; أثر القرآن والسيرة في شعر بوشكين | مجلة المجتمع

العنوان أثر القرآن والسيرة في شعر بوشكين

الكاتب حسين علاوي

تاريخ النشر السبت 24-مارس-2001

مشاهدات 65

نشر في العدد 1443

نشر في الصفحة 52

السبت 24-مارس-2001

المجتمع الثقافي

استلهام بوشكين لمراحل مختلفة من السيرة النبوية يدل على إعجابه بشخصية النبي ﷺ

افتقار بعض النساء من طبقة بوشكين الأرستقراطية لمعنى الوفاء للزوج جذبه للنموذج الإسلامي في العفة والوفاء

حسين علاوي

يعد ألكسندر بوشكين «۱۷۹۹- ۱۸۲۷م» من أكبر شعراء روسيا ومن أكثر أدبائها حبًا للشرق الإسلامي. وتأثرًا به حضاريًا وروحيًا، كان بوشكين في فترة شبابه متأثرًا بالاتجاه الرومانتيكي إلى حد ما، ولكن اطلاعه على حياة الشعب الروسي عن كثب، وتعرضه للقمع والاضطهاد.. وتعرفه الأفكار الثورية لبعض أصدقائه من المثقفين والعسكريين، دفعه إلى إعادة النظر في العديد من آرائه الفكرية والاجتماعية والبحث في الكثير من المصادر الإنسانية الرصينة كي يستشف منها الطريق الصحيح الذي يقوده إلى الخروج من أزمته الروحية، فكان القرآن الكريم من المصادر الأساسية التي درسها بوشكين في تلك الفترة الحرجة من حياته التي توجت بتحوله إلى الواقعية «1».

قبسات من القرآن: درس بوشكين القرآن الكريم في ترجمته الروسية الصادرة سنة ۱۷۹۰م من قبل فريو فكين نقلاً عن الترجمة الفرنسية، وصدرت بعد ذلك قصيدته الطويلة «قبسات من القرآن» المكونة من ١٧٤ شطرًا في خريف سنة ١٨٢٤م.

يجب علينا التوقف هنا لمعرفة آراء إنسان يدين بدين آخر غير الإسلام، ومن الضروري القول إن التباعد الذي تفرضه على بوشكين ثقافته وتربيته وعقيدته جعل بعض آرائه مخالفة للفكر الإسلامي، ولكنها من الندرة والقلة بالنسبة لتلك التي تتفق والفكر الإسلامي، إضافة إلى إعجابه بشخصية النبي محمد ﷺ واحترامه الكبير لها، كذلك حبه للحضارة العربية والإسلامية وأدبها. 

قام بوشكين بنقل بعض المواضيع الإنسانية العظيمة التي يزخر بها القرآن الكريم، ليطرحها شعرًا على أبناء قومه بلغتهم، وبأسلوب أدبي شائق وسهل كانت اللغة الروسية القديمة صعبة وشائكة إلى حد كبير.. وقد قام بوشكين بتشذيب تلك اللغة وتبسيطها لتصبح سهلة مفهومة، لذلك فهو يعتبر واضع أسس اللغة الأدبية الروسية الحديثة، ولعل هذه النقطة هي إحدى الدوافع التي حدت به إلى طرح مواضيع القرآن الكريم التي أخذها عن الترجمة القديمة فيقدمها شعرًا إلى عامة الناس ليتسنى لهم فهمها والاستفادة منها. 

كتب الباحث ن. با سولوفي قائلاً: يطرح بوشكين في هذه السلسلة الشعرية وبشكل واقعي خصائص الحضارة العربية والإسلامية ويحاول أن يقدم تصورًا موضوعيًا عن القرآن الكريم وعن النبي محمد ﷺ، كذلك حاول بوشكين في نتاجه الشعري هذا أن يبين مدى أثر لغة القرآن الكريم وأهميتها بالنسبة للمجتمع العربي آنذاك.

أما الصفوة المثقفة من الروس ورواد الحركة الوطنية، فقد صارت السيرة النبوية لهم نموذجًا للقدوة الحسنة الصابرة على الرسالة والمجاهدة في سبيلها، ومن ذلك كلمات الأديب والثائر الديسمبري تشاداييف التي أكد فيها على عظمة الرسول ﷺ وأثره في حركته الثورية... فيقول: إن عظمة الرسول محمد الذي حمل لواء الدعوة الجديدة التي كان لظهورها الفضل في ذلك الغليان الديني في الشرق.. والمحفز لنضالنا.

من سيرة الرسول

فسيرة الرسول ﷺ ذلك الآمي الذي تمكن بقوة الدعوة من أن يوحد شمل قبائل عابدي الأوثان، وأن يصنع منهم وبهم دولة تمتد شرقًا وغربًا.. وقد حازت إعجاب وانبهار أولئك الذين لا يتخذون الإسلام دينًا، ومنهم بوشكين الذي يأتي في مقدمة شعراء روسيا الذين استلهموا القرآن والسيرة النبوية، حيث تتبوأ قصيدتاه «قبسات من القرآن» و«الرسول» مكانة مهمة بين المؤلفات الأدبية الروسية المستوحاة من التراث الإسلامي والسيرة النبوية. 

ورغم أن قصيدة « الرسول» كتبت في عام ١٨٢٦م، فإننا آثرنا تناولها قبل «قبسات من القرآن» التي كتبت عام ١٨٢٤م، وذلك لأن قصيدة الرسول، تتناول المرحلة المبكرة من السيرة النبوية أي فترة تلقي الوحي، بينما تتناول قصائد «قبسات من القرآن»، مراحل لاحقة. 

 يستهل بوشكين قصيدة «الرسول» بمقطعين يلقيان الضوء في عجالة على ظروف الرسول قبل تلقي الوحي مباشرة، فالرسول المنتظر تميزه روح غنية.. «يضنيها» التأمل في الكون والبحث عن حقيقة الوجود، ومن ثم تجنح روحه المتأملة إلى العزلة في الصحراء يؤرقها البحث عن إجابات شافية لأرق الفكر. 

ويتخيل بوشكين صورة لجبرائيل بستة أجنحة ولعل بوشكين استلهم صورة جبرائيل من الآية الأولى في سورة فاطر: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ 

(فاطر: 1)

أسرار الغيب

ثم يصور التغير الذي يحدث مع الرسول بعد أن أوتي النبوة، إذ تكتشف أمامه أسرار الغيب الذي لا يدركه العاديون من البشر، فإثر ظهور جبرائيل للرسول يحدث معه التالي:

فأصغيت إلى رعدة السماء 

وتحليق الملائكة في الأعالي 

وسريان حركة أغوار البحار 

ونمو الكرامة النائية. 

ثم بعد أن تتم عملية التحصين الروحية والجسدية للرسول، يتعين عليه أن ينهض كي يضطلع بأعباء الرسالة التي بعث من أجلها والتي سيرى نورها عبر البحار والأراضي ليخترق لهيبها قلوب الناس.  

وناداني صوت الله 

انهض يا رسول.. وأبصر

 لبهي إرادتي 

وحب البحار والأراضي 

ألا يبدو المقطع السابق مستلهمًا من معاني الآيات (۱: ۲) من سورة المدثر: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ  قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾.  

ويبقى سؤال: لماذا اتجه بوشكين إلى تمثيل شخصية الرسول محمد ﷺ؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تكمن في إعجاب بوشكين بسيرة الرسول ﷺ، وهو الإعجاب الذي يشهد عليه استلهامه مراحل مختلفة من السيرة النبوية في أكثر من قصيدة، وبخاصة في مجموعة قصائد «قبسات من القرآن»، وكأثر شاهد على عظمة الإسلام وكبرهان دامغ على قدرة القيم القرآنية على عبور آفاق الزمان والمكان والتغلغل في نفوس أناس لا يؤمنون بالإسلام.

ويبدو الاهتمام الكبير من النقد الروسي ثم السوفييتي بدراسة قصائد «قبسات من القرآن» متسقًا مع المكانة الفكرية والفنية التي تحتلها هذه القصائد بين مؤلفات بوشكين. 

ويتكرر السؤال حول الأسباب التي حثت بوشكين على الاهتمام بالقرآن الكريم؟ تقول الناقدة لويبكوفا: على امتداد مائة عام وأكثر حاول الباحثون في إنتاج بوشكين أن يحددوا السبب الذي جذب بوشكين تجاه القرآن وما الذي حفزه على كتابة القبسات، وهذا الاستفسار لا يخلو- بالطبع- من لهجة الدهشة والتعجب. 

أسباب الاهتمام

اختلف الباحثون في تحديد الأسباب التي أثارت اهتمام بوشكين بالقرآن، ونحاول بداية أن نوجز أهم الآراء التي تناولت بالدراسة «قبسات من القرآن». تقول الباحثة كاشنا ليفار: «إن اهتمام بوشكين بالقرآن كان مرده أسبابًا شخصية، كان من الضروري أن يشعر بوشكين تجاه القرآن باهتمام شخصي خاص». ويقول الناقد سلومينسكي: «إن هناك توازنًا بين التوثيقات المستلهمة من القرآن وملامح الظروف التاريخية الروسية». 

أما الناقد ستراخوف فيقول: «القرآن على ما يبدو قادر على التأثير بقوة على الناس وفي الوقت الحاضر تضع روح هذا الكتاب انتصارات كبيرة».

ويرى الناقد الروسي براجينسكي: إن تأمل بوشكين في القرآن كان فلسفيًا، فقد لجأ إليه من أجل الوعي بدروس  التاريخ ولخدمة الواقع. 

 يستهل بوشكين القصيدة الأولى باقتباس القسم القرآني المميز للعديد من الآيات القرآنية الكريمة والشفع والنجم، ثم يلي هذا القسم مقطع يستلهم من سورة الضحى وصف معاناة الرسول حين فتر الوحي وأحزنه ذلك، وذلك كما الآيات (۱: ۲) ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ 

أقسم بالشفع والوتر 

وأقسم بالسيف وبمعركة الحق 

وأقسم بالنجم والصباح وأقسم بصلاة العشاء

 لا، لم أودعك.

ثم يصور بوشكين في المقطع الثاني قصة خروج الرسول مهاجرًا إلى المدينة، وقد وردت القصبة في الآية (٤٠) من سورة التوبة ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. إن بوشكين يؤسس على معاني الآية (٤٠) من سورة التوبة المقطع الثاني من القصيدة الأولى. 

ثم يعود لاستلهام سورة الضحى في ختام القصيدة:

﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ (الضحى: 9) أحب اليتامى، وقرآني وبشر المخلوقات المهتزة.

وتعكس القصيدة الثانية تأثر بوشكين بالآيات القرآنية التي تدعو إلى آداب الحجاب ونبذ التبرج والتي تعلي من عفة زوجات الرسول ونزولهن عن الرغبة في التزين والحياة الدنيا مقابل البقاء مع الرسول.. وبخاصة الآيات الكريمة (۳۲- ۳۳) من سورة الأحزاب ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾.ٰ

وكذلك الآية (٥٣) من سورة الأحزاب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَّهُ، وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۖ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾.

إن بوشكين يؤسس على هذا المضمون صورته الشعرية في القصيدة على النحو التالي: 

إيه يا زوجات الرسول الطاهرات 

إنكن تختلفن عن كل الزوجات 

فحتى طيف الرذيلة مفزع لكن

 في الظل العذب للسكينة 

عشن في عفاف فقد علق بكن 

حجاب الشابة العذراء 

حافظن على قلوب وفية 

من أجل هناء الشرعيين والخجلى

 ونظرة الكفار الماكرة 

لا تجعلنها تبصر وجوهكن

 أما أنتم يا ضيوف محمد 

وأنتم تتقاطرون على أمسياته 

احذروا فبهرجة الدنيا 

تكدر رسولنا 

فهو لا يحب الثرثارين 

وانحنوا في أدب 

لزوجاته الشابات المحكومات بالعفة. 

التجاوب النفسي الفكري

ويبدو استلهام بوشكين لمعاني هذه الآيات من سورة الأحزاب متجاوبًا مع نفوره الشخصي من بهرجة النساء في طبقته الأرستقراطية وخروجهن عن الاحتشام وافتقاد البعض منهن لمعنى الوفاء والأخلاق للزوج وللأسرة، كما تعكس انجذاب بوشكين تجاه النموذج الإسلامي في العفة والوفاء وتعكس القصيدة الثالثة تأثر بوشكين بمعاني الآيات القرآنية التي تدعو إلى التواضع واحترام كرامة الإنسان بصرف النظر عن مكانته الاجتماعية وكذلك الآيات التي تحض على الدعوة بالموعظة الحسنة وأيضًا الآيات التي تحض على التفكير في دلائل القدرة الإلهية وزوال متع الحياة الدنيا والتذكرة بأهوال يوم القيامة. 

وفي القصيدة الخامسة تستوقف بوشكين الآية (٣٥) من سورة النور: ﴿وَاللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ 

فيكتب: 

لقد أضاءت الشمس في الكون 

وأضاءت أيضًا السماء والأرض 

مثل نبتة كتان تمتلئ بالزيت  

تضيء مصباح بلوري 

صل للخالق فهو القادر 

فهو يحكم  الريح في يوم قائظ

 ويرسل السحب إلى السماء 

ويهب الأرض ظل الأشجار 

إنه الرحيم: قد كشف

 لمحمد القرآن الساطع

 فلننساب نحن أيضًا نحو النور 

ولتسقط الغشاوة عن الأعين

 وينطوي المقطع الأخير على دعوة إلى الإيمان بروح القرآن الساطع، وإلى ضرورة الانغمار بنوره الكريم. 

ولو تصفحنا مجموعة مؤلفات بوشكين الشعرية لوجدنا أنه يشير إلى الإسلام والمسلمين باحترام في العديد من قصائده كذلك يذكر فلسطين في القصيدة الأخيرة ونعثر على اسم الفرات «مخيم عند الفرات»، بالإضافة إلى احترامه وتبجيله للقرآن الكريم وللنبي محمد ﷺ.

المصادر

 «1» أعمال بوشكين دار التقدم، موسكو ١٩٩٤م. 

 «2» الكلاسيكيون الروس والأدب العربي، د محمد يونس دار افاق عربية - بغداد - ١٩٨٥م.

 «3» مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي د مكارم الغمري عالم المعرفة - الكويت . ۱۹۹۱م.

«4» مدخل إلى الأدب الروسي- د. حيـــاة شـــرارة، د. محمد يونس- في القرن التاسع عشر - بيروت ١٩٧٥م.

 

الرابط المختصر :