; سويسرا واحة المدمنين في أوروبا!! | مجلة المجتمع

العنوان سويسرا واحة المدمنين في أوروبا!!

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 05-نوفمبر-1996

مشاهدات 82

نشر في العدد1224

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 05-نوفمبر-1996

حينما سألت أحد المسلمين المقيمين في العاصمة السويسرية «برن» أن يدلني على الطريق المؤدي إلى مبنى البرلمان قال لي وهو يضحك: أي نوع من المخدرات تريد؟، غرقت في الضحك معه قبل أن يصحبني إلى ساحة البرلمان التي لا تعتبر ملتقى السياسيين والبرلمانيين بقدر ما أصبحت ملتقى المدمنين وتجار المخدرات، وقد أبلغني مرافقي أن الصورة قبل عام أو أكثر كانت رهيبة، حيث كانت الساحة تغص بمئات المدمنين ومروجي المخدرات.

ورغم أن الحكومة السويسرية قد قامت خلال الفترة الماضية بحملات لإبعاد المدمنين وتجار المخدرات من ساحة البرلمان الرئيسية حيث كانوا يشكلون صورة مزرية لدولة تتصدر قوائم الدول الأكثر رفاهية في العالم، إلا أن الساحة مازالت ملتقى رئيسيًا للمدمنين والعاهرات، وقبل أيام -وتحديدًا في العشرين من أكتوبر الماضي- طالبت لجنة رسمية سويسرية باتخاذ إجراءات عملية حول القصر الذي يضم البرلمان والحكومة في العاصمة برن، وذلك لإبعاد العاهرات ومتعاطي المخدرات عن المقر الرئيسي للسُلطة في البلاد.

وأقترحت مجموعة عمل مؤلفة من ممثلين من العاصمة والإدارة الفيدرالية السويسرية إغلاق حدود القصر الفيدرالي الضخم في وسط العاصمة برن، حيث تقع مقار الوزارات والنواب بعدما أصبحت طرقات المبنى وساحاته مرتعًا خصبًا لمتعاطي المخدرات، وقد مشيت ما يقرب من ساعة مع مرافقي في ساحة البرلمان الخلفية وأروقته دون أن نجد شرطيًا يسألنا إلى أين أنتم ذاهبون؟ 

وعرضت هذه اللجنة أن تحوِّل السطوح التي تحيط بالمبنى والتي تطل على أحد الأنهار إلى حدائق، والتضييق على متعاطي المخدرات حتى لا يصلوا إليها حفاظًا على «كرامة البرلمان»!!.

زيورخ ورعاية المدمنين

وإذا كان هذا وضع العاصمة السياسية لسويسرا فقد وجدتُ وضع العاصمة الإقتصادية زيورخ وضعًا يصعب وصفه، وسمعت ممن يعيشون في المدينة قصصًا ربما تكون لمن يسمعها أغرب من الخيال، فبينما تطارد كل أو معظم دول العالم مدمني المخدرات ومروجيها قامت زيورخ بتجربة عالمية فريدة من نوعها هي رعاية مدمني المخدرات، وقد مر هذا الأمر خلال السنوات العشر الماضية بمراحل مختلفة حيث كانت البداية في عام ۱۹۸٧ حينما حددت سُلطات زيورخ مكانًا معينًا يسمى «ليتن» على ضفاف نهر ليمات تحت جسر كورنها وزبروك كساحة رسمية يلتقي فيها مروّجو ومدمنو المخدرات تحت رعاية الشرطة وحراستها، وكانت فلسفة السُلطات في ذلك الوقت في حصر أعداد المدمنين، وإقامة عالم خاص بهم يفصلهم عن غير المدمنين، وسرعان ما تحولت الساحة إلى مسرح مكشوف يرتاده السياح من كل مكان حيث كان المئات يتوافدون على مدار الوقت من كل مكان، ويقفون على جسر كورنها وزبروك لمشاهدة صورة حية لا تتوفر في أي مكان في العالم لمروجي ومدمني المخدرات الذين كانت تتراوح أعمارهم بين ١٦ و 30 عامًا -أي زهرة الشباب ونضارته- وهم يتعاطون المخدرات بحرية تامة ويعيشون في عالمهم القذر الخاص بهم، فقد كانت الأرض التي يعيش عليها هؤلاء حياتهم الكاملة عبارة عن مزبلة تضم عشرات الآلاف من الإبر والأكياس الفارغة والعوائل الطبية، حيث كانوا يمارسون الجنس مثل الحيوانات في هذه الساحة المكشوفة، أو تحت الجسر وسرعان ما تحوّلت هذه الساحة إلى بؤرة ليس المروجي ومدمني المخدرات في سويسرا وحدها، وإنما في أوروبا عمومًا وخاصة لمدمني ألمانيا والنمسا القريبتين من زيورخ، ووصل عدد المدمنين الذين يلتقون بصورة شبه كاملة في تلك الساحة إلى ما يزيد على ألفي مدمن يوميًا وعشرين ألف مدمن بشكل عام، ومما يبعث على السخرية هو قيام بلدية زيورخ -مساهمة منها في تيسير الإدمان لهؤلاء الذين أنتشرت بينهم الأمراض الفتاكة وعلى رأسها الإيدز- بتوفير ١٢ ألف حقنة معقمة يوميًا يتم توزيعها على المدمنين.

وكما في أي مكان في العالم كانت «ليتن» شبه محمية لها قوانينها الخاصة، فكان الأقوياء يسيطرون على الكمية الكبرى من هذه الحقن المعقمة ثم يقومون بعد ذلك بتوزيعها على المدمنين بأسلوب لا يخلو من الابتزاز على غرار ما يحدث في توزيع المخدرات، وكانت عصابات الترويج التي تدير المكان هي التي تضع القوانين وتنظم العلاقات داخل محمية المدمنين دون أي تدخل من البوليس الذي كان يكتفي بالحراسة الخارجية للمكان وبعض المحاولات لإبعاد السياح الذين يتجمهرون فوق الجسر طوال الوقت لمشاهدة ما أطلق عليه «المسرح المكشوف» حتى يتم توفير الأجواء المريحة لرواد محمية «ليتن» من المدمنين وعدم إزعاجهم بهؤلاء الذين ينظرون إليهم وكانهم يقومون بشيء غريب!!. 

وحينما ضاق المكان لجأ المروّجون والمدمنون في عام ۱۹۸۹ إلى حديقة المتحف القومي القريبة من محطة القطار المركزية، لكن قرب الحديقة من وسط المدينة والحي التجاري والفنادق الكبرى جعل الإعتراضات كثيرة على تواجد المدمنين فيها، مما جعل منطقة «ليتن» في الملاذ الطبيعي للمدمنين والمروّجين، وظل الأمر على ما هو عليه حتى أغسطس ١٩٩٤ حينما نشب صراع بين مروجي المخدرات الذين كانوا يتصارعون على الزبائن، وكان الصراع هذه المرة مسلحًا في مواجهة أشبه ما تكون بالمواجهات التي تتم بين عصابات المافيا أنت في النهاية إلى مقتل أربعة من المروجين للأسف كلهم كانوا من العرب «ثلاثة من اللبنانيين وجزائري واحد»، وكان سبب المشكلة هو إتهام المروجين اللبنانيين لزملائهم الجزائريين بأنهم قد ضربوا أسعار الهيروين وتسببوا في انخفاضها، فبعد أن وصل سعر جرام الهيروين إلى 400 فرنك فرنسي وهو ما يزيد قليلًا على ثلاثمائة دولار أخذ المروجون يتصارعون على الزبائن ويضاربون على الأسعار فيما بينهم، فنشبت المعركة بالأسلحة النارية بين العصابات نتج عنها هذا العدد من القتلى. 

وقد وجد البوليس السويسري نفسه مضطرًا بعد نهاية المعركة للتدخل، فالأمر قد خرج عن نطاق الترويج والإدمان إلى نطاق القتل والصراع المسلح الذي تحرص سويسرا على عدم إمتداده إلى أراضيها، وتم إلقاء القبض على كثير من التجار والمروّجين الصغار الذين اعترف بعضهم بأنه كان يجني أرباحًا شهرية تزيد على ثلاثين ألف دولار، ولنا أن نتخيل حجم ما يجنيه الكبار، كما اتخذت السُلطات قرارات بإغلاق «محمية ليتن» وتم تفريق المدمنين الذين لجأوا بعد ذلك إلى مناطق أخرى عديدة في زيورخ من أهمها المقابر أو حي لا بخس تراس أو «لونج تراس» أي الشارع الطويل، حيث ينتشر البغاء والرذيلة والإدمان، ويتواجد بعض أفراد الشرطة السرية.. ليس لملاحقة المدمنين وإنما للتأكيد من عدم إنضمام مدمنين جدد إليهم. ورغم ذلك تشير آخر الإحصاءات إلى أن عدد المدمنين في سويسرا على المخدرات يتراوح بين ثلاثين إلى أربعين ألفًا يخضع آلاف منهم للرعاية، حيث لجأت الحكومة في الخطوة التالية إلى إنشاء مراكز رعاية للمدمنين.

مراكز رعاية المدمنين

بدأت الخطوة الأولى في هذا الجانب في عام ۱۹۹۲م، حيث أنشأت الحكومة السويسرية في زیورخ ستة مراكز لرعاية المدمنين تقدم لهم القهوة والحساء والجرعات المخدرة مجانًا ثلاث مرات في اليوم، حتى أني حينما ذهبت إلى مدينة بازل السويسرية دلني مرافقي هناك على المركز الحكومي الذي يرتاده المدمنون ثلاث مرات في اليوم للحصول على جرعات مخففة من المخدرات، من المفترض أنها تساهم في علاجهم، وكانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد الظهر بقليل حيث كان موعد الجرعة الثانية قد انتهى وأغلق المركز أبوابه حتى يحين موعد جرعة المساء، وقد وجدت هناك بعض الشباب المدمنين يجلسون في انتظار أن يفتح المركز أبوابه في الخامسة، ولما استغربت لوجودهم قبل مدة طويلة من الموعد قال لي مرافقي: من المؤكد أن الجرعة الثانية قد فاتهم موعدها، ولأن المدمن يصبح عبدًا لجرعة المخدر التي يتناولها فإنه لا يفكر في شيء في الدنيا إلا في الإبرة وهي تغرز في ذراعه لتنقله إلى أوهام الجنة الحالمة والواحة الكاذبة حتى يحين موعد الجرعة التالية، ويبلغ وضع بعض هؤلاء المدمنين أن تصبح أذرعهم خالية من أي موضع يمكن أن توضع فيه الإبرة من كثرة الجروح وأماكن غرس الإبر، أما وجوههم وعيونهم فهي عيون ووجوه الأشباح وأهل المقابر التي أصبحت مرتعًا رئيسيًا لهم. 

وتعتبر نسبة عالية من الذين يترددون على مراكز خدمة المدمنين هم من الذين عجزوا عن توفير الأموال للحصول على جرعات المخدر من مصادرها الأصلية، وتضطر نسبة عالية -إن لم يكن كل الفتيات المدمنات- لاحتراف البغاء حتى يستطعن توفير الحد الأدنى للجرعات التي يتناولتها من الهيروين على وجه الخصوص، وخلال هذه الأيام تدرس الحكومة بجد بناء على طلبات من منظمات ومؤسسات الرعاية الإجتماعية في سويسرا أن يعامل المدمن معاملة المريض بحيث تتحمل الحكومة مسؤولية توفير جرعات عالية الثمن مثل الهروين والكوكايين للمدمنين، باعتباره دواء لهم بل إن بعض التقارير تشير إلى تحمل الحكومة بالفعل مسؤولية توفير جرعات الهيروين والكوكايين للمدمنين الميؤوس من شفائهم في المصحات، وهذا ما يفسر بأن ١٠٪ من مدمني المخدرات في سويسرا يلقون حتفهم كل عام.

ورغم الانتقادات التي توجه إلى السُلطات من هنا وهناك على أسلوب تعاملها مع مشكلة المدمنين والمخدرات حتى أصبحت المخدرات التقليدية مثل الحشيش والماريجوانا تباع في بعض المحلات، إلا أن كل الحلول المطروحة تنقل المشكلة من سيء إلى أسوأ، وقد دفع هذا الوضع كثيرًا من مدن سويسرا مثل زيورخ والعاصمة برن أن تتبنى فنادقها المتوسطة والرخيصة مشروع سياحة المخدرات، فأصبح المدمنون يفدون على هذه المدن من كل أنحاء أوروبا ليدخنوا الحشيش في الحدائق وفي الهواء الطلق، بل وفي ساحة البرلمان تحت حماية رجال الشرطة ورعايتهم.

حتى القانون لا يعاقب لصوص المخدرات

وفي وسط هذا الجو البائس الذي تعيشه سويسرا التي تعتبر واحدة من أجمل الدول في العالم من حيث طبيعتها الخلابة ونعم الله الوافرة لأهلها، في وسط هذه الأجواء المذرية لا يخلو الأمر من طرفة، حيث أصدرت محكمة «لوزان» الفيدرالية حُكمًا في الخامس عشر من يوليو الماضي أعتبر سرقة المخدرات في سويسرا جريمة لا يعاقب عليها القانون، وقد جاء هذا الحكم جوابًا على طعن قدمه أحد مهربي المخدرات كان قد سرق من مهرب آخر حقيبة تحتوي على 4.8 كيلو جرام من الكوكايين والحشيش في القطار الذي يصل بين أمستردام وزيورخ.

وكان المهرب الذي تقدم بالطعن قد حكمت عليه محكمة مقاطعة سانت جال السويسرية بالسجن لمدة ثلاث سنوات لإدانته بالسرقة ومخالفة القوانين الخاصة بالمخدرات، لكن محكمة «لوزان» حكمت بقبول استئنافه وعدم إدانته بالسرقة، حيث رأى قُضاة الاستئناف أن استيلاء المهرب -مقدم الطعن- على المخدرات ليس من الجرائم التي يعاقب عليها القانون، معتبرين أن استيلاء المهرب على المخدرات من زميله ليس سرقة، لأن جريمة السرقة حسب قانون العقوبات السويسري لا تنسب إلا إلى الممتلكات التي يحميها القانون، والمخدرات ليست من بينها، ومع طرفة الحكم والاستدلال، فلم يجد المهرب منفذًا من الهروب من تهمة حيازة المخدرات والاتجار بها، وحينما ذهبتُ إلى مدينة لوزان التي تعتبر العاصمة الثقافية لسويسرا والتي أصدرت محكمتها الفيدرالية هذا الحكم أخذني مرافقي إلى أحد الميادين الصغيرة في وسط المدينة حيث يلتقي مدمنو المخدرات من الشباب فوجدت كثيرًا منهم يجلسون في وضع مزر، وتكفي رؤية أي تجمع ولو صغير لمجموعة من مدمني المخدرات، لأن تصيب الإنسان لفترة طويلة بالقرف والغثيان والإشفاق على هؤلاء الذين يقتلون الإنسانية ويئدون الحياة.

ثمار الحضارة المزيفة

إن هذه الصورة التي أنقلها بلا رتوش تمثل جانبًا من الانهيار الداخلي لما يسمى بالحضارة الغربية، ولمجتمع مَنّ الله على أهله بنعم كثيرة لكنهم حرموا أنفسهم من أعظم النعم وهي نعمة الإيمان بالله والركون إليه، فالإنسان حينما يعتقد أن المال والتكنولوجيا والمادة هي العوامل الرئيسية للتقدم والرفاهية يكون دون شك قد سار في طريق الخراب والدمار، وهذه الصورة التي نقلتها في صورة من داخل سويسرا التي تعتبر ثاني أعلى دولة في العالم من حيث الدخل المادي لسكانها، وذلك حسب أحدث تقرير نشر عن التنمية البشرية في العالم لعام ١٩٩٦، لكن هذه الدولة ينطفىء بريق شبابها، وينهار جانب أساسي من البنية الاجتماعية والنفسية في داخلها بفعل المخدرات، فالتقدم التكنولوجي والدخل المالي المرتفع والرفاهية و التقدم ليست هي الطريق الوحيد لإسعاد الإنسان وتحقيقه لآدميته ورسالته، ولعل عملية الانتحار الجماعي لطائفة «معبد الشمس» التي هزت المجتمع السويسري حينما وقعت في أكتوبر عام ١٩٩٤م -حيث أقدم أربعون رجلًا وامرأة على الانتحار الجماعي بشكل غامض ووفق طقوس غريبة- قد أصابت المجتمع الغربي كله بهزة عنيفة و كشفت حجم الزيف الذي تغطيه قشرة الموارد المالية العالية والتقدم التكنولوجي، تلك القشرة التي تخفي وراءها إنسانية معذبة ضائعة تترقب من ينقذها و ينتشلها من هذا الضياع.

الرابط المختصر :