العنوان سيلتئم جرحك يا شعبي
الكاتب كمال الخطيب
تاريخ النشر السبت 26-مايو-2001
مشاهدات 73
نشر في العدد 1452
نشر في الصفحة 28
السبت 26-مايو-2001
ثلاث وخمسون سنة وجرحك ينزف يا شعبي ودموع الحنين ترسم خريطة الوطن على خدود العجائز والأطفال من أبنائك يا شعبي، ثلاث وخمسون سنة، وتنهيدات الشوق تنبعث من داخل الصدور المكلومة، ثلاث وخمسون سنة يبيت صغارك على هدهدة الأمهات يتحدثن ويتغنين بفلسطين والوطن والحواكير والبلابل والحساسين الجميلة تتراقص وترفرف على أغصان التوتة الكبيرة، مازالت عند عين القرية شجرة التوت تلك التي عمرها أكبر من عمر المغتصب.
ثلاث وخمسون سنة ولا تزال «كواشين الطابو» محفوظة داخل تلك العلبة الحديدية محفوظة في تلك الخزانة القديمة في «شبه البيت» هناك في مخيم عين الحلوة، أي في مخيم الوحدات أو في مخيم اليرموك، ذلك «الكوشان» الذي يكحل به الأولاد والآباء عيونهم كلما مرت ذكرى النكبة على أمل العودة، والرجوع ليكون هو جواز السفر عند عبور بوابات الوطن.
ثلاث وخمسون سنة ولا يزال مفتاح البيت يعلقه الجد وتعلقه الجدة في صدورهم ليظل هناك قريباً من القلب، ينام ويقوم معهم لأنه عنوان الأمل والفتح والفرج، حيث لن يتوقف الأمل في العودة إلا عندما يتوقف القلب عن الخفقان.
ثلاث وخمسون سنة وفي كل صباح يفتح اللاجئون من أبناء شعبنا عيونهم يحاولون أن يتذكروا مقاطع من حلم جميل رأى الواحد فيهم نفسه كأنه يقطف الزعتر من هضاب الوطن، أو كأنه يسير في طريق ترابي طويل فيتساءل عند الصباح هل هو طريق اللجوء، والشتات الذي لا يزال طويلًا أم أنه طريق العودة إلى الوطن الحبيب؟
ثلاث وخمسون سنة وقد أصبح هرمًا من خرج لاجئًا في ريعان الشباب، وقد أصبح كهلًا من خرج لاجئاً وهو نطفة في ظهر أبيه، ثلاث وخمسون سنة فيها يكبر الأطفال على أطياف الوعد وبريق الأمل كما تكبر أزهار الدحنون والبرقوق على قطر الندى يبللها كل صباح.
ثلاث وخمسون سنة وعلى الرغم من تغير نظريات الحساب وعلوم الطبيعة، إلا أن بقايا كتاب الحساب ودفتر العلوم حملها معهم من خرجوا على طريق اللجوء والتشريد من الأطفال، لا ليتعلموا نظريات علم الجبر والرياضيات بل ليتعلموا أن الوطن لا يقبل القسمة والاختزال وليتذكروا أن فلسطين النكبة + فلسطين النكسة- الوطن الكبير، ثم يعرف معادلة الحساب التي يجب ألا تنسى وهي عرب- إسلام= هزيمة، وأن عرب+ إسلام= نصر وعزة.
ثلاث وخمسون سنة واللاجئون من أبناء شعبنا في الأردن يحملون الشمس مراسيل الشوق والحب والحنين لتلقيها وهي مغرية، فوق فلسطين، واللاجئون من أبناء شعبنا في سورية ولبنان ينادون الطيور المهاجرة من الشمال إلى الجنوب يقولون لها: «سلمي على الوطن قولي لفلسطين أنا على العهد» حتى إذا رجعت الطيور في رحلة العودة من الجنوب إلى الشمال نادوها قائلين: «بالله عليك أيتها الطيور اهبطي قريبًا منا لعلنا نشم منك رائحة الوطن، ولأن معك وعلى رجليك بعض ذرات من تراب فلسطين.
ثلاث وخمسون سنة إذن وجرحك ينزف يا شعبي ودمعك ينزف، وأنت تخنقك العبرات، ولكن لا تيأس، لا تيأس لأن جرحك سيلتئم، وفجر ليلك سيطلع ، فلا تيأس لأن مع العسر يسرًا.
فاخلع ثياب الأسى واليأس مرتديًا *** ثوب العطاء نشيطًا غير كسلان
معاذ ربي أن تنحل عروتنا *** أو أن نتيه وفينا نور قرآن
إني حييت ليوم لا مرد له *** للحق للنصر لاسترداد أوطان
لنستعيد بلادًا مثلما غصبت *** بالحق لا بدموع أو بتحنان
لنلتقي في ثغور الأمس ضاحكة *** حيفا وعكا ويافا ثم بيسان
لكي تعود تدوي في مأذنها *** الله أكبر من آن إلى آن
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل