العنوان سورة البقرة (٣) الإنذار.. وتأثيره في الكفار
الكاتب د. عمر سليمان الأشقر
تاريخ النشر السبت 31-يوليو-2010
مشاهدات 55
نشر في العدد 1913
نشر في الصفحة 52
السبت 31-يوليو-2010
- أخبرنا الحق تبارك وتعالى أن إنذار القرآن وتخويفه لا يؤثر في الكفار ولذلك أيأس الله رسوله صلى الله عليه وسلم من هدايتهم إلى الحق.
- الختم والغشاوة حقيقيان فالله أضافهما إلى نفسه ولا يليق بالعاقل أن ينفي ما أثبته الله لنفسه.
- جاء الله سبحانه باسم الإشارة للبعيد في قوله « ذلك الكتاب» ليدل على أن القرآن الكريم غاية في الكمال والرفعة.
- القرآن الكريم حاز الدرجة العليا في هداية الناس لأن الكتب السماوية السابقة حرفت أو فقدت فأصبح القرآن كتاب الهداية الوحيد الباقي الصافي والخالص.
أخبرنا الحق تبارك وتعالى أن إنذار القرآن وتخويفه لا يؤثر في هؤلاء كما يؤثر في أهل الإيمان ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ﴾ (فصلت: ٤٤)، ولذلك أيأس الله رسوله صلى الله عليه وسلم من هدايتهم إلى الحق: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: 6)، والمعنى أن إنذارك لهم، وعدم إنذارك سواء، ولذلك فإنهم لا يؤمنون.
السبب في حكم الله على هؤلاء بالكفر الملازم الدائم
بين الله السبب الذي من أجله حكم على هؤلاء بالكفر الملازم الدائم، فقال: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 7)، والختم على القلوب والأسماع، والغشاوة على الأبصار وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ (الجاثية: 23)، والغشاوة هي الغطاء على العيون، وقد يُطلق عليها القرآن اسم الطبع الذي هو بمعنى الختم أيضًا، كما في قوله: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۖ ﴾ (النحل: 108).
وقد تعارف الناس منذ القدم على الطبع بالخاتم ذي النقوش على المواضع التي يريدون الاستيثاق على ما فيها، حتى يتأكدوا أنه لم يخرج منها شيء، ولم يدخل فيها شيء، ومن أمثلة ذلك المخازن التي تحفظ فيها الأموال فإنه توضع عليها الأختام بعد قفلها، وكذلك الظروف التي توضع فيها الرسائل، تختم حتى يتأكد المرسل إليه أنها لم تفتح، ولم يتلاعب أحد بمحتوياتها.
وقد أخبر الحق تبارك وتعالى أنه ختم على قلوب هؤلاء الكفار، فهم لا يفقهون، كما ختم على أسماعهم فهم لا يسمعون الحق، وجعل على أبصارهم غطاء فهم لا يبصرون.
الختم والغشاوة حقيقيان
والختم والغشاوة المذكوران في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 7)، حقيقيان، فالله أضافهما إلى نفسه، والله على كل شيء قدير، ولا يليق بالعاقل أن يثبت الله لنفسه شيئًا، ثم ينفيه عنه، ولكننا لا ندري كيفية هذا الختم ولا حقيقته، وإن كنا ندرك معنى ذلك، ونتبين آثاره وقد أخبرنا ربنا -عز وجل- أن القلوب تعمى ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: 46). فالختم على القلوب يصيبها بالعمى، والختم على الأسماع يمنعها من الاستجابة لداعى الهدى والغشاوة على الأبصار غطاء على العيون يمنعها من إبصار الهدى.
الحكم على هذا الفريق وهم الكفار
أخبرنا العزيز العليم سبحانه أن هذا الفريق لهم عذاب أليم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 7)، فقد يوقع الله بهم عذابه في الدنيا، وقد يسلط عليهم أولياءه فيذلونهم، ويشمل العذاب الأليم في القبر، والأهوال التي تصيبهم في القيامة، ثم السوق إلى النار وغضب الجبار.
ما تهدي إليه آيات هذا النص من علم وعمل
إذا تدبرنا آيات هذا النص نجدها تهدينا إلى ما يأتي من علم وعمل:
- أشار العلي الحكيم بقوله: ﴿الم﴾ (البقرة: 1)، إلى أن كلمات القرآن مكونة من الحروف العربية، وآياته مكونة من كلمات العرب، ومع أن العرب كلهم ينطقون بها، إلا أن الله عندما تكلم بها جاء بكتاب لا يستطيع الإنس والجن على الإتيان بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.
- جاء الله سبحانه باسم الإشارة الموضوع في لغة العرب للبعيد، ليدل على أن القرآن الكريم غاية في الكمال والرفعة، كأنه الرفعته كالكتاب الذي لا كتاب غيره.
- قرر الحق أن هذا القرآن ﴿رَيْبَ ۛ فِيهِ﴾ (البقرة : ٢) أي لا شك فيه، أما الريب الذي أورده الكفرة والمنافقون فهو في نفوسهم، لا في القرآن الكريم.
- المرتابون في القرآن لا يجدون برد اليقين، ولا يقرّ لهم قرار، ولا يهدأ لهم بال وقد ذمهم الله بقوله: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ (التوبة: 45)، وفي يوم القيامة، يوبخون ويأنبون، ويفزعون، حيث يقال لهم: ﴿وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ﴾ (الحديد: 14).
- القرآن الكريم كالتوراة والإنجيل وكل ما نزل من عند الله ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 2)، وقال تعالى في التوارة: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (المائدة:٤٤)، وقال في الإنجيل: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ (المائدة: ٤٦)، ومع أن الكتب السماوية كتب هداية جميعها، فإن القرآن حاز الدرجة العليا في هذا الباب، وقد حرفت الكتب السماوية السابقة أو فقدت، فأصبح القرآن كتاب الهداية الوحيد الباقي الصافي والخالص.
- حدد هذا النص والنص التالي له مواقف الناس تجاه القرآن الكريم، وهم ثلاثة أصناف الأتقياء المؤمنون الذين قبلوا به وأخذوه وعملوا به، والكفرة المجرمون الذين رفضوه ونبذوه والمنافقون الذين أظهروا الإيمان به، وأبطنوا الكفر به.
- أشار الحق تبارك تعالى إلى الصنف الثاني من أصناف البشر في موقفهم من القرآن بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: 6)، وهؤلاء هم الكفرة بكتاب الله، ومهما بذل في سبيل إنذارهم لا يؤمنون كفرعون وهامان، وقارون، وأبي جهل وأبي لهب، ولكننا لا نعلم من أعيانهم إلا ما أخبرنا الله به عنهم ولذلك فإن الواجب علينا أن ندعو الكافرين إلى الإسلام، فمن كتب الله له الهداية آمن ومن كتب عليه الكفر فإنه لا يؤمن أبدًا.
- على الدعاة إلى الله ألا يألموا كثيرًا إذا رفض بعض الناس دعوتهم، وقد وقع مثل هذا لرسولنا صلى الله عليه وسلم، عندما رفض كثير من الكفار ما جاءهم به فكاد أن يهلك نفسه في توجعه على عدم إيمانهم بما جاءهم به ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (الكهف: 6).
- يضع الله على قلوب الذين كتب عليهم الكفر وأسماعهم ختمًا، ويضع على أبصارهم غشاوة: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 7)، ومع إيماننا بما أخبرنا الله به من وضعه الختم على القلوب والأسماع، والغشاوة على الأبصار، فإننا لا ندري كيف هي، وكيف يفعلها الله بهم.
- النوع الأول من الناس الأتقياء، هم الفائزون، وأعظم فوزهم حلولهم في جنات النعيم، أما الفريق الثاني في ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 7).
وهذا يشمل عذابهم في الدنيا، والبرزخ والموقف في القيامة، وأخيرًا سوقهم إلى النار، وقذفهم فيها.
الفريق الثالث
أما النص الكريم الذي سوف نطوف عليه فيتحدث عن موقف الفريق الثالث من البشر تجاه القرآن الكريم، وهو فريق مختلف عن الفريقين السابقين، فالأول: مؤمن واضح في إيمانه، والثاني: كافر واضح في كفره، أما هذا الفريق فهو فريق مراوغ مخادع يدعي الإيمان، ويبطن الكفر، ويدعي الإصلاح وهو مفسد، ويرمي الصحابة الكرام بالسفه، وهو السفيه، وقد أطال القرآن في رسم معالمه لأنه متلون ملتو مخادع.
آيات النص
وآيات هذا النص من القرآن الكريم هي: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ, يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ, فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ, وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ, أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ, وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ, وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ, ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ, أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ﴾ (البقرة: ٨- ١٦).
المعاني الحسان في تفسير آيات هذا النص من القرآن
- موقف الفريق الثالث من القرآن:
الفريق الثالث الذي يتحدث عنه هذا النص هم المنافقون، وهم الذين يدعون الإيمان بألسنتهم، وقد يصلون، ويصومون، ويقرؤون القرآن، ولكنهم كاذبون في دعواهم فهم يبطنون الكفر في قلوبهم، كما قال تعالى فيهم: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۚ﴾ (الفتح: ۱۱)، وقوله: ﴿يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ﴾ (التوبة: ٨)، وهؤلاء هم المنافقون نفاقا أكبر، وهو الذي يسميه العلماء بالنفاق الاعتقادي، وأصحابه في الدرك الأسفل من النار إن هم ماتوا عليه: ﴿ ِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (النساء: ١٤٥).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل