العنوان شعاع من القلب - معالم تحقيق السعادة (1): لا تغضب لنفسك
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-2000
مشاهدات 74
نشر في العدد 1406
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 27-يونيو-2000
إن صلح القلب صلحت الجوارح والأعمال، وسلمت الحياة من العطب، فالقلب موضع نظر الرحمن وهو العضو الذي ينبغي أن يوجه إليه كل اهتمام، وإذا التقت القلوب على أمر واتفقت عليه قامت بينها موجات أثيرية تكشف الطريق أمام جموع المؤمنين وجماهير الموحدين.
لم يرد أن النبي ﷺ قد غضب لنفسه قط، فكان الكفار يضعون سلى الجزور على ظهره الطاهر ويسبونه ﷺ بقولهم: «يا بني عبد المطلب إنكم قوم مطل» ومع ذلك لم يقتص لنفسه بل كان يتسامح مع أعدائه.. هكذا تجسدت القدوة الحسنة في شخصية النبي ﷺ فكان خير من أفاد البشرية في كل جوانبها.
أما نحن اليوم فقد ضعف هذا النهج القويم فينا ومع هذا لا يزال الخيار بأيدينا، فإما أن نعيش في قلق ومعارك يومية طاحنة تستنزف الجهد والوقت، وإما أن نؤثر الارتياح والسكينة من خلال قراءة متأنية لفقه الواقع ومجريات الأحداث وإدراك المشكلة لوضعها في حيزها الطبيعي والقفز عليها إلى ما هو إيجابي ونافع.
وهنا نقول إنه من المستحيل أن تشعر بالسكينة عندما تكون رأسك مليئة بالقلق والضيق، إذ إن حياتك في هذه الحالة سوف تصير محبطة للغاية، فدرب نفسك على فنون الصبر والتصبر فقد أمر الله في آيات كثيرة بالصبر ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (سورة البقرة، آية: 45) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ (سورة آل عمران، آية: 200) ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (سورة النحل، آية: 127)، فكلما زاد صبرك زاد تفهمك للأمور من حولك خاصة أن الصبر أمر مهم للحصول على طمأنينة القلب واستقرار النفس، ولتقل لنفسك إن الحياة مدرسة للتمرس على تعلم الصبر، وهذا أمر يحتاج إلى عزيمة قوية وهمة عالية ورباطة جأش، فالصبر وضبط النفس وتحكيم العقل من الصفات التي تولد النجاح وتجعلك تفكر بروية وتريث وتعيشلحظتك الحاضرة، وبهذا يمكن أن تلقن الآخرين دروسًا عملية في تغليب العقل على العاطفة.
فكر بأمل لا بخوف:
كان النبي ﷺ يعجبه أن يسمع كل صباح «يا نجيح» ويستبشر بالاسم الحسن، والمسلم يستطيع أن يسمع كل يوم «يا نجيح» ويستبشر خيرًا بذكر الله وتسبيحه وحمده ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (سورة الرعد، آية: 28)، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ (سورة طه، آية: 124) فحارب القلق والخوف في نفسك واقطع دابر اليأس والقنوط وعندئذ يزول عنك القلق والضيق.
تعلم الرحمة بالآخرين:
الرحمة خلق إسلامي رفيع قال عنه النبي ﷺ: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع شيء إلا شانه» (رواه مسلم)، هذا الخلق يبعث على العيش مع الآخرين في تراحم وتودد من خلال مشاركتهم أحزانهم والشعور بآلامهم، لقد كان النبي ﷺ يربي أصحابه ويقول: «ألا تنزع الرحمة إلا من شقي» (سنن الترمذي، البر والصلة) حتى إنه ﷺ تعامل مع الحيوانات برحمة ورأفة غير مسبوقتين.
إذ روى أن النبي ﷺ قال: «بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب فشكر الله فغفر له، قالوا: يا رسول الله إن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال: نعم في كل كبد رطبة أجر» (متفق عليه)، وقال ﷺ: «دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض» (رواه البخاري – بدء الخلق) ، فإذا كانت هذه أدبيات الإسلام في التعامل مع الحيوانات فما بالنا ببني البشر؟
إن الشعور بالآخرين يبعث في نفس الإنسان حالة من الرضا، ولذلك قبل من عاش لنفسه عاش مرتاحًا ولكن عاش صغيرًا ومات صغيرًا ومن عاش لغيره عاش متعبًا ولكن عاش كبيرًا ومات كبيرًا، والرسول ﷺ يقول: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (سنن الترمذي – البر والصلة) ومن أراد أن تهدأ نفسه عليه أن يدرك أن يومه المشحون بالأعمال يعني أن لوقته قيمة عظيمة، وأنه عضو نافع للمجتمع، أما من تعامل مع المهام الموكلة إليه على أنها مجرد واجبات ثقيلة فإنه سيعيش في قلق دائم.