العنوان شخصية نتنياهو تثير الكثير من الجدل والتساؤلات
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1996
مشاهدات 72
نشر في العدد 1229
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 10-ديسمبر-1996
- شخصية غامضة ومغرورة ومنعزلة ومجردة من المبادئ.
- نتنياهو: الحركة الصهيونية نشأت لتحقيق الحرية والعدالة لشعبها والشعب اليهودي عانى من الإذلال والقمع أكثر من أي شعب آخر.
بعد انتخابه لرئاسة الحكومة الإسرائيلية، أصبحت شخصية بنيامين نتنياهو بتفاصيلها المملة محط اهتمام الأوساط السياسية المختلفة، والتي حرصت على التعرف على هوية زعيم «إسرائيل» الجديد الذي كان تصدره لقمة سلم السلطة السياسية الإسرائيلية أمراً مفاجئاً للكثيرين، فحتى قبل ثلاثة أعوام مضت كان نتنياهو شخصية مغمورة مجهولة، لا تستحق الاهتمام، ولا يعرف الكثيرون عنها سوى القليل، وكان انتخابه المفاجئ لزعامة حزب الليكود الذي عانى من أوضاع سيئة، الخطوة المهمة عام ١٩٩٣م للوصول إلى الهدف المنشود، وهو رئاسة الحكومة.
وإذا كان الانطباع العام السائد في العالم العربي، هو أن شخصية نتنياهو واضحة في توجهاتها ومواقفها السياسية إزاء القضايا المهمة التي تشكل جوهر الصراع العربي الإسرائيلي بخلاف بيريز المراوغ والمخادع، فإن الأوساط الإسرائيلية تنظر من زاوية مغايرة لشخصيته، وتؤكد أنه يكتنفها الكثير - من الغموض حول ماضيها، إلى الحد الذي دفع البعض إلى إثارة شكوك حول احتمال تورطه بعلاقات مشبوهة مع وكالة المخابرات الأمريكية.
وكانت بعض الصحف الإسرائيلية قد ذكرت أن تصنيف نتنياهو الأمني أثناء إقامته في الولايات المتحدة يشير إلى أنه كان عميلاً للمخابرات الأمريكية، وقد وجهت له عضوة الكنيست الإسرائيلي داليا ايتسيك سؤالا رسمياً: «من أنت يا نتنياهو؟»، وذلك تعقيبًا على ما نشرته إحدى الصحف الإسرائيلية من أن ملف نتنياهو في الضمان الاجتماعي في الولايات المتحدة تضمن إضافة إلى اسمه الحقيقي اسمين آخرين غير معروفين وهما بنجامين ج. ساليفان وبنجامين ج. ساليفان وجونيور، إضافة إلى أن ملفه يحمل إشارة «سري» والتي تستخدم عادة في ملفات موظفي وكالة المخابرات الأمريكية (CIA) ومكتب التحقيقات الفيدرالي (F.B.I).
وكان رئيس الكنيست الإسرائيلي دان تيخون رفض استجوابا تقدم به أعضاء في الكنيست المناقشة ماضي نتنياهو، مما دفع النائب من حزب العمل أوفير بنز إلى التهديد برفع الأمر إلى المحكمة الإسرائيلية العليا، كما عبر وزير الداخلية العمالي السابق حاييم رامون عن صدمته من رفض رئيس الكنيست مؤكدا «أنه من المهم أن نعرف كل شيء عن حاضر رئيس الوزراء وماضيه، وإذا كانت هناك نقاط غامضة فعليه أن يأتي إلى الكنيست لتوضيحها وأن يزيل كل شك، لأن الأسئلة المطروحة عليه -مشروعة».
وأمام ضغوط الأعضاء وافق رئيس الكنيست - على إجراء نقاش برلماني حول ماضي نتنياهو، وقال تيخون الذي ينتمي لحزب الليكود: «لا أريد أن أظهر وكأنني أحاول تغطية أي شيء على الإطلاق».
واعتبرت الأوساط المؤيدة لنتنياهو الاتهامات الموجهة إليه، محاولة من قبل بعض الصحف والأوساط المعارضة لإثارة الشبهات حوله وقالت إن هذه الاتهامات تدخل في إطار حملة تشهير لا أساس لها من الصحة.
الكاتب الصحفي ديفيد مارغوليك الذي وصف نتنياهو بأنه «نجم بني صهيون»، قال إنه شخصية «غامضة مغرورة»، ونقل مارغوليك عن مايكل ستولتز أحد مستشاري نتنياهو قوله إن «بيبي عبارة عن كتاب مغلق حين يتعلق الأمر بأي شيء شخصي»، ويضيف ستولتز: إن جميع أفراد عائلة نتنياهو حذرون بشأن الحديث عن أنفسهم.
مؤيدو نتنياهو ينفون أن تكون شخصيته غامضة، ويؤكدون أنه واضح وصريح بدرجة كبيرة، ولكن الصحفي الأمريكي تيركويل يرد على ذلك بأن صراحة نتنياهو التي تبدو أحياناً، هي صراحة مفتعلة وليست عفوية، ويضيف إنه «قدم مظهراً رائعاً للفظاظة والصراحة».
ويعزو بعض المهتمين بدراسة شخصية نتنياهو الغموض الذي يكتنفها إلى طبيعته الانعزالية التي أخذها عن عائلته، فقد وصف مارغوليك عائلته بأنها «منعزلة»، معتدة بنفسها مترابطة بشكل كبير، و يعتريها القليل من جنون العظمة، ويقول المقربون من نتنياهو إن أصدقاءه المقربين عددهم قليل جداً، وأن هؤلاء يصفونه بأنه شخصية تميل إلى الوحدة.
(بنزيون) والد نتنياهو ويصفه مارغوليس بأنه «متقد الذكاء»، قوي نشيط، قاس، ذو ملكة تميزه، مزهو، منعزل، موسوس، غير دبلوماسي، وغير توفيقي»، ويصفه آخرون بأنه «مزدر لك شخص آخر، بما في ذلك زملاء المهنة ـ السياسيين بمختلف فئاتهم» وعلى الرغم أن والده كان سياسيا ومؤرخاً انخرط في الحركة الصهيونية في وقت مبكر، إلا نتنياهو يصفه قائلا: «إنني لا أتذكر محاولة واحدة في مجمل شبابي تحدث فيها والدي عن السياسة».
وفيما يصف البعض نتنياهو بأنه عنيد وله قدرات قيادية عالية، فإن آخرين يتهمونه بأنه سطحي وليس لديه أي عمق بخلاف والده، كما يصفونه بأنه متجرد من المبادئ، ولديه الكثير من الصلف والغرور وبثقة مبالغ بها بالنفس رد نتنياهو على سؤال لشبكة «سي إن إن» حول قدرته على تجاوز المشاعر العربية السلبية تجاه مواقفه المتشددة، بأنه يعتقد أن غالبية الحكومات العربية ستلجأ إلى تكييف نفسها مع سياساته.
قدرة كبيرة على الكذب والتحايل ونزعة الهيمنة والتفرد:
بعض الأوساط السياسية والصحفية الإسرائيلية ترى أن نتنياهو يتقن فن التحايل والهروب من المأزق، وكمثال على ذلك تشير إلى ما ورد على لسانه في المناظرة التلفزيونية التي جمعته مع شيمون بيريز حينما سئل عن شعوره نحو فضيحة خيانته الزوجية قبل أعوام عندما أقام علاقته مع إحدى عشيقاته، حيث قال: «نعم لقد أسفت على ذلك، لقد تألمت كثيراً من القضية، وتألمت زوجتي وعائلتي، كان ذلك خطأ. غير أن الخطأ الذي ارتكبه ويرتكبه بيريز يؤلم كل شعب إسرائيل، إن الناس يعيشون في خوف .. كل الدولة تعيش في رعب»!.
هذا التحايل والالتفاف على السؤال، دفع المحلل السياسي الإسرائيلي ناحوم برنياع إلى التساؤل: «ما هي الصلة بين الجنس والخوف»؟ وأضاف «الانتقال من الحديث عن الشريط الى الحديث عن الخوف كان فظًا غريبا».
وفي كتابه الشهير «مكان تحت الشمس» أورد نتنياهو حشداً هائلاً من الأكاذيب والأباطيل وتزوير التاريخ والوقائع، ولم يتورع عن اتهام العرب بأنهم نجحوا في «إدخال أكاذيبهم التاريخية في وسائل الإعلام وجعلها تترسخ بعمق في الرأي العام العالمي»! وفي مكان آخر يزعم بأن الشعب اليهودي عانى من «الاحتقار والإذلال والقمع والعنف أكثر من أي شعب آخر، ولم تنشأ الحركة الصهيونية إلا التحقيق الحرية والعدالة لشعبها»!! وهي محاولة مكشوفة لقلب الحقائق.
ويجمع نتنياهو إلى صفة الكذب والتضليل صفة أخرى لا تقل عنها سوءاً، وهي إنكار الفضل والجميل للآخرين، ليس ذلك فحسب، بل ومهاجمتهم واتهامهم بالعداء والتقصير، ولم يسلم من ذلك أكثر الأطراف انحيازا وتأييداً الإسرائيل ... بريطانيا والولايات المتحدة.
فقد اتهم نتنياهو في كتابه «مكان تحت الشمس» بريطانيا بالعداء للصهيونية وتقديم التنازلات للعرب في السنوات التي سبقت قيام كيان «إسرائيل»!! وبأنها أوشكت على التخلي نهائيا عن فكرة الوطن القومي اليهودي، وقال إن سياساتها كان لها نتائج مدمرة بالنسبة لليهود!!
ويضيف: «لقد أغلق البريطانيون أبواب أرض إسرائيل أكثر من عشر سنوات في وجه اللاجئين اليهود الفارين من المحرقة الأوروبية، ولم يعمل البريطانيون من أجل تدمير الوطن ة القومي اليهودي الذي لم يكن ليقام دون الهجرة فحسب، بل أصبحوا شركاء في جريمة إبادة اليهود في أوروبا»!! ويقول أيضا: «في النصف الأول من القرن العشرين، كانت الإمبريالية البريطانية التي استعانت بالعرب هي الرائدة في مقاومة الحركة الصهيونية» !!..
ولم ينج الاتحاد السوفييتي من اتهامات نتنياهو الذي قال إنه حل مكان بريطانيا في دعم العرب، ويضيف استنتج الاتحاد السوفييتي السابق أن وجود إسرائيل يعتبر عقبة أمام طموحاته الإمبريالية في الشرق الأوسط!!
وقد طالت اتهامات نتنياهو التي يوزعها جزافا على الجميع الولايات المتحدة، حليف «إسرائيل» الاستراتيجي، كما طالت العالم الغربي «الولايات المتحدة التي تقيس عمقها الاستراتيجي بآلاف الكيلومترات تندد بإسرائيل التي تصر على التمسك بعمق استراتيجي يضم بضع عشرات من الكيلو مترات، ويعلن العالم الغربي صباح مساء أن على إسرائيل أن تسعى لتحقيق السلام، وينفس الوقت يبيع إلى العرب أسلحة بكميات تفوق عشرات الأضعاف ما يبيعه لإسرائيل، كما أن الدول الأوروبية هي التي تزود أشد أعداء إسرائيل بوسائل لإنتاج الأسلحة النووية على الرغم من المعرفة بأن هذه الأسلحة مخصصة لإبادة إسرائيل».
وفي عام ۱۹۹۰م هاجم نتنياهو السياسة الخارجية الأمريكية ووصفها بأنها مبنية على الخداع والمراوغة والتحريف، وهو ما دفع وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر في حينه لإصدار قرار بمنعه من دخول مبنى وزارة الخارجية، ولكن على الرغم من كل ذلك؛ فإن الكثيرين يعتبرون أن نتنياهو هو صنيعة الإعلام الأمريكي الذي فتح أمامه مجالا واسعاً لتسويق نفسه إعلاميا.
وتتهم بعض الأوساط السياسية الإسرائيلية نتنياهو بأن لديه نزعة فردية تسلطية واضحة ظهرت جلية من خلال إدارته لطاقة الحكومة خلال الأشهر الماضية من عمر حكومته، وتشير إلى أنه مارس كل ما من شأنه أن يكرس أنه الرجل القومي وصاحب القرار الوحيد في الحكومة، وقد أدى ذلك في بعض الأحيان إلى نشوب خلافات بينه وبين بعض الوزراء على حجم الصلاحيات، كما حصل في خلافه مع وزير الخارجية ديفيد ليفي.
وقد أشار المحلل السياسي الإسرائيلي ناحوم بريناع إلى صفة التفرد والهيمنة التي تميز شخصية نتنياهو وقال إنه «لم يكن هناك أي حزبي سيسهم في انتخابه أكثر من مريدور وإرييل شارون اللذين اعتبرهما نتنياهو ليس أكثر من أداة يستخدمها ويلقيها»، ونقل برنياع عن نتنياهو قوله: «لا أريد رئيسين للحكومة».
ولعل السؤال الأهم الذي يشغل اهتمام الأوساط السياسية الإسرائيلية فيما يتعلق بشخصية نتنياهو وطبائعه هو إلى أين سيقود نتنياهو «إسرائيل»، في ظل سياساته ومواقفه المعلنة والتي توصف بالتشدد؟
ولعل من المفارقات الملفتة للانتباه أن نتنياهو الانعزالي الانطوائي - كما يراه البعض - قد لعب دوراً مهماً في تخفيف العزلة الدولية المفروضة على «إسرائيل» خلال فترة عمله كممثل لها في الأمم المتحدة، وعمله في وزارة الخارجية، وكان إنجازه الأهم في هذا المجال المساهمة بدرجة كبيرة في إلغاء قرار الأمم المتحدة بمساواة الصهيونية بالعنصرية.
ولكن بسبب سياساته ومواقفه المتعنتة، فإن كثيرا من الأوساط الإسرائيلية تبدي قلقها من تدهور سمعة «إسرائيل» على الصعيدين الإقليمي والدولي، حيث تحملها غالبية الأطراف مسؤولية تعثر العملية السلمية في المنطقة التي تعيش مرحلة حرجة، وتشير هذه الأوساط التي تخشى من أن تعاني «إسرائيل» من العزلة مجدداً، إلى الأجواء السلبية التي سادت قمة القاهرة الاقتصادية، حيث لم توجه الدعوة لرئيس الوزراء نتنياهو للمشاركة، كما لم يمنح الوزير إرييل شارون إذنا لدخول مصر والمشاركة في أعمال القمة، وواجه الوفد الإسرائيلي خلال القمة جفاء واضحاً من قبل الأطراف العربية.
وقد أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية أن عدد الزيارات الرسمية لإسرائيل تراجع بصورة مذهلة منذ تسلم نتنياهو للسلطة، وقالت مصادر صحفية إسرائيلية إن الدبلوماسيين الإسرائيليين في الدول المختلفة ينقلون انطباعات سلبية حول نظرة تلك الدول للسياسات الإسرائيلية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل