العنوان سياسة أمريكية جديدة للتعامل مع الدول «المتمردة»
الكاتب عامر الحسن
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يونيو-1998
مشاهدات 76
نشر في العدد 1305
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 23-يونيو-1998
منذ انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي ودفع المنطقة «لعملية السلام» حسبما التفصيل الأمريكي ومصطلح «الدول المتمردة» - يشمل إيران والعراق، وليبيا - في شيوع مستمر، ونتج عن هذا خلق مساحة كبيرة من التوتر بين الولايات المتحدة. المسؤولة عن صياغة سياسة «الاحتواء المزدوج»، وقانون «داماتو» المعني بمحاصرة إيران وليبيا، وبين حليفاتها من الدول الأوروبية، وصحيح أن الدول الأوروبية دعمت قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بفرض الحظر على إيران وليبيا إلا أنها عمليًا كانت تفضل «التواصل» على «القطيعة والمواجهة».
وازدادت مبررات السياسة الأوروبية على السياسة الأمريكية مع مجيء الرئيس الإيراني محمد خاتمي للسلطة وانتهاجه سياسة تختلف عن سياسة المحافظين التقليديين في مراكز القوى الإيرانية سواء على مستوى الإصلاح الداخلي أو تطوير العلاقات الخارجية، إقليميًا سعى خاتمي لتحسين علاقاته بدول الخليج، ودوليًا فتح الباب أمام تقارب إيراني - أمريكي مستقبلًا، ولو من الأبواب الخلفية عبر الحوارات الثقافية والحضارية بين الشعبين، إزاء تلك التطورات بدت سياسة الاحتواء المزدوج الأمريكية مهترئة وبحاجة لإعادة نظر، ليس من وجهة نظر أوروبية فحسب، وإنما من العديد من السياسيين الأمريكيين أيضًا.
ويؤكد هؤلاء السياسيون المعترضون حججهم بلفت انتباه الإدارة الأمريكية إلى أن الاحتواء المزدوج فشل في تحقيق أهدافه سواء إسقاط صدام الذي لايزال يشكل خطورة على الخليجيين- سيما الكويتيين - أو تغيير ممارسات النظام الإيراني نفسه، وتفقد الإدارة الأمريكية تلك المزاعم بالقول إن نظام صدام تجرد من أسلحة الدمار الشامل بسبب أنشطة فرق التفتيش «يونيسكوم» داخل العراق، ومجيء خاتمي كان نتيجة شعور الإيرانيين بخطورة تداعيات الحصار الأمريكي والدولي عليهم، ومن ثم حقق «الاحتواء المزدوج»، أهدافه بصورة نسبية كبيرة. لكن تصنيف الدول التي لا تنسجم مع السياسة الأمريكية بـ «المتمردة» أو «المنبوذة» (Rogue States) وفرض حصار اقتصادي عليها ما عاد يمثل في ظل التغيرات الدولية الملحوظة آلية مؤثرة للتعامل معها، وبالتالي تطالب مراكز التفكير الغربية والنشريات والدراسات الجادة واشنطن بصياغة سياسة أخرى أكثر فاعلية لا تنتهي بعزل الولايات المتحدة عن توجهات بقية القوى المهمة في العالم.
ومن تلك النشريات «نشرية دول الخليج» الخاصة Gulf States Newsletter) المعنية بالتحليل الاستراتيجي لأوضاع المنطقة ودور الولايات المتحدة فيها، حيث تطالب النشرية أمريكا بأهمية التعامل بشكل جدي مع دول المنطقة بدون ذهنية أنها تمثل «شرطة العالم» وتقول إن الولايات المتحدة ما كانت لتقدر على ترویج مصطلح «الدول المتمردة» في وجود الاتحاد السوفييتي، لكن في ظل العولمة - وهي في الحقيقة عولمة للقيم والتصنيفات الأمريكية حسب النشرية - صار هذا المصطلح شائعًا بدون بديل أو منافس، وصار المصطلح يصيب أي دولة لا تريد أن تنسجم مع سياسة الولايات المتحدة.
والذي حصل أنه بعد انتهاء الحرب الباردة وإعلان الرئيس الأمريكي السابق بوش عن «بداية» نظام عالمي جديد وكذلك إعلان المفكر فرانسيس فوكاياما عن «نهاية» التاريخ تمكن بعض الدول العربية مثل: مصر والأردن من التأقلم إيجابيًا مع السيناريو الأمريكي الجديد. فيما مارست سورية وبشكل أوضح ليبيا والعراق وإيران دور الرفض، ولم تكن الدول الرافضة- حسب النشرية - تمارس سياسة جديدة تختلف عن سياستها الماضية وإنما بدا واضحًا للإدارة الأمريكية الآن وبعد غياب عامل التوازن السوفييتي أن سياسات هذه الدول تهدد مصالحها في المنطقة أكثر من أي وقت مضى.
وبلا شك فإن التهديد العراقي للولايات المتحدة وللمنطقة بأسرها كان الأوضح، بما في ذلك رغبة النظام في الحصول على أسلحة الدمار الشامل، كما أن إيران متهمة أمريكيًا وإسرائيليًا بتصنيع الأسلحة النووية وتشكيل خطر عسكري على القوات الأمريكية في الخليج، بالإضافة لمعارضتها لعملية السلام في الشرق الأوسط وتشكل ليبيا خطرًا رمزيًا على رغبة الولايات المتحدة في الهيمنة وذلك من خلال شعارات القذافي المعادية والتي لا تضر ولا تنفع، ومع أن الولايات المتحدة تسعى في المحصلة لعزل تلك الأنظمة عن بقية المجتمع الدولي إلا أنها تفعل ذلك بدرجات مختلفة فهي تريد إسقاط النظام العراقي، وتحوير السلوك الإيراني، وتجميد القذافي.
وتمارس الولايات المتحدة على الدول «المتمردة» نفس سياسة الاحتواء العسكري التي صاغها السياسي الأمريكي جورج كينان المواجهة الخطر الشيوعي، حيث تحرص أمريكا على تطويق ومحاصرة حدود هذه الدول أولًا كي تردعهم عن شن حملة عسكرية عليها أو على مصالحها في المنطقة وثانيًا لممارسة عقوبات ضدهم متى ما رغبت في تأديبهم، وبدون وجود قوة عظمى منافسة للولايات المتحدة بعد الحرب الباردة فبإمكان واشنطن ممارسة دور «شرطي العالم».
يضاف للاحتواء العسكري فرض حظر اقتصادي ودبلوماسي قوي يهدف لعزل الدول «المتمردة» سياسيًا ويشل قدرتها على شراء معدات وتكنولوجيا أسلحة الدمار الشامل، وتسعى الولايات المتحدة لتنشيط حركتها الدبلوماسية لإقناع بقية الدول المهمة بجدوى سياستها من خلال اللجوء للأمم المتحدة واللجان الثنائية المشتركة مثل اللجنة الروسية - الأمريكية كما تمارس أمريكا ضد هذه الدول المتمردة حربًا نفسية، قائمة على الدعاية لتشويه صورتها أمام الرأي العام سيما الناخب الأمريكي.
ولا تقيس الولايات المتحدة مدى نجاح سياستها من خلال حل المشكلة جذريًا ونهائيًا، وإنما على الأقل التخفيف من حدتها على مراحل بطيئة لكن أكيدة، والسؤال المعياري الذي تسأله الإدارة الأمريكية لنفسها هو ما إذا كانت سیاستها الحالية تجعل الموقف أكثر تعقيدًا؟ فإذا كان الجواب بالنفي، فهو دليل على أن سياستها لا تضر إن لم تكن تنفع من هذا المنطلق يعتقد مجموعة من المحللين السياسيين بمن فيهم المعترض على مبدئية الاحتواء المزدوج أن السياسة الأمريكية نجحت في تحقيق جزء من أهدافها: مثلًا نجح الحصار في ردع وعرقلة كل من إيران والعراق عن الحصول على أسلحة الدمار الشامل، ولم يتمكن أي منهما من التمرد العسكري المباشر على تركيبة الوضع الإقليمي الحالي.
وتسعى الولايات المتحدة أيضًا لترويج سياستها ضد الدول «المتمردة» بين الدول العربية والدول المجاورة، بالرغم من التحفظ لدى بعض الحلفاء العرب من سياسة واشنطن تجاه العراق وفيما تصر روسيا على مساعدة إيران نوويًا. ولو لأغراض سلمية - إلا أن الصين وكوريا الشمالية، وأوكرانيا، واليابان قلصوا من مساعدتهم النووية والتكنولوجية لإيران، أيضًا بالرغم من التحفظ العربي على سياسة واشنطن من ليبيا إلا أن أمريكا لازالت تمسك بزمام «قضية لوكربي».
وهناك تحفظات من جانب العديد من السياسيين الأمريكيين على «ثمن» السياسة الأمريكية في المنطقة، يذكرون منها ضحايا الحصار العراقي الذي يضر بالشعب أكثر مما يضر بالنظام، وتكاليف الوجود الأمريكي في الخليج في وقت تحرص فيه وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» على تقليص ميزانية نفقاتها على وجودها في الخارج، أيضًا يجادل المراقبون على أن الوجود الأمريكي في الخليج بدا عنصرًا غير استقرار إقليمي على المستوى المحلي وهو ما لا تريد أن تراه الإدارة الأمريكية.
السؤال الأهم هو ما إذا كان الاحتواء قادرًا على تغيير سلوك الدول «المتمردة» أكثر من سياسة «التواصل النقدي» الذي تمارسه الدول الأوروبية، فأوروبا ومنها فرنسا ترى أن الاحتواء الأمريكي يقوي حجج المتشددين أمام جهود المصلحين المعتدلين مثل الرئيس خاتمي، أيضًا سياسة العصا بدون جزرة أي العقاب بدون ثواب لا تساعد كثيرًا حكامًا مثل: صدام والقذافي في التعاون مع الغرب أو الثقة بهم.
ويعزو البعض الاختلاف بين السياستين لاختلاف التفاعل الأوروبي مع الشرق الأوسط عن التفاعل الأمريكي، فأمريكا تنظر للشرق الأوسط ضمن مجمل نظرتها الاستراتيجية والأمنية للعالم، وعلى الرغم من أن لديها مصالح تجارية في المنطقة إلا أنها مهتمة أكثر بالمصالح الاستراتيجية، ولذلك تفهم أي صراع في الشرق الأوسط لا على أنه صراع إقليمي بين قوى محلية، وإنما صراع له امتدادات دولية، كما فسرت مناوأة سورية للوجود الأمريكي. الإسرائيلي في لبنان في الثمانينيات على أنه جزء من الحرب الباردة بدلًا من كونه صراعًا قويًا إقليميًا.
زاوية مختلفة:
الأوروبيون ينظرون للمسألة من زاوية مختلفة يأخذون فيها بعين الاعتبار - لتاريخهم الاستعماري- صراع القوى الإقليمي، وأيضًا يتفاعلون مع بؤر التوتر بتحركات منفصلة ومستقلة تأخذ في الاعتبار مصالحها التجارية في المنطقة، لذا فعلى عكس الولايات المتحدة - لا تعتني أوروبا كثيرًا بموضوع الصواريخ الباليستية ومن يملك ماذا أيضًا التحالف الاستراتيجي بين إسرائيل وأمريكا يعلب دورًا في جعل أمريكا تفكر بعين استراتيجية «إسرائيلية»، غير أوروبا التي لها علاقات استعمارية تاريخية مع الدول العربية لا تنسجم تمامًا مع إسرائيل ولا مع رغبة أمريكا في الهيمنة.
* كيف تروج الولايات المتحدة لسياستها؟.. وما الفرق بينها وبين السياسة الأوروبية؟
المطروح هو تغيير نظرة أمريكا لمنطقة الشرق الأوسط، وبخاصة فيما يتعلق باحتواء الدول «المتمردة»، فالاحتواء لم يكن الذي أسقط الاتحاد السوفييتي، وإنما ظروف محلية خاصة بعدم قدرة الدولة على مواكبة التطورات الاقتصادية للقرن الحالي، بالإضافة لبيروقراطية الدولة في الإدارة، ونفس الشيء ممكن أن يقال بالنسبة لإيران، حيث إن مجيء خاتمي للرئاسة ليس له علاقة – كما تزعم الإدارة الأمريكية - بالحصار الأمريكي وإنما برغبة الشباب الإيراني بالتغيير والانفتاح على «الآخر».
وتقترح «نشرية دول الخليج» الشهرية الخاصة أن تفكر الإدارة الأمريكية جديًا بسياسة «التواصل النقدي» مع الدول «المتمردة» سيما إيران، وألا يكون ذلك مدفوعًا بأسباب استثمارية كما تفعل أوروبا، وإنما لتقوية صفوف المعتدلين والليبراليين داخل الجمهورية الإسلامية، ويمكن للولايات المتحدة أن تستثمر جميع المعاهدات والاتفاقيات الدولية المعنية بنزع السلاح وتجريد المنطقة من أسلحة الدمار الشامل من دون الحاجة للعزل والاحتواء، سيما أن دولة مثل إيران قد أقرت بالتزامها بمعاهدة حظر الأسلحة الكيماوية - وهو التزام يجب أن ترحب به واشنطن وتشجع مثيلاته.
ولا يتوجب على الولايات المتحدة أن تنسى مصالحها الاستراتيجية في الخليج إذا ما قررت تغيير سياستها بشكل جذري من الاحتواء للتواصل، فليس هناك من مانع لأن تقوم دول مجلس التعاون بتسليح نفسها المعادلة قوة العراق أو إيران العسكرية، لكن في المقابل من شأن عزل إيران والعراق عن ترتيبات المنطقة الأمنية تعميق عدم الثقة بين القوى الإقليمية وإعطاء الضوء الأخضر السباق تسلح مرير، وتؤكد النشرية على أن العراق وإيران بلدان كبيران ومهمان ولا يمكن تجاهلهما من المعادلة الأمنية.
فالمطلوب هو تعزيز الثقة وتبادل المعلومات والتعاون بين القوى الإقليمية وليس الشك أو الترتيب لاعتداء أو الاعتماد على حليف خارجي كالولايات المتحدة الأمريكية، ولا بد للولايات المتحدة ألا تتجاهل التركيبة الدينية والاجتماعية في المنطقة لأن أي سياسة مهما كانت عقلانية لا تدخل في معادلاتها الرقم الديني والاجتماعي من شأنها أن تخفق ولا تحقق ثمارها المرجوة.
وحسبما النشرة فإن كلًا من العراق وإيران لا يمثلان خطرًا حقيقيًا على الولايات المتحدة، وقد بدأت دول خليجية تطالب برفع الحصار عن العراق، فيما تتخذ دول خليجية أخرى مثل السعودية خطوات تقاربية مع إيران، وهذا في النهاية من شأنه عزل الولايات المتحدة وليس عزل الدول «المتمردة»، ومن هنا فلا بد أن تبدأ الولايات المتحدة ومن الآن في التفكير في صياغات جديدة لسياستها في المنطقة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل