; شخصيات صهيونية تورطت في التعاون مع النازيين | مجلة المجتمع

العنوان شخصيات صهيونية تورطت في التعاون مع النازيين

الكاتب عبد الوهاب المسيري

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1998

مشاهدات 3

نشر في العدد 1286

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 27-يناير-1998



من الصعب حصر كل الشخصيات الصهيونية التي تورطت في التعاون مع النازيين، ولعل الدراسة العلمية المتأنية والمتعمقة تنجح في حصر بعضهم أو حصرهم جميعًا، وفي تحديد مسؤولية كل، والظروف التي أدت إلى تعاونه ومدى تورطه، ونورد هنا ستة من هذه الشخصيات ونناقش طبيعة تعاونها مع النازيين.

1- ألفريد نوسیج (١٩٤٣٠١٨٦٤م):

أحد مؤسسي الحركة الصهيونية مع هرتزل، وأهم شخصية يهودية صهيونية متورطة في التعاون مع النازيين، وهو فنان وشاعر وموسيقار من أصل بولندي وخلفية ثقافية ألمانية، كانت مواهبه متعددة ومتنوعة عبر عنها من خلال الأدب قصائد ومسرحيات ومقالات في النقد الأدبي. والموسيقا البريتو لإحدى الأوبرات، والنحت عرضت تماثيله في معظم أرجاء أوروبا وذاعت شهرته كنحات، وقد بدأ حياته، شأنه شأن معظم ودیج الزعماء الصهاينة، خصوصًا الذين كانوا من أصل ثقافي ألماني بالمطالبة بالاندماج الكامل لليهود، ثم أصبح محررًا في إحدى الصحف البولندية. وفي عام ۱۸۸۷م، نشر كتيبه محاولة لحل المسألة اليهودية (بالبولندية) حيث اقترح إنشاء دولة يهودية في فلسطين والدول المجاورة، وقد ترك هذا الكتيب أثرًا عميقًا على المثقفين اليهود في أوروبا خصوصًا في جاليشيا ومنذ ذلك التاريخ، أصبح توسيج نشيطًا في المجال الصهيوني فألف الكتب المقالات عن موضوع الاستيطان وغيره وقد يتصور البعض أن ثمة تناقضًا بين نزعته الاندماجية الأولى ونزعته الصهيونية بعد ذلك، ولكن هذا النمط معروف تمامًا بين مؤسسي الحركة الصهيونية، ولا سيما أصحاب الخلفية الثقافية الألمانية، فهؤلاء یهود غیر یهود، بمعنى أنهم حاولوا الاندماج، بل والانصهار في الأغلبية لرفضهم لهويتهم اليهودية الدينية والعرقية ولكن المجتمع صنفهم يهودًا. ولهذا أخذوا يبحثون عن طريقة أخرى للتخلص من اليهود، ووجدوا ضالتهم في الحل الصهيوني، الذي يرمي إلى نقل «ترانسفير» يهود أوروبا خارجها، إلى أن يفرغها من يهودييها في نهاية الأمر، وهذه عملية ستقضي على الفائض البشري وتسهل اندماج القلة التي ستبقى وشارك نوسيج في المؤتمر الصهيوني الأول ۱۸۹۷م، واصطدم مع هرتزل لأسباب لا تذكرها المراجع التي عدنا إليها، ولكنه استمر في حضور المؤتمرات الصهيونية، وصوت ضد مشروع شرق إفريقيا باعتبار أنه مشروع بريطاني، بينما كان متحمسًا للمشروع الاستعماري الألماني ويبدو أن نوسيج كان عضوًا في العصبة الديمقراطية، إذ إنه أسهم عام ۱۹۰۲م، مع مارتن بوير وحاييم وايزمان وليو موتسكين في تأسيس أول دار نشر صهيونية في برلين نشرت العديد من الكتب، ويعتبر نوسيج واضع أساس علم الإحصاء الخاص بين الجماعات اليهودية، فنشر أعمالًا بين عامي ۱۸۸۷ م و۱۹۰۳م، ووضع أساس إنشاء المعهد الإحصائي والسكاني الديموجرافي، اليهودي. وهدف الصهيونية حسب تعريف معظم مؤسسيها، هو نقل اليهود من أوروبا وإفراغها منهم لحل المسألة اليهودية، ونوسيج ينتمي إلى هذه المنظومة الفكرية التوطينية، الترانسفيرية فكان معظم فكره يدور حول تهجير اليهود، وكان هذا يأخذ شكل محاولة زيادة وعيهم بهويتهم اليهودية العضوية حتى يضمر ويذوي إحساسهم بالانتماء إلى أوروبا، وقد أنجز نوسيج ذلك من خلال أعماله الفنية مثل تماثيله: «اليهودي التائه، و«يهودا المكابي» و«الملك سليمان، وه الجيل المقدس كان نوسيج بود أن توضع على جبل الكرمل رمزًا للدولة اليهودية، كما أسس عام ١٩٠٨م منظمة استيطانية تُسمى إيكو AIKO للتعجيل بنقل اليهود فهو شأنه شأن نوردو - كان في عجلة من أمره، ولعل طول الانتظار هو الذي دفعه إلى التعاون مع النازيين لأنهم أيضًا ذوو نزعة توطينية ترانسفيرية، فعمل كمخبر للسلطات النازية إبان الحرب العالمية الثانية، وعينه تشير نياكوف، رئيس مجلس اليهود في وارسو إبان حكم النازي، عضوًا في المجلس ورئيسًا لقسم الفنون، ونظرًا لمعرفته الوثيقة بأعداد اليهود وتوزعهم ومراحلهم العمرية المختلفة. بسبب دراساته التي أسلفنا الإشارة إليها»، ونظرًا لرغبته العميقة في إفراغ أوروبا من يهودييها، وضع نوسيج خطة متكاملة لإبادة اليهود الألمان المسنين والفقراء غير النافعين، وتهجير الباقين أو إبادتهم وقد اكتشف أعضاء المقاومة اليهودية في جيتو وارسو تعاونه مع النازي، وأنه عضو في الجستابو فحكم عليه بالإعدام رميًا بالرصاص، ونفذ الحكم في ٢٢ فبراير ١٩٤٣م. وقد اختفى نوسيج تمامًا من الأدبيات الصهيونية والغربية.

۲- مردخاي رومكوفسكي (١٨٧٧م. ١٩٤٤م):

صهيوني بولندي ورئيس المجلس اليهودي في جيتو لودز خلال الحرب العالمية الثانية، ولد في روسيا ثم استقر في مدينة لودر مع بداية القرن العشرين كان عضوا في الحزب الصهيوني العمومي، وقام بتمثيله في لجنة الجماعة اليهودية في لودز، كان رومكوفسكي مؤمنًا بأن التعاون مع الألمان سيعزز وضع اليهود، خصوصًا إذا زادت مساهمتهم وأهميتهم بالنسبة للمجهود الحربي الألماني، ولهذا عين بعد احتلال الألمان المدينة لودز عام ١٩٣٩م، رئيسًا للمجلس اليهودي فيها، أي كبيرًا لليهود، ومنحه المسؤولون الألمان في جيتو لودز « الذي ضم ۱۷۰ الف يهودي، سلطات إدارية واسعة، وتعزز موضعه القيادي بسبب مهارته التنظيمية، فكان مسؤولًا عن إقامة الورش التي أمر الألمان بإنشائها لاستغلال عمل اليهود. والتي بلغ عددها ۱۲۰ ورشة، ومع مرور الوقت عمل رومكوفسكي على تركيز جميع السلطات في يده وأصبحت إدارته أكثر استبدادا، وعندما أمرت السلطات الألمانية الجيتو بإصدار عملة نقدية خاصة به باعتباره كيانًا يهوديًا مستقلًا وبدلًا من استخدام العملة البولندية أو الألمانية. طبعت على الأوراق المالية الجديدة صورته. اشترك رومكوفسكي في عمليات ترحيل ونقل يهود لودز إلى معسكرات الاعتقال الألمانية، وكان مسؤولًا مع معاونيه عن تحديد من سيتم ترحيله، الأمر الذي جلب عليه كراهية كثير من سكان الجيتو، وقد ضمت قوائم المرحلين كثيرًا من معارضيه داخل الجيتو، وخلال الفترة بين يناير ومايو عام ١٩٤٢م. تم ترحيل ٥٢ ألف يهودي من الجيتو بمعاونة رومكوفسكي الذي كان مؤمنًا بأن التعاون مع الألمان هو أفضل سبيل لتخفيف وطأة هذه المأساة. وقد قام الألمان بتصفية الجيتو في نهاية الأمر عام ١٩٤٤م، ورحل رومكوفسكي مع أسرته إلى معسكر أوشفيتس حيث مات. وتعد شخصية رومكوفسكي شخصية مثيرة للجدل في الأدبيات اليهودية التي تؤرخ لفترة الإبادة النازية، حيث يحمله البعض مسؤولية إبادة يهود جيتو لودز، وهو بعد مثلًا جيدًا على ذلك التعاون بين قيادات الجماعات والمجالس اليهودية من جهة والسلطات النازية من جهة أخرى.

3- آدم تشرنياكوف (۱۸۸۰ م. ۱۹۳۲م):

صهيوني بولندي ورئيس مجلس الجماعة اليهودية في وارسو خلال الحرب العالمية الثانية، وأول رئيس للمجلس اليهودي في وارسو، والذي شكلته سلطات الاحتلال النازية. كان تشرنياكوف من النشطين في مجال شؤون الجماعة اليهودية في بولندا عقب الحرب العالمية الأولى، واهتم بشكل خاص بشؤون الحرفيين اليهود الذين كانوا يشكلون ٤٠ من تعداد الجماعة، وقام بالتدريس في شبكة المدارس اليهودية المهنية في وارسو وانتخب في الفترة بين عامي ١٩٢٧ م و١٩٣٤م عضوًا في مجلس مدينة وارسو، كما انتخب قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية مباشرة عضوًا في المجلس التنفيذي للجماعة اليهودية، ثم عينه عمدة وارسو بعد اندلاع الحرب رئيسًا لمجلس الجماعة اليهودية، وبعد احتلال القوات الألمانية للمدينة، عينته السلطات النازية رئيسًا للمجلس اليهودي، وأوكلت إليه مهمة تنظيم الجماعة اليهودية في جيتو خاص بها، وكان على اتصال وثيق بالسلطات النازية، خصوصًا مع قوميسار الجيتو الألماني، وقد وجه بعض أعضاء الجماعة الهودية انتقادات جادة للمجلس اليهودي ونشاطه وحاول بعضهم إقصاء تشرنياكوف. ويقال: إن تشرنياكوف لم يصدق عندما بدأت عمليات ترحيل اليهود إلى معسكرات الاعتقال، أنه سيتم ترحيل اليهود بالفعل، ولكنه أدرك في نهاية الأمر أبعاد المخطط، فرفض التعاون مع الألمان ورفض التوقيع على أوامر الترحيل ولم يجد مخرجًا من مأزقه سوى وقد ترك تشرنياكوف يوميات دون فيها جميع الأحداث المهمة التي جرت داخل الجيتو وجميع ملاحظاته ومشاهداته، وتعتبر هذه اليوميات خاصة الانتحار مرجعًا مهمًا لأوضاع وظروف جيتو وارسو إبان الاحتلال النازي. وتثير حياة تشرنياكوف قضيتين أولهما قضية مدى مسؤولية القيادات اليهودية عن نجاح النازيين في تنفيذ مخططهم، أما القضية الثانية: فهي بعدى معرفة العالم الخارجي بما كان يدور في ألمانيا من عمليات تهجير وقمع وإبادة، إذ يذهب بعض الدارسين إلى أن العالم بأسره لم يكن يعرف شيئًا عما يدور في ألمانيا النازية وعن عمليات الإبادة، ومن ثم لم يتخذ أي إجراءات للحيلولة دون وقوع مثل هذه العمليات، بينما تصر الأدبيات الصهيونية على أن العالم ترك اليهود وحدهم لمصيرهم، الأمر الذي يعني صدق المعادلة الصهيونية البسيطة اليهود ضد الأغيار، ولكن تشرنياكوف وهو كما بينا واحد من أهم الشخصيات القيادية اليهودية، وكان يعيش داخل بولندا ويترأس الجينو اليهودي في وارسو، وكان على علاقة يومية مع السلطات النازية، لم يكن يعرف شيئًا عن الترحيل أو عن أفران الغاز ولم يصدق ما كان يحدث من حوله، وقد تعاون مع النازيين، كما تقرر المراجع الصهيونية، لأنه لم يكن يدرك إطلاقًا ما كان يحدث من حوله، ولم يصل إلى مسامعه شيء إلا في عام ١٩٤٢م. أي قرب نهاية الحرب، فكيف كان يمكن للعالم الخارجي أن يعرف عن الاعتقال والتهجير والإبادة.

٤ - حاييم كابلان (۱۸۸۰م. ١٩٤٢م):

مرب بولندي صهيوني دون يومياته في جينو وارسو أثناء الاحتلال النازي لبولندا، ولد في بلوروسيا وتلقى تعليمًا تلموديًا في المدرسة التلمودية العليا يشيفا، ثم درس في المعهد الحكومي التربوي في فلنا، وفي عام ۱۹۰۲م. استقر في وارسو، حيث أسس مدرسة ابتدائية عبرية كانت جديدة في نوعها، وظل مديرًا لها لمدة أربعين عامًا، وكان كابلان شديد التحمس للغة العبرية، ومن العارفين بها والدارسين لها، وقد تبنى في تدريسه للعبرية الأسلوب أو المنهج المباشر فكان يدرسها كلفة حية متداولة باستخدام اللهجة السفاردية وأصدر كابلان عدة كتب بالعبرية يدعو فيها إلى تبني

هذا المنهج في التدريس، وذلك رغم المعارضة القوية من المؤمنين بالأساليب التقليدية، كما اشترك كابلان بشكل نشط في جمعية الكتاب والصحفيين اليهود في وارسو، ونشر العديد من المقالات وأصدر العديد من المجلات العبرية واليديشية على مدى الأعوام الأربعين التي عمل بها في التدريس كما أصدر إلى جانب ذلك، كتبًا خاصة بالنحو العبري، وكتبًا للأطفال تتناول ما يسمى. الثقافة اليهودية والتاريخ اليهودي، وكان كابلان من المؤمنين بالقومية اليهودية أي الصهيونية والتاريخ اليهودي الواحد، وكانت يهوديته ذات طابع قومي، حيث لم يكن متمسكًا بممارسة الشعائر والتقاليد الدينية. وقد اتجه إلى فلسطين في عام ١٩٣٦م، حيث كان ينوي الاستقرار مع ابنيه اللذين هاجرا للاستيطان بها من قبل إلا أنه عاد إلى وارسو بعد أن فشل في العثور على عمل. وتعود أهمية كابلان إلى أنه دون يومياته وهو في جيتو وارسو أثناء الاحتلال النازي لبولندا، وقبل أن يدمر الجينو بأكمله، وقد بدأ كابلان في كتابة يومياته بالعبرية ابتداء من عام ۱۹۳۳م، وسجل فيها الأحداث اليومية المجتمع الجيتو، كما سجل أفكاره وحواراته مع أصدقائه وانطباعاته العديدة، وقد أدان كابلان القيادات اليهودية في الجيتو ومن بينها ادم تشرنياكوف رئيس المجلس اليهودي، الذي كان يقوم بتسليم اليهود إلى النازيين والذي انتحر فيما بعد، وقد نجح كابلان في تهريب يومياته إلى خارج الجيتو قبل أن يلقى حتفه عام ١٩٤٢م. وتتضمن اليوميات إدراكًا كاملًا للتشابه البنيوي بين النازية والصهيونية، إذ يعبر كابلان عن دهشته لاضطهاد النازيين لليهود، رغم أن الحل النازي هو نفسه الحل الصهيوني الاعتراف باليهود كشعب عضوي منبوذ وطنه فلسطين، ومن ثم يتعين عليه أن يهاجر إليها، وقد دون كابلان في مذكراته أن هذه الكلمات كانت جديدة على النازيين تمامًا، وأنهم لم يصدقوا أذانهم حينما سمعوا ذلك لأول مرة من أحد اليهود، وهذه الملاحظة تدل على مدى جهل كابلان بمستوى المعرفة النازية بالمسألة اليهودية والعقيدة الصهيونية، وتدل على أنه لم يكن متابعًا للتعاون الوثيق بين النازيين والصهاينة في ألمانيا النازية وترجمت يوميات كابلان إلى لغات عدة منها الإنجليزية والألمانية والفرنسية والدنماركية واليابانية، ونشرت بالإنجليزية تحت عنوان مخطوطات العذاب.

5- كورت بلو منفلد (١٨٨٤م. ١٩٦٣م):

أحد الزعماء الصهاينة في ألمانيا، والقوة المحركة للمنظمة الصهيونية فيها، وهو يهودي ألماني ولد لأسرة مندمجة، ولكنه خلص إلى أنه لا جدوى من الانعتاق وأن اليهود لن يكون في وسعهم الاندماج في المجتمع الألماني تزوج بلومنفلد من فتاة من شرق أوروبا، وبعد أن درس في كلية الحقوق في إحدى الجامعات الألمانية، انضم إلى المنظمة الصهيونية وأصبح سكرتيرها الأول عام ۱۹۰۹م، ثم أصبح السكرتير العام للجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية ورئيس قسم النشر»، وترأس تحرير مجلة دي فيلت لسان حال المنظمة، وبعد الحرب العالمية الأولى، قام بحملات واسعة الجمع التبرعات للصندوق القومي اليهودي وأصبح رئيسًا للمنظمة الصهيونية الألمانية عام ١٩٢٤م، وظل يشغل هذا المنصب حتى عام ۱۹۳۳م، أي عندما تولى هتلر السلطة في ألمانيا، وقد هاجر بلومنفلد عندئذ إلى فلسطين واستوطن فيها وأصبح الرئيس التنفيذي للصندوق القومي اليهودي في فلسطين، ومات بلومنفلد عام ١٩٦٣، ولكن المصادر الصهيونية لا تذكر شيئًا عن نشاطه السياسي منذ عام ١٩٤٤م حتى وفاته، أي مدة عشرين عامًا، وهو أمر يحتاج إلى دراسة.

كان بلومنفلد یری نفسه نبي الصهيونية الألمانية في عصر ما بعد الاندماج وفشله، وبدأ يعلن عن مواقفه ويقوم بالجولات الإعلامية داخل ألمانيا وخارجها بوصفه مسؤولًا صهيونيًا، كما دأب على إلقاء خطب نارية ورفع شعارات سببت كثيرًا من الحرج لأعضاء الأقلية اليهودية في ألمانيا. وكان بلومنفلد وراء إصدار ما يسمى «قرار بوزن الذي أصدرته المنظمة الصهيونية الألمانية عام ۱۹۱۲م، وحددت فيه الصهيونية كحركة قومية تترجم نفسها إلى هجرة إلى فلسطين، الوطن القومي لليهود، ووصف بلومنفلد هذا القرار بأنه كان بمنزلة إعلان للهجوم على صهيونية الإحسان الغربية أي الصهيونية التوطينية، وأن الصهيونية بصدوره أصبحت حركة ذات طابع قومي «استيطاني واضح وقد اعترف بلومنفلد أيضًا بأن الأعضاء وافقوا على قراره لأنهم لم يدركوا تضميناته السياسية الراديكالية.

٦ - رودولف کاستنر (١٩٠٦م. ١٩٥٧م):

أحد زعماء الحركة الصهيونية في المجر، ترأس عددًا من المنظمات الشبابية الصهيونية، ورأس تحرير مجلة أوج كيليت UJ KELET أي الشرقي الجديد». وكان نائب رئيس المنظمة الصهيونية في المجر، ثم أصبح مسؤولًا عن إنقاذ المهاجرين اليهود من بولندا وتشيكوسلوفاكيا، فقد كان يشغل منصب رئيس لجنة الإغاثة في بودابست التابعة للوكالة اليهودية. قام كاستنر بالاتصال بالمخابرات المجرية والنازية، التي كان لها عملاء يعملون داخل المجر، حتى قبل احتلال القوات الألمانية لها، ثم استمر في التعاون مع النازيين بعد احتلالهم للمجر. وتشير بعض الدراسات إلى أن ايضمان حضر إلى المجر ومعه ۱۵۰ موظفًا وحسب، وكان يتبعه عدة آلاف من الجنود المجريين، هذا بينما كان يبلغ عدد يهود المجر ما يزيد على ۸۰۰ الف، وهو ما يعني استحالة ترحيلهم إلى معسكرات الاعتقال، السخرة والإبادة، إن قرروا المقاومة، ومع هذا نجح أيخمان في مهمته بفضل تعاون كاستنر معه إذ يبدو أن كاستنر أقنع أعضاء الجماعة اليهودية في المجر بأن النازيين سيقومون بنقلهم إلى أماكن جديدة يستقرون فيها أو إلى معسكرات تدريب مهني لإعادة تأهيلهم وليس إلى معسكرات الاعتقال ومقابل ذلك سمحت السلطات النازية عام ١٩٤١م، بإرسال ۳۱۸ يهوديًا ثم ١٣٨٦ يهوديًا من أحد معسكرات الاعتقال إلى فلسطين يهود من أفضل المواد البيولوجية، على حد قول أيخمان استقر كاستنر في فلسطين عام ١٩٤٦م، وانضم إلى قيادة الماباي ورشح للكنيست الأول وانتقلت معه مجلة أوج كيليت، وأصبح رئيسًا لتحريرها، بل كان يعد مسؤولًا عن شؤون يهود المجر أو من تبقى منهم، في الحزب الحاكم. ولكن في عام ١٩٥٢م أرسل المواطن الإسرائيلي مايكل جرينوولد كتيبًا لبعض القيادات الصهيونية انهم فيها كاستنر بالتعاون مع النازيين، وأنه قام بالدفاع عن أحد ضباط الحرس الخامس الإس إس أثناء محاكمات نورمبرج الأمر الذي أدى إلى تبرئته وإطلاق سراحه، وقد قام الحزب الحاكم في إسرائيل بمحاولات مضنية لإنقاذ كاستنر وتبرئته، كما بين كاستنر أثناء محاكمته أنه لم يسلك سلوكًا فرديًا، وإنما تصرف بناء على تفويض من الوكالة اليهودية التي أصبحت الدولة الصهيونية عام ١٩٤٨م، ولم يكن كاستنر مبالغًا في قوله، فالمواطن الإسرائيلي جويل براند كان على علم ببعض خفايا القضية وبمدى تورط النخبة الحاكمة في عملية المقايضة الشيطانية التي تمت. وقد طلب منه الإدلاء بشهادته، ولكنه آثر ألا يفعل وبدلًا من ذلك كتب كتابًا بعنوان الشيطان والروح، يقول فيه: إن لديه حقائق تبعث على الرعب وتدمع رؤوس الدولة اليهودية الذين كانوا رؤساء الوكالة اليهودية». وأضاف قائلًا: إنه لو نشر مثل هذه الحقائق لسالت الدماء في تل أبيب. وقد قضت المحكمة الإسرائيلية بأن معظم ما جاء في كتيب جرينوولد يتطابق مع الواقع، وبعد إشكالات قضائية كثيرة، حسمت المسألة ولحسن حظ الحزب الحاكم، حينما أطلق أحدهم، الرصاص على كاستنر وهو يسير في الشارع وقد تمت الجريمة رغم ورود تحذيرات لسلطات الأمن الإسرائيلية عن وجود مؤامرة لاغتيال كاستنر، بل وكانت السلطات تعرف موعد تنفيذ المؤامرة، وقد سجل موشيه شاریت، رئيس الوزراء الإسرائيلي، هذه الكلمات في مذكراته کاستنر، كابوس مرعب حزب الماباي يختنق بوجروم، ويشير براند في كتابه إلى أن رجال السياسة الذين يتسمون بالحذر، كانوا لا يعرفون ماذا سيفعلون مع هذا الرجل بعد محاكمته وكانوا يفكرون في إسكاته.

الكتاب والوعي الفكري

بقلم: د. عادل حسون الخنساء

يشكو الكثير من الضعف الفكري والضحالة الثقافية لدى أفراد المجتمع رجالًا ونساءً، وعند المقارنة بالخمسينيات والستينيات وحتى منتصف السبعينيات من هذا القرن حيث كان الكثير من أفراد المجتمع شغوفين بالقراءة والمطالعة، فإن الفروق لتبدو كبيرة والفجوة واسعة بين ذلك الجيل وبين الأجيال الحالية التي نعايشها ونعايش تطورها. كان الشخص فيما مضى لا تمر فترة زمنية معينة، خمس سنوات أو عشر أو عشرون، أقصد لا ينتقل من مرحلة كان عمره فيها ١٥ سنة أو ٢٠ سنة إلى فترة يصبح فيها عمره ٣٠ أو ٣٥ أو ٤٠ عامًا إلا ويكون قد قرأ مئات الكتب الفكرية والثقافية والعلمية والإسلامية منها أو غير الإسلامية. ولم يكن المنتمي يكتفي بالتظاهر بالقراءة كما يفعل البعض اليوم، أو يقنع بقراءة صفحات من الكتاب، ثم يهمله أو يتناساه أو بقراءة كتاب بدون تدقيق في الاختيار أو بقراءة كتاب دون تلخيص إذ سرعان ما سينسى مضمونه وغير ذلك، بل كان المنتمي يقرأ كل الكتاب في فترة معقولة ويسهر عليه حتى ينتهي منه حتى لو كلفه الأمر أن يحمله في جيبه أو حقيبته أو يتأبطه مستغلًا أي وقت فراغ كسفر أو انتظار أو نزهة أو غيرها، ثم يلخص أفكاره الرئيسة والفرعية ويسجلها على أوراق خاصة يضمها مع غيرها في ملف خاص بقراءة الكتب ومطالعتها وتلخيصها. ثم لا يكتفي بذلك، بل يحاول أن يسترجع أفكاره ثانية للتأكد، ثم يعمل على التطبيق إن كان الكتاب يدعو للسلوك أو للتخلق في المعاملات الإنسانية، ثم أخر الأمر يناقش به الآخرين حتى يجري! الكتاب مع العروق في دمه ومع الخلايا في ذهنه وعقله فيختلط الاثنان معًا وكأنهما شخص واحد. فإذا اجتمع للمتعلم في ذهنه وفكره كتاب بعد كتاب بعد كتاب وإذا اجتمع له إلى جانب ذلك دقة الملاحظة المباشرة اليومية من خلال اختلاطه بالناس ومراقبته لنفسه ولأهله ولغيره، وإذا اجتمع له إلى جانب ذلك أيضًا مقدرة التمعن والتبصر والتفكر، فإن هذا الكم الهائل من الأفكار سوف يجد مستقره في العقل بحيث يبدأ العقل عمله في غربلة تلك الأفكار وتصفيتها وتصنيفها وتبويبها فلا يحس المرء بعد مدة إلا أنه يريد أن ينطلق، ويريد أن يناقش ويحاور ويدعو، وبذلك يتحول عقل المرء في جانب منه إلى ما يشبه خلية النحل أو جهاز الكمبيوتر الذي يأخذ المعلومات ثم يقدم لك البرامج. بل وأكثر من ذلك حتى لتحس عند اختلاطك بهذا الشخص أنك تختلط مع إنسان راقٍ وكائن عاقل واع وشخصية معتبرة رغم أن عمره قد يكون ليس بالكبير، ورغم أنه قد يكون طالبًا أو عاملًا مثقفًا أو معلمًا أو مدرسًا أو موظفًا أو طبيبًا أو مهندسًا أو شرطيًا أو فنيًا أو عسكريًا.... إنه الشخص الواعي حقًا دون تزوير. إن الكتاب... قراءة وتحليلًا... دراسة وبحثًا وتعليلًا، مواظبة وديمومة واستمرارية... حوارًا ومناظرة ونقاشًا وتفسيرًا... وغير ذلك من أصول العلم وقواعد البحث، هو الذي يساهم مساهمة جادة في الارتقاء بالوعي الفكري الناضج والتفكير العلمي السليم لدى جميع أفراد المجتمع دون استثناء.

(*)(*)(*) كاتب وباحث متخصص في الصهيونية العالمية وأستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة عين شمس القاهرة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4425

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين

نشر في العدد 717

98

الثلاثاء 14-مايو-1985

المجتمع المحلي (العدد 717)

نشر في العدد 1241

90

الثلاثاء 11-مارس-1997

قانون العودة الصهيوني