العنوان شاهد عيان على مذبحة سراييفو
الكاتب أسعد طه
تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-1994
مشاهدات 103
نشر في العدد 1088
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 15-فبراير-1994
عقارب
الساعة تحاول الاقتراب من إشارة الثانية عشرة والنصف من ظهر السبت الخامس من هذا
الشهر.. السوق التجاري الرئيسي في العاصمة البوسنية مكتظ عن آخره بالأهالي الذين
قدم بعضهم لشراء ما يمكن أن يسد جوع الصغار بأسعار تبلغ أضعاف ما كانت عليه قبل
الحرب، فيما جاء آخرون ليقايضوا ما ليس لهم به حاجة مع ما يحتاجونه، وكأن هذه
المدينة الأوروبية عادت أدراج الزمن عشرات السنوات!
القناصة
الصرب ينشطون ويصوبون رصاصاتهم على كل هدف حي متحرك، رجلًا كان أم امرأةً، طفلًا
أو عجوزًا، فالمطلوب أن تتحول سراييفو التي كان يطلق عليها ياقوتة البلقان إلى
مقبرة البلقان. القنابل من كل نوع وحجم تتساقط على أحياء المدينة هنا وهناك والناس
رغم ذلك يحاولون أن يمارسوا حياتهم اليومية الطبيعية فليس في الإمكان البقاء في
المخابئ لما يقرب من عامين منذ أن اندلعت شرارة الحرب الأولى.
في
السوق يعلو ضجيج الباعة والمشترين غير أن قذيفة صربية تأبى إلا أن يعلو صوتها على
صوت البشر.. تغيب قلب المكان ليتحول في طرفة عين إلى سلخانة بشرية تغطي أرضها دماء
وأشلاء الأبرياء.. توقف فجأة نبض الحياة في قلب 66 من أبنائنا.. ودخل 200 غيرهم في
صراع مع الموت.. الدماء تغطي الأرض وتكسو الطاولات التي كان الباعة يصفون عليها
قبل لحظات بضاعتهم.. الأشلاء ترامت في أركان السوق.. هاتان قدمان لرجل.. وذاك رأس
فصل عن صاحبته.. وهذا ذراع لا يعلم لمن!
امرأة
عجوز رفضت الوقوف في صفوف المحتاجين الذين يتراصون أمام الهيئات الإغاثية وجاءت
تبيع وتشتري.. باتت كومة من اللحم لا يمكن أن تميز فيها قدمًا عن رأس! بينما آخر
شطر جسده طوليًا! الصرخات تغطي أرجاء المكان.. وهستيريا من بقي حيًا سليمًا تشتد،
الأم تبحث عن ابنها.. والرفيق يبحث عمن كان بصحبته.. شهقة الموت الأخيرة تسمعها
هنا وهناك والجميع حتى الأحياء يتجرعون ألم الموت والفراق.
لحظات
ويهرع المسلمون البسطاء من كل مكان.. سيارات خاصة وعامة تنقل الجرحى بدمائهم وما
تبقى من أجسادهم.. والشاحنات ينقل فيها الموتى.. أجساد فوق أجساد.. جثث تعلو جثثًا.
اليوم لن يتم العرس.. فـ(محمد) فقد (فاطمة)! واليوم لن ينام الصغير (علي) في حضن
أمه فقد رحل! واليوم يعود إسماعيل من الجبهة في عطلة يوم لكنه لن يجد رفيقة العمر
تستقبله على الباب وتعد له ما أمكن من لقيمات مغموسة بالحب والألم!
الصحفيون
الأغبياء يتوافدون على المكان يصورون ويصورون، يكتبون ويكتبون.. ثم يرسلون إلى
العالم الحر!
تملأ
الدموع عيني الغربي المتحضر ثم ما يلبث أن يربت على كلبه ويستكمل مشاهدته اللذيذة
أمام تلفازه الملون.. تصل قافلة الألم إلى مستشفى المدينة الرئيسي، الركب يفرغ
حمولته على أبوابها.. الأطباء والعاملون في المستشفيات يُفجعون، فلم تر سراييفو يومًا
كهذا من قبل على مدى 22 شهرًا من الحرب، وعليهم الآن أن يدخلوا في سباق مع الزمن
لفحص حوالي 300 حالة بين قتيل وجريح ومصاب، غرف العمليات امتلأت عن آخرها.. الغرف
العادية.. طرقات المستشفى -فضلًا عن أسرتها- امتلأت بالضحايا ولم يبق إلا الأرض
يفترشها المصابون والقتلى جنبًا إلى جنب.. مواد التخدير ليست كافية.. المواد
الطبية ليست كافية. المعدات الكهربائية الطبية غير كافية.
صراخ
الجرحى يصم الآذان.. وآلامهم كرابيج تلعن ساكني البيت الأبيض والأحمر والأسود..
والأهالي تكدسوا على أبواب المستشفى في هيستيريا ينتظرون من يخرج عليهم يخبرهم..
هذا مات.. هذا ينتظر الموت.. وذاك حي ينتظر دوره أمام السكين الصربي.. ساعات تمر
ويأتي رجال القوات الدولية إلى مكان الجريمة.. بأحذيتهم الثقيلة الغبية يوغلون في
دمنا ويصفون أجهزتهم (الحساسة) على أرض السوق ليحددوا من صاحب القذيفة؟ من الذي
قصف الأبرياء؟ من الذي قتلهم؟ الصرب أم المسلمون الإرهابيون؟!
الرئيس
البوسني يطالب زعماء العالم بأن يردوا حق الشعب المسلم الذي سلبوه عبر قرارهم بمنع
السلاح عنهم ليدافعوا عن أنفسهم..
(الغالي)
بطرس يعلن أن المذبحة فاجأته.. كلينتون (يطالب) الأمم المتحدة بأن تحدد من المسؤول
عن القصف.. وزير الدفاع البريطاني يعبر عن اعتقاده بأنه ليس هناك ضرورة لاتخاذ
خطوة جادة.. فما حدث يأتي في سياق (الحرب الأهلية) في البوسنة.. زعماء وزعماء
وزعماء ينددون وينددون وينددون.. والمزيد من الدم الأحمر القاني يسيل ويسيل ويسيل..
آهٍ..
من دعوة المظلوم المقهور.. آهٍ من غثاء تتداعى عليه الأمم.. آهٍ من حرقة قلب أم..
ولوعة أب.. ودمعة حزينة ساخنة في مقلتي طفل لن يجد في المساء حضنًا دافئًا يحتويه!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل