; سياحة القلب المؤمن (العدد 387) | مجلة المجتمع

العنوان سياحة القلب المؤمن (العدد 387)

الكاتب الشيخ عبد التواب هيكل

تاريخ النشر الثلاثاء 21-فبراير-1978

مشاهدات 71

نشر في العدد 387

نشر في الصفحة 21

الثلاثاء 21-فبراير-1978

في رحاب القرآن

الفاتحة

 توحيد وشريعة وسلوك

الحلقة الثالثة

الحمد لله لا رب غيره، ولا معبود بحق سواه والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه.. وبعد:-

فالمرجو من قرائنا الأعزاء أن يربطوا هذه الحلقة بالحلقتين السابقتين في العددين السابقين ليلتئم سابق الكلام بلاحقه وتأخذ كل حلقة بحجزة أختها فيزداد حجم الفائدة ويعظم النفع إن شاء الله. وإليكم حديث الحلقة الثالثة من «الرحمن الرحيم» وبالله التوفيق:-

(رحمة الله وسعت التربيتين: الخلقية والتشريعية)

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ بعد أن قررت السورة الكريمة ربوبية الله تعالى للعالمين في الآية السابقة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أردفتها بوصفه تعالى «الرحمن الرحيم» هذا الوصف الكريم الذي يستغرق كل معاني الرحمة- وحالاتها لتثبت السمة البارزة في تلك الربوبية الرحيمة المحيطة، ولتؤكد أن ربوبيته تعالى للعالمين. (سواء في التربية الكونية العامة، أو التربية التشريعية الخاصة بالإنسان) ليس مصدرها جبروته وقهره (وهو الجبار القهار) وإنما مصدرها عموم رحمته وشمول إحسانه لجميع خلقه بعامة ولبني آدم وبنات حواء بخاصة. وفي جميع تشريعاته وأحكامه فبالرحمة خلق تعالى هذا الوجود، وبالرحمة سخر للإنسان ما في السماوات وما في الأرض ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .وبالرحمة خلق في الإنسان الطاقات العقلية والفكرية والروحية وجعل له السيطرة على كثير من خلقه، وهيأ له الأسباب التي تمكنه من الانتفاع بما في هذا الكون من قوى وطاقات مذخورة، وبما في الأرض وبطنها من خيرات وثروات. ومن تحقيق رسالته في هذه الأرض التي سلمه الله زمامها واعطاه مفاتيحها ليعمرها وينشر في ربوعها الخير والصلاح والرخاء.

وبالرحمة أغدق على الإنسان نعمه ظاهرة وباطنة ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ وبالرحمة أنزل سبحانه التشريعات السماوية لعباده في الأرض ليهديهم إلى صراطه المستقيم الذي يكفل لمن سلكه منهم سعادتي الدنيا والأخرة.. وبالرحمة بعث الله محمدًا خاتمًا للرسالات السماوية، ومتممًا لمكارم الأخلاق، ورحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ 

أيها القارئ الكريم: إذا استقر هذا المعنى في نفسك. وعرفت أن الله تعالى رحيم بعباده في الخلق وفي التشريع وفي ما غمرهم به من نعم لا تحصى ولا تعد، وأنه سبحانه يتحبب إلى عباده برحمته وإحسانه وانعمه.

إذا استقر كل هذا في نفسك أفلا يدفعك الحياء من هذا الرب الرحيم، والخالق العظيم (وهو يدعوك إليه) إلى أن تقبل عليه بنفس مطمئنة وقلب مفعم بالحب لجماله والهيبة من جلاله فيكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما؟.. أنه خالقنا وخالق كل شيء، ورازقنا ورازق كل شيء وربنا ورب كل شيء، ومصرف شئوننا ومدبر أمورنا، لا رب لنا غيره، ولا مالك لنا سواه، وهو الغني عنا ونحن في حاجة إليه وهو المطلوب المحبوب ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ*ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ*فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ أنه لا يطارد عباده مطاردة الخصم والأعداء كإلهة الأولمب في نزواتها وثوراتها كما تصورها أساطير الإغريق، ولا يدبر لهم المكائد الانتقامية كما تزعم الأساطير المزورة في العهد القديم 

ومظاهر التربية التشريعية الخاصة بالإنسان إلى جانب مظاهر النعم الإلهية الشاملة وجدنا رحمة الله بعباده تتجلى في كل شيء بصورة يعجز العقل البشري عن الإحاطة بها. وذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ومن أراد أن يرى مدى رحمته سبحانه بعباده في التربية الإسلامية (عقيدة وتشريعًا) فليراجع ركام الجاهلية من العقائد والتشريعات والتصورات والأساطير وبخاصة الحقيقة الإلهية وعلاقتها بالعالم، فأنه بعد هذه المراجعة سيعرف إلى أي (أنظر أسطورة برج بابل في الاصحاح الحادي عشر من سفر التكوين) وإنما ربوبيته لخلقه قائمة على الرحمة والرعاية التي تستجيش في القلب المؤمن الحمد والثناء بالجميل لواهب الجميل ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ﴾ ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ فيما عجبًا لموقف العبد من هذا الرب الرحيم الودود:- يخلق ويعبد غيره ويرزق ويشكر سواه، خيره إلى العباد نازل، وشرهم إليه صاعد يتحبب إليهم بنعمه وهو الغني عنهم. ويتبغضون إليه بالمعاصي وهم المحتاجون إليه.

أخي القارئ: املأ قلبك بحب هذا الإله الرحيم الكريم فلا تفرح إلا بما يحبه هو ويرضاه ولا تكره إلا ما يكرهه هو ويبغضه ولا توالي إلا من والاه، ولا تعاد إلا من عاداه، لا تحب إلا لله ولا تبغض إلا لله ولا تعط إلا لله، ولا تمنع إلا لله ولا يكن في قلبك سوى الله ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وقال صلى الله عليه وسلم: - «لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما».. وهذا: ونحن إذا تتبعنا مظاهر التربية التكوينية العامة مدى بلغت رحمة الله تعالى بعباده فيما شرع لهم في الإسلام من عقيدة صافية مستقيمة، وشريعة حكيمة رحيمة تتسم بالجمال والبساطة وتمتاز بالوضوح والتناسق، وتتجاوب بعمق مع الفطرة الإنسانية التي فطر الله النفوس عليها. وتتلاءم مع كل البيئات والأجناس على مدى العصور والقرون إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وصدق الله إذ يقول: - ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (سورة الفرقان: 6). وهكذا تتجلى لنا رحمة الله وحكمته في كل مظهر من مظاهر ربوبيته تكوينية كانت أو تشريعية.. 

«ما أجدر المؤمن بأن يتخلق بخلق الرحمن الرحيم»

إذا كان هذا، هو شأن ربك «أيها المؤمن» مع عباده وخلقه فما أجدرك بأن تتخلق بخلق الرحمن الرحيم فيمن استرعاك الله بأمرهم (حاكمًا كنت أو قائدًا، أبا كنت أو معلمًا، أو زوجة في بيت زوجها).

فعليك أن تقوم بولايتك على من وليت أمرهم وبتربيتك إياهم على أساس الرحمة والإحسان لأنك مسئول عنهم أمام المربي الأعظم جل في علاه «وكلكم راع ومسئول عن رعيته» فليحسن كل راع إلى رعيته وكل مخدوم إلى خادمه فلا يضربه ولا يؤذيه ولا يحتقره، وليطعمه مما يطعم ويلبسه مما يلبس. ولا يكلفه من الأمر ما لا يطيق فأن فعل فليعنه. ويعطف عليه ويرحمه حتى يكون أهلًا لرحمة الديان (فأن الرحمة لا تنزع إلا من قلب شقي)..

والراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء (أن رحمة الله تريب من المحسنين) وبعد: فإلى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله لنحدثكم في الآية التالية (مالك يوم الدين) والله الموفق والمعين...

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الرابط المختصر :