العنوان مشکلات معاصرة على ضوء الإسلام منطق العقوبة الردع والمنع
الكاتب الدكتور محمد رواس قلعجي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1978
مشاهدات 95
نشر في العدد 423
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 12-ديسمبر-1978
عجيب ما نقرؤه اليوم وما نسمعه حول تطبيق العقوبات الإسلامية من جلد شارب الخمر والزاني غير المحصن، وقطع يد السارق و... إذ علت أصوات؟...!... لتقول «لا» لهذه العقوبات مدعية أنها لا تتناسب مع العصر الحديث، وإنها أبعد ما تكون عن منطقة، وإنها مجانبة للإنسانية، وأن مطبق هذه العقوبات اليوم يتسم بالهمجية والتأخر والرجعية، وإنها... وإنها...
وكل هذه دعاوى خطابية، وعبارات إنشائية مستوردة، لا تمت إلى المنطق القانوني بصِلة، إذ إن المنطق القانوني لا يعتمد على العواطف- ومنها الحب والبغض- التي يكون لها من الدوافع المشبوهة أحيانًا، والموهومة أحيانًا أخرى، ما يجعلها أشد ما تكون أوارًا، بل يعتمد كل الاعتماد على المنطق العلمي، والدراسة الموضوعية، والنتائج البناءة المجدية، فيما يقرر من مبادئ قانونية.
واقع لا مفر منه
ومهما أطلق مدعو التقدمية من دعاوى، ومهما ظهروا بغير الثوب الحقيقي الذي لهم، وبغير الوجه الحقيقي الذي يحملونه، فإن الواقع يدحض ادعاءاتهم.. ويزيف أقوالهم. إنهم وإن قالوا ألف ألف «لا» للجلد، فإن الجلد موجود في كل ركن من أركان الحياة، بل في كل زاوية من زوايا بيوتهم هم بالذات، ألا ترى أنهم يجلدون- يضربون- أبناءهم لأنهم منعوهم من اللعب في مكان معين، فأتى الأطفال بما منعوا عنه، ويجلدونهم لكسرهم أصيص الورد، ويجلدونهم للضوضاء التي أحدثوها في البيت أثناء قيلولة الوالد- مع أن اللعب وإحداث الضوضاء من طبيعة الطفل.
وإذا ما ذهب الطفل إلى المدرسة جلده ناظر المدرسة لتأخره دقائق عن الحضور إلى المدرسة، وجلده المدرس لإهماله كتابة أحد واجباته، أو حفظ بعض دروسه. فإذا ما شب وكبر، وحاول أن يعبر عن رأيه بما لا يتفق وهوى الدولة جلده عناصر مخابرات أمن الدولة لكلمة تفوه بها وربما كان لا يحسب لها حسابًا.
يجلد... ويجلد... ويجلد وهو مع ذلك حسن السيرة سليم القلب، نظيف السريرة، مستقيم السلوك، لا يبغي فيما قال أو عمل إضرارًا ولا تخريبًا.
هذا واقع تعيشه جل الأقطار العربية والإسلامية، بل جل أقطار العالم، وخاصة من ترفع شعار التقدمية منها، وتقرع بطبولها.
العقوبة المجدية
يقول الفقهاء المسلمون، ويؤيدهم في نظريتهم هذه جل علماء القانون الوضعي، إن العقوبة يجب أن تكون «رادعة مانعة» تمنع المجرم من العودة إلى الجريمة، وتردع غيره من الإقدام عليها، فإذا فقدت العقوبة هذه الصفة «الردع والمنع» انقلبت إلى تحقيق عكس ما يراد منها، وأصبحت من الأمور التي تشجع على الجريمة.
والمرء الذي يعيش في الواقع المعين الذي لا يستطيع منه فرارًا، والذي وصفناه سابقًا بأنه يعاني فيه من الجلد لأتفه الأسباب، حتى اعتاده- أي اعتاد الجلد- لا يجوز أن يعاقب عندما يقترف جريمة كبرى كالسُكر الذي يمكن أن يؤدي به إلى
ارتكاب أبشع الجرائم وأفظعها، وكانتهاك حرمة الأعراض التي يمرغ كرامة عائلة بكاملها، وقد ينشأ طفل لا يجد لنفسه نسبًا ينتسب إليه.. ونحو ذلك، لا يجوز أن يعاقب بالعقوبة هي أخف من الجلد الذي أصبح سماعه به ورؤيته إياه، وممارسته له جزءًا من الحياة اليومية، لأن العقوبة حينذاك لن تكون مرهبة له، والتالي لن تكون «رادعة ولا مانعة» بل ستصبح هذه العقوبة مشجعًا له على الجريمة. فحدثني بربك أية حرفة أكثر ربحًا من أن يسطو مجرم على خزانة متمول فيخرج منها بمئات آلاف الدنانير يهربها إلى مكان أمين ثم يمكث في السجن عامًا أو عامين..
إنه لو عمل بأية حرفة هذه المدة التي يمكثها في السجن فلن يحصل قدر ذلك
المال الذي سطا عليه، أما عندما يعلم أن هذا السطو سيكلفه يده التي ستبقى ما حيي علمًا على إجرامه فيحترس منه الناس، فإنه سيفكر ألف مرة قبل الإقدام على السرقة.
إذن يجب أن تكون العقوبة من النوع الذي إذا سمع به المرء رهبه، واقشعر لسماعه بدنه، ونفر منه، لأن هذه العقوبة هي العقوبة المجدية، ولأنها هي التي ستكون رادعة للمرء عن الإقدام على الجريمة.
أما إذا كانت على غير هذه الصفة فلن تكون رادعة، وإذا كانت كذلك فلن تكون صالحة لأن تكون عقوبة.
عنوان جدواها:
وإذا كان البعض قد صعق عندما سمع أن الدولة الفلانية عازمة على تطبيق العقوبات الإسلامية، فرفع عقيرته بالاحتجاج صائحًا على صفحات الجرائد حتى آخر نقطة حبر في قلمه... لا... لا... لا.. فإن هذا هو عنوان جدوى هذه العقوبات.
أرأيت كيف رهبها الناس قبل تطبيقها؟ فكيف بهم إذا طبقت؟؟
مقررات دولية
إذا كانت غاية الدولة نشر الأمن والاستقرار في البلاد، واستئصال الجريمة، فلن تجد أجدى لذلك من نظام العقوبات في الإسلام، وإننا لا نقول ذلك عصبية، ولكننا نقوله قولًا واعيًا ناتجًا عن دراسة وتمحيص، وهو قول أقرته المؤتمرات الدولية، وأصدرت توصيات بشأنه، فقد قرر مؤتمر مكافحة الجريمة المنعقد على المدرج الكبير في جامعة دمشق عام 1972 أن التشريع الإسلامي هو أجدى تشريع في مكافحة الجريمة، وأن المؤتمر يهيب بالدول أن تقترب في تشريعاتها من التشريع الإسلامي لمكافحة الجريمة.
اتهام:
بعد هذا الذي قررناه، وقررته المؤتمرات الدولية بشأن صلاحية العقوبات الإسلامية وجدواها، فإن النظرة إلى أولئك الذين يحتجون على تطبيق العقوبات الإسلامية أنهم لا يخرجون عن واحد مما يلي:
أولًا: إما أنهم جهال لم يدرسوا الإسلام، ولم يعرفوا نظريته في العقوبة هدفًا ولا تطبيقًا، ونصيحتنا لهؤلاء: أن يتعلموا قبل أن يتكلموا.
ثانيًا: أو إنهم متآمرون على الإسلام، أو مدفوعون من المتآمرين عليه عملاء لهم، ويرون في النظام الإسلامي خطرًا على الأنظمة الوضعية التي تحمي وجودهم.ونصيحتنا لهؤلاء أن يتقوا الله، ويخشوا يومًا ﴿تَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (سورة الحج: 2)، لا يغني فيه متبوع من تابع، ولا هو بمغن عن متبوعة شيئًا، وكل إنسان مأخوذ بما قدم.
ثالثًا: أو أنهم مغفلون، استطاع أولئك المتآمرون على الإسلام التغرير بهم، فباعوا أقلامهم للشيطان، وزجوا بها في حماة المعركة بين الإسلام وأعدائه.
رابعًا: أو إنهم أرادوا حماية أنفسهم مسبقًا لأنهم قدروا أنهم لا بد وأن تنالهم أحكام هذا القانون، فأرادوا التخفيف عن أنفسهم ما أمكنهم التخفيف.
وإني لا أزال أذكر قول أستاذ قانون العقوبات في الجامعة عندما كان يشرح لنا مبدأ التخفيف في العقوبات السياسية حيث قال:
«إن واضع هذا القانون خفف العقوبة على الجرائم السياسية لأنه علم أنه سيحاكم بنفس هذا القانون في يوم من الأيام، فأراد التخفيف على نفسه».
فلا ترضى يا من تحمل اسم «مسلم» أن تكون واحدًا من هؤلاء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل