تضمها بناية من أربعة طوابق في بيت حانون شمال قطاع غزة، على موعد مع الإجرام الصهيوني، حيث هاجمت إحدى الطائرات الصهيونية بناية آل عثامنة مخلفة ثمانية أطفال وخمس نساء وخمسة رجال، ونحو ٤٠ جريحًا، في حين استشهد مواطنان آخران خلال مواجهات في بيت لاهيا.

ووصفت المصادر الطبية حالة الشهداء بالبشعة.. حيث الجثث مقطعة الأطراف والرؤوس.. ومن بين الجرحى نحو عشرة يعانون من جروح بالغة قد تشكل خطرًا على حياتهم.

تفاصيل الجريمة:

وحول ما جرى في بيت حانون، قال شهود عيان المجتمع التي عايشت مأساة العثامنة: إن نحو عشر قذائف مدفعية انهالت على المنازل من بينها خمسة سقطت على منزل العثامنة المكون من ثلاثة طوابق ويعيش فيها نحو ثماني أسر.. وبعد سقوط القذائف الأولى سارع الجيران الإنقاذ الجرحى وتفقد ما حدث ليفاجأوا بعدد كبير من الأشلاء المتناثرة في مختلف أرجاء المنزل، مشيرين إلى أنهم باشروا بنقل الشهداء والجرحى إلى المستشفيات لكن سقوط القذائف توالى، وسقطت خمس قذائف أخرى على منازل عائلات الكفارنة وأبو عودة وعدوان المجاورة.

وقال الشهود: إن اثنتين من القذائف سقطتا وسط تجمع للمواطنين كانوا يحاولون نقل الجرحى ما أدى إلى زيادة عدد الشهداء والمصابين.

وأشار المواطن أحمد أبو عودة، أحد الجيران، إلى أنه شاهد القذيفة وهي تنفجر في المنزل المقابل، وتصيب بشظاياها منزله ما أدى إلى انهيار جدرانه.

وقالت أم محمد أبو هربيد، إنها استيقظت على صوت الانفجار الذي وقع في منزل العثامنة، وأدركت أن القذائف تسقط على المنازل القريبة، فسارعت بإيقاظ أفراد عائلتها المكونة من ۱۸ فردًا. مشيرة إلى أنها نجحت في نقلهم من غرف نومهم إلى خارج المنزل، لكنها لم تنجح في منع سقوط قذيفة مدفعية أصابت منزلها بشكل مباشر.. مشيرة إلى أن عائلتها نجت من موت محقق، بعد أن سقطت القذيفة داخل إحدى الغرف التي كان يرقد فيها أطفالها.

في العزاء:

بعد انتهاء مراسم التشييع الجماعي وتحديدًا عند بيت آل العثامنة، وبين كل متر ومتر جلست امرأة تكلى تبكي بحرقة وألم على مجموع شهدائها وتحيط بها بعض النساء الأقارب اختراق الدائرة والوصول لوجه من هذه الوجوه الحزينة لم يكن سهلًا. فأرجل النسوة احتلت المكان بقوة في طين أرض بيت حانون المبلل بالدماء والأمطار... أم محمد من عائلة العثامنة جلست على باب منزلها المدمر تعدد بحرقة قاسية مسلسل القذائف التي هزتها، قائلة: «أول قذيفة كانت في الحائط، والثانية رمت ثمانية منا على الأرض، والأربعة الأخرى استهدفت الهاربين من القذائف.

وتواصل أم محمد حديثها، مستنكرة ما ردده الصهاينة عن أن القذائف مزقت أجساد أهلها بالخطأ وقالت: لا تقولوا لي القذائف كانت خاطئة.. هذه عملية متعمدة.. يقولون وقعت بالغلط.. كيف؟ الله أكبر.. الله أكبر على كل من طغى وتجبر.. اعتقدنا أنهم انسحبوا.. كانوا يخططون المجازر.. عملوا فينا كما فعلوا في مخيم صبرا وشاتيلا.

تحت الجحيم:

وبدت المشاهد عند أم محمد كثيرة ومؤلمة قالت: على وقع الانفجار الأول خرج إخواني الثلاثة يسعفون بيت عمي المجاور فضربتهم قذيفة قبل الوصول لإنقاذ أي أحد، فوقع إخواني الخمسة شهداء... محمود في السادس الابتدائي وسعد في الرابع.. محمد أول ثانوي.. ومهدي في الثاني الثانوي وعرفات في توجيهي.

وعلى الجانب الأيمن لأم محمد جلست الحاجة أم إبراهيم شبات تسمع القصة الشهادة الجماعية لعائلة العثامنة، وهم أنسابها، لم نكن ندرك أن هذه المرأة أكثر من معزية، لكن واحدة من النسوة أشارت لنا بأنها اليوم أصبحت جدة شهيدة، بينما كانت في اليوم السادس للاجتياح أم شهيد.. ما حدث كما تروي أم إبراهيم للمتجمع أنه في صباح هذا اليوم اعتقلت قوات الاحتلال مازن ابن الخامسة والعشرين من العمر، وأخرجوه مقيدًا، كما فعلوا بكل رجال بيت حانون الذين تتراوح أعمارهم بين ١٦ - ٤٥ من العمر.

تعرض مازن لكل ما تعرض له هؤلاء الأسرى في حاجز بيت حانون إيرز، وما إن حان الليل الدامس على بيت حانون حتى أمرته قوات الاحتلال بالعودة إلى منزله وحملته تصريح، يمنع قواتها المنتشرة في بيت حانون من اعتراضه، لأنه كان معتقلًا.. لكن هل منع هذا استكمال قوات الاحتلال لجريمتها؟ تجيب أمه بألم وهي وسط عشرات النسوة: قتلوه يا بنتي غدروا فيه.. وقنصوه قبل أن يصل إلى حضن أمه.. قتلوه وأعطوه تصريحًا.. قتلوه وهو أسير.. قتلوا ابني العريس وحنة عرسه في يده منذ شهرين.. قتلوه وحسبي ربي ونعم الوكيل.

الحرقة كانت تدفع أم إبراهيم للحديث بألم عن هذا الذي ودعته قبل خمسة أيام، وأحيانا تصمتها حرقة الدموع التي تبلل تجاعيدها، فترفع حجابها الأبيض كي تمسحها، ونصمت جميعًا أمام دموع الأم والجدة، فيكسر الصمت طلب من جارتها بأن تتكلم كي تظهر للعالم تفاصيل الظلم الصهيوني. تقول أم إبراهيم من إيرز فكوا قيده.. لم يمش إلا خطوات ابتعد فيها عن دباباتهم، وسار نحو البيت فقنصه جنود الاحتلال من على أحد المباني.. اقترب ليقنصوه.. بقي ثلاث ساعات ينزف.. ومنعوا إسعافه... وخر أبوه في وسط المنزل مغمى عليه.. قائلًا: الحمد لله الذي شرفتي بشهادتك...

أم أسامة وتسعة من «الغوالي»:

على بقايا الحائط الذي خلفته قوات الاحتلال من قصفها ارتكنت أم أسامة العثامنة، وشقيقتها تبكيان تسعة من شهدائهن، كانت في حالة بكاء شديد، ولم تنجح النسوة اللواتي يواسينها بأن يخرجنها قليلًا من هذه الحالة.

تقول إحداهن: لقد استشهد أبوها وأخوها وأختها وبنات أخيها وجدتها وزوجة أخيها.. لا يمكن للكلمات أن تجمل حال امرأة قدمت حي الزيتون على وقع فاجعة كهذه، وكانت تفيق في يومها على نية الوصول إليهم للاطمئنان على حالهم بعد انسحاب الاحتلال من بيت حانون، وكيف لا وهي التي تابعت بألم ستة أيام قاسية جدًا عليهم لم تقف عند حد الاعتداء عليهم وحبسهم يوميًا في غرفة واحدة وتخريب منزلهم من أجل التفتيش.

وفجأة يعلو صوت أم أسامة قائلة: أخي كان يربي الأيتام راح.. وأختي فاطمة راحت وأمي رجليها راحت وزوجة سمير رجليها راحت تدعو بالرحمة والمغفرة ثم ما تلبث أن يعلو صوتها تستغيث بالله أن يكسر» اليهود، ويكسر قلوبهم، وتواصل: حسبي الله ونعم الوكيل عليك يا «إسرائيل» الله يشفيك يا زوجة سمير ويرجعك لليتيمة التي بقيت من بنات رامز.

الرابط المختصر :