; سماسرة الحرب والسلام! | مجلة المجتمع

العنوان سماسرة الحرب والسلام!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1982

مشاهدات 64

نشر في العدد 574

نشر في الصفحة 5

الثلاثاء 08-يونيو-1982

كلهم يستعجلون اليوم، ولعلهم يتسابقون يحملون في أيديهم حقائب تختبئ فيها أوراق سرية، وأوراق أخرى سجلت عليها أرقام كبيرة، وأوراق ثالثة لا ينقصها إلا التوقيع، ويجولون بين عواصم المنطقة مسرعين، يوزعون فيها ابتسامات خالية من البشاشة إنهم يستعجلون.. لأنهم على يقين من أن «الطبخة» قد نضجت بعد أن لبثت سنين تتقلب على نيران المعارك والصراعات، والتفجيرات والمكائد...

وليس من حق أحد أن يلومهم مهما سببوا من هلاك ودمار وآلام، فتلك مهنتهم بالأمس كانوا يوزعون السلاح والمشورة على فرقاء المنطقة، واليوم يجدون في السعي في سبيلًا لإيجاد حلول سلمية لمشاكل المنطقة، ولا تناقض بين يومهم وأمسهم.. فتلك مهنتهم.. انهم تجار حرب.. وتجار سلام كليهما معًا والسوق نشطة، وبضاعتهم رائجة..

الأمريكيون يجهزون «فيليب حبيب» بعد أن مهد لزيارته عدد من المبعوثين الأمريكيين والأوروبيين أيضًا، لا يكادون يهدؤون من جولاتهم السريعة بين دول المنطقة «كلود شيسون» وزير العلاقات الخارجية الفرنسية، و«ليو تنديمانز» وزير خارجية بلجيكا والرئيس الحالي للسوق الأوروبية المشتركة، و«غينشر» وزير خارجية ألمانيا الغربية. وأما الرومانيون - سماسرة التنسيق بين مصالح الرأسمالية ومصالح الشيوعية - فقد زرعوا المنطقة بمبعوثيهم.

وأما قادة الكرملين فيؤثرون كعادتهم - الدبلوماسية الصامتة بعيدًا عن الضوء، لأن لديهم الكثير مما لا يحسن الإفصاح عنه.

وما ينبغي لأحد أن يلوم أحدًا من هؤلاء، لأنهم نجحوا نجاحًا كبيرًا في تحقيق الكثير من أهدافهم، وهم ماضون فيما كانوا يرسمونه منذ زمن، ذلك بأن نجاحهم هذا لم يتحقق بمحض جهودهم، بل كانت بعض دول المنطقة تعزز جهودهم وتمكن لهم. وهم لا يمضون وحدهم فيما يرسمون بل إن من دول المنطقة من يمهد لهم ويجري معهم، فما من أحد يخالجه الشك في أن دول المنطقة العربية قد انتظمت اليوم في محورين رئيسين بلغ التناقض بينهما حدًّا بعيدًا، يصعب معه إيجاد نوع من التفاهم ليس على تسوية مشاكل المنطقة وحسب، بل يصعب بينهما التفاهم أيضًا على الخطوط العامة التي تكفل لكل منهما مصالحه وأمنه. وإذا كانت الأسباب التي أدت إلى وقوع دول المنطقة في شرك المحاور المتصارعة.. بات الكثير منها معروفًا، فإننا نريد الوقوف على أبرز النتائج التي يمكن أن تفضي إليها سياسة المحاور هذه:

١ - إن تناقض المحاور الذي ابتليت به دول المنطقة سوف يسلب هذه الدول حرية القرار الذي تناط به مصالح شعوب المنطقة ومستقبلها، وسيصبح هذا القرار نهبًا مشاعًا على موائد الدبلوماسية الدولية التي تنشط هذه الأيام نشاطًا ملحوظًا.

٢ - إن بروز المحاور هذا البروز الواضح العلني يعني أن دول المنطقة ستغدو الآن أسهل انقيادًا - أكثر من أي وقت مضى - للمشاريع والمبادرات الدولية، مما يهدد بشكل خطير - مستقبل شعوب المنطقة ومصالحها.

٣- إن احتلال دول الغرب والشرق موقع الوسيط بين المحورين المتنازعين في المنطقة سيسهل لها النجاح في حملاتها الابتزازية بالتقلب على المحورين، وهذا ناجم في الحقيقة عن أن تلك الدول لم تعد تجد مسوغًا لاعتبار مصالح شعوب المنطقة في الحلول والتسويات التي يمكن أن تطرحها، وهي بالتالي ستركز جهودها على اقتناص أكبر قدر ممكن من أسلاب المتصارعين في المنطقة.

٤ - إن كلًا من دول المحورين المتنازعين أصبحت اليوم مستغرقة في مشكلات المحافظة على أمنها ووجودها في خضم المخاطر التي تهددها بشكل مباشر، وهذا يعني دون ريب - أنها أصبحت في شغل يشغلها عن التفكير والتحرك من أجل القضايا الكبرى التي تعتبر في المرتبة الأولى من الاهتمام، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. وهذا سيؤدي بالتالي إلى تمكين العدو من فرض أعنف الشروط، ومن استغلال هذا الوضع ليكون أي حل من الحلول مرهونًا بقراره وحده، وهكذا تفقد دول المنطقة التي تمحورت كثيرًا من الأوراق السياسية والعسكرية، في وضعها العسير هذا.

٥- إن تبلور المحاور هذا يدل على أن الصف العربي في أبعد حالات الضعف، وهو ينذر بخسارة جسيمة على الصعيد السياسي الدولي، ذلك بأن الدول الأخرى - الكبرى والصغرى - ترى اليوم أن السياسة الخارجية لدول المنطقة فقدت الكثير من مسوغاتها وثقلها وفعاليتها، وهذا سوف يحمل الدول الأخرى على تعزيز علاقاتها بالعدو الصهيوني، لأنه بات الطرف الأقوى دون أن تخشى من موقف دول المنطقة منها. وهذا ما بدا في الواقع واضحًا جدًا: فوزير خارجية المانيا الغربية «غينشر» يزور تل أبيب في أول زيارة يقوم بها مسؤول ألماني كبير بعد الهجوم الشديد الذي قام به بيغن عن المستشار الألماني «هلموت شميث» في العام الماضي. وزائير تبدأ بإعادة علاقاتها مع إسرائيل، وهي بادرة تنبئ عن خطر كبير يهدد بخسارة دول المنطقة للقارة السوداء. وهذا كله يعني في الحقيقة أن السياسة الخارجية للدول الأخرى، إنما باتت تقوم - بالدرجة الأولى - على تحسين علاقاتها مع العدو الصهيوني وتوطيدها، وهذه خسارة سياسية كبيرة تمنى بها دول المنطقة العربية.

وأخيرًا، فليس ينفعنا أن نلوم سماسرة الحرب والسلام. ما دامت هذه مهنتهم، يوزعون بالأمس السلاح في سرية على الأطراف المتنازعة جميعًا، ويوزعون اليوم على الأطراف جميعًا أيضًا - في العلن - أوراقًا لا ينقصها إلا التوقيع.. وابتسامات خالية من كل بشاشة.

الرابط المختصر :